ميشيل فوكو في كوليج دو فرانس

ميشيل فوكو في كوليج دو فرانس

فوكو أبرز من شرّح السلطة وساءل الحقيقة

مئة عام على ميلاد فيلسوف أعاد التفكير في السلطة والمعرفة.

 

 

فوكو أبرز من شرّح السلطة وساءل الحقيقة

بعد مئة عام على ميلاد ميشيل فوكو، يعود الفيلسوف الفرنسي إلى الواجهة عبر معرض يستعيد تجربته الأكاديمية والفكرية، من خلال مخطوطات ووثائق وتسجيلات نادرة. ولا تقتصر هذه العودة على الاحتفاء بإرثه، بل تفتح المجال لتأمل أسئلته حول السلطة والمعرفة والحقيقة، واستكشاف قدرتها على إضاءة تناقضات المجتمعات المعاصرة وآليات اشتغالها.

بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984)، ينظم الكوليج دو فرانس، بالشراكة مع المكتبة الوطنية الفرنسية، معرضًا بعنوان «فوكو: مغامرة فكرية في كوليج دو فرانس». ويستعيد المعرض المسار العلمي والفكري والأكاديمي لأحد أبرز مفكري القرن العشرين، مما يتيح للجمهور فرصة اكتشاف جوانب من تجربته الأكاديمية والفلسفية، من خلال مخطوطات ووثائق أرشيفية وشهادات صوتية ومرئية ومواد شخصية تكشف تطور مشروعه الفكري.

ولا يقتصر هذا المعرض على استذكار شخصية فلسفية تركت بصمتها في تاريخ الفكر المعاصر، بل يسعى أيضًا إلى إبراز راهنية الأسئلة التي طرحها فوكو حول السلطة والمعرفة والحقيقة والإنسان، وهي أسئلة لا تزال تحتل مكانة بارزة في النقاشات الفكرية والسياسية والاجتماعية الراهنة.

من الجامعة إلى المغامرة الفكرية

عُيّن فوكو، في 12 أبريل 1970، أستاذًا في كوليج دو فرانس، حيث تولّى كرسي تاريخ «أنظمة الفكر»، واستمر في التدريس بالمؤسسة حتى وفاته عام 1984. وجاء تعيينه تتويجًا لمسار فكري لافت أثار اهتمام الأوساط الأكاديمية والثقافية، خصوصًا بعد صدور كتابيه الشهيرين «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» و«الكلمات والأشياء».

غير أن تجربة فوكو لم تكن مسارًا أكاديميًا تقليديًا؛ فقد رفض الانحصار في حدود تخصص بعينه، وتنقّل في أبحاثه بين الفلسفة والتاريخ وعلم النفس والعلوم الاجتماعية، ساعيًا إلى فهم الكيفية التي تتشكّل بها الأفكار والمؤسسات والممارسات داخل المجتمعات.

وإلى جانب ذلك، ارتبط اسمه بمواقف سياسية واجتماعية واضحة، وباهتمام متواصل بالفئات المهمشة والمؤسسات العقابية وأشكال المراقبة والإقصاء. وبالنسبة إليه، لم يكن التفكير الفلسفي مجرد نشاط نظري، بل وسيلة لاستنطاق الواقع والكشف عن الآليات التي تنظّم حياة الأفراد وتؤثر في حرياتهم.

دروس لم تكن مجرد محاضرات

في ضوء هذه المعطيات، شكّلت سنوات فوكو في كوليج دو فرانس مرحلة أساسية في تطور مشروعه الفكري. فالدروس التي ألقاها لم تكن مجرد إعادة عرض لأفكار وردت في مؤلفاته، بل تحوّلت إلى مختبر مفتوح للتجريب والبحث، اختبر فيه فرضيات جديدة، وطوّر مفاهيمه، وأعاد النظر في نتائج أعماله السابقة.

وتناولت أبحاثه موضوعات متعددة، من تاريخ المؤسسات العقابية إلى العلاقة بين السلطة والمعرفة، ومن أساليب الحكم إلى تشكيل الذات الإنسانية وإنتاج الحقيقة. وكان يعتمد على العودة إلى الوثائق التاريخية وتحليل الخطابات والممارسات الاجتماعية، بهدف الكشف عن الظروف التي أدت إلى ظهور أفكار ومؤسسات تبدو، في نظر كثيرين، طبيعية أو ثابتة.

ومن هنا، تبرز إحدى أهم مساهماته، وهي إظهار أن ما تعتبره المجتمعات من البديهيات ليس بالضرورة حقيقة أزلية، بل قد يكون نتيجة مسار تاريخي طويل شاركت المؤسسات والمعارف وعلاقات القوة في تشكيله.

السلطة لا تعمل بالقوة وحدها

من أبرز ما خلّفه فوكو من إرث فكري مجموعة من المفاهيم التي أصبحت أدوات أساسية في تحليل المجتمعات الحديثة. ويأتي مفهوم «الحكمانية» في مقدمتها، إذ يساعد على فهم الكيفية التي تُوجَّه بها سلوكيات الأفراد وتُدار بها حياة السكان، ليس من خلال القوانين والإكراه فحسب، بل أيضًا عبر المؤسسات والخطابات والمعارف والتقنيات الإدارية.

أما مفهوم «البيوسياسة»، فيسلّط الضوء على أشكال تدخل السلطة في الحياة الإنسانية، من خلال تنظيم الصحة والولادة والوفاة والأمراض والنمو السكاني. ويكشف هذا التصور كيف أصبحت حياة السكان نفسها موضوعًا للتخطيط والإدارة والتدخل السياسي.

ويحتل مفهوم «السلطة الرعوية» مكانة أخرى في تحليلاته، إذ يشير إلى أنماط من التوجيه والمراقبة تقوم على متابعة الأفراد والسعي إلى التأثير في سلوكهم. كذلك يتيح مفهوم «نظام الحقيقة» دراسة الشروط التي تجعل بعض الخطابات والمعارف مقبولة بوصفها صحيحة وموثوقة.

وتكمن أهمية هذه المفاهيم في أنها توسّع فهمنا للسلطة، فلا تحصرها في مؤسسات الدولة أو أشكال القمع المباشر، بل تكشف عن حضورها في المؤسسات والممارسات اليومية، وفي طرائق إنتاج المعرفة وتداولها.

فكر تجاوز الحدود الفرنسية

 

معرض «فوكو: مغامرة فكرية في كوليج دو فرانس» يستعيد تجربة فكرية جعلت النقد وسيلة لفهم المجتمع ومساءلة مسلّماته

لم يظل تأثير فوكو محصورًا في فرنسا؛ فقد أسهم انتشار دروسه وتداول تسجيلاتها الصوتية ونصوصها المكتوبة في وصول أفكاره إلى خارج الحدود الفرنسية. كما عززت أسفاره واتصالاته الفكرية في الولايات المتحدة والبرازيل واليابان حضوره في الأوساط العلمية والثقافية الدولية.

وبعد وفاته عام 1984، اكتسبت دروسه حياة جديدة مع نشرها وترجمتها إلى لغات عديدة، لتصبح جزءًا أساسيًا من أعماله المنشورة. وقد أتاحت هذه النصوص للباحثين والقراء التعرّف بصورة أعمق على طريقته في التفكير، وعلى التحولات التي شهدتها أبحاثه خلال سنوات التدريس.

وامتد تأثيره إلى مجالات متعددة، من الفلسفة وعلم الاجتماع إلى العلوم السياسية والتاريخ والدراسات الثقافية. ولا تزال مفاهيمه تُستخدم في تحليل المؤسسات التعليمية والطبية والعقابية، ودراسة المراقبة وتنظيم السلوك، وفهم العلاقة بين الخطابات السائدة وموازين القوة داخل المجتمع.

معرض يستعيد الماضي لقراءة الحاضر

يضم المعرض نحو مئة قطعة، تشمل مخطوطات غير منشورة، وأغراضًا شخصية، ووثائق أرشيفية، وتسجيلات صوتية ومرئية. ومن خلال هذه المواد، يسعى المنظمون إلى تقديم صورة متكاملة عن مسيرة ميشال فوكو، وإبراز علاقاته الفكرية وشبكة أصدقائه وزملائه، فضلًا عن الصلات بين نشاطه الأكاديمي والتزاماته السياسية والاجتماعية خارج المؤسسة الجامعية.

وتنبع أهمية هذه المبادرة من أنها لا تقدم فوكو بوصفه صاحب نظرية مغلقة، بل بوصفه مفكرًا ظل يعيد النظر في أفكاره ويختبر أدواته التحليلية باستمرار. كما تذكّر بأن المعرفة لا تُنتَج بمعزل عن السياقات التاريخية والمؤسساتية، وأن فهمها يقتضي الانتباه إلى علاقات السلطة التي تؤثر في إنتاجها وتحديد مكانتها داخل المجتمع.

ويستقبل المعرض زواره من 30 سبتمبر 2026 إلى 15 يناير 2027، ويتضمن برنامجًا من الأنشطة المرافقة، تشمل عروضًا مسرحية ومحاضرات فكرية.

إرث لا يزال يثير الأسئلة

بعد قرن على ميلاده، لا يزال ميشيل فوكو حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالحرية والمراقبة والسلطة وإنتاج الحقيقة. وتكمن قوة مشروعه في أنه لا يقدم أجوبة نهائية بقدر ما يدفع إلى طرح أسئلة جديدة حول المؤسسات التي نعيش في كنفها، والمعارف التي نثق بها، والآليات التي تؤثر في تصوراتنا عن أنفسنا وعن العالم.

وهكذا، يمثل معرض «فوكو: مغامرة فكرية في كوليج دو فرانس» أكثر من مجرد تكريم لفيلسوف بارز؛ إنه دعوة إلى استعادة تجربة فكرية جعلت النقد وسيلة لفهم المجتمع ومساءلة مسلّماته. وفي زمن تتزايد فيه الأسئلة حول المراقبة وإدارة المعلومات وتأثير المؤسسات في حياة الأفراد، تبدو العودة إلى فوكو فرصة لإعادة التفكير في العلاقة المعقدة بين المعرفة والسلطة، وفي حدود الحرية داخل المجتمعات المعاصرة.

 

الطيب ولد العروسي

كاتب جزائري