بَيْت لَكْتوب..

بَيْت لَكْتوب..

أحمدسالم أشفغ عبدُ الله

 

 

بُني هذا البيتُ المعروف محلياً بـ"بيت لكتوب"، في منتصف ثمانينات القرن الماضي بقرية السلام الشرقية التي تبعد من القرية الحالية حوالي كيلمترين، على يد العامل عبد المولى (رحمه الله)، والقرية هي التي أنشد فيها الشيخ ممُّود ولد بلبلَّاه (رحمه الله) ذات يومٍ: 

تكون لمَن ثَوَى دارُ السَّلامِ

                      مُقاماً بالسُّرورِ وبالسَّلَامِ

وأنشد فيها الأديب الزاوي ولد حمَّه (رحمه الله): 

أهْل السَّــلام ألَّا امْحَقِيـــــــنْ 

                  عَنْهُمْ مَنْ يَـــوْم لَنْدَّگْ لَبْحَــرْ

أجْماعةْ العلْم واجمَاعةْ الدِّينْ

              واجْمَاعةْ الخيرْ واجْماعة الشَّرّْ

ومن باب الطرافة، فقد قالت إحدى سيدات القرية الماجدات عندما أنشدها صاحب الگاف گافَه هذا، لكنت ما گلت: "اجماعَة الشَّرّْ"، ماتيْت انسلَّم اعليك. 

ويُعتبر هذا البيت ثالثَ بناءٍ أسمنتي يُبنى في القرية بعد بناء منزليْ خاليَّ العزيزيْن لمرابط ولد محمد لولي (رحمه الله) ومنزل أخيه الداه ولد گلَّاه (أطال الله بقاءه)، ولم يبقَ من هذه المنازل إلا آثارٌ من منزل دار أهل لمرابط، بينما بقي البيتُ قائماً على حاله من دون تغيير يُذكر. 

بنى عبد الرحمن "الدَّح" ولد المصطفى ولد المختار ولد بيعدَل هذا البيتَ لجمع مكتبته المتنقلة التي تحوي مخطوطاتٍ نادرة، وكتباً نفيسةً جمعت أنواع العلوم بمجالتها المختلفة، وحفظها من الآفات المضرة بالكتب كالمطر وافتراس الحيوانات ونحو ذلك، ومن هنا جاءت تسميتُه بـ"بيت لكتوب"

بقي هذا البيتُ زمناً طويلا حِكراً على الكُتب ومتعلقاتِها من تدريس، وتأليفٍ ونقاشاتٍ علمية، يطبعها العلم والفهمُ والزهد والإخلاص والورَع. 

اليوم جئتُ البيتَ فإذا به استعاد خضرته وبريقَه وازّينت أرضُه وأنبتت من كل زوج بهيج، فألفيته فاتحاً كعادته ذراعيْه لاستقبال زائريه بحفاوة وترحيب وتقدير.. وتبجيل وتوقير.. منشِداً في وجه ضيفه: 

أهلًا بمقدمِه المَيمونِ طالِعُه

                          واليُمنُ والبِشرُ والترحيبُ لاقيهِ

أعذرك! لقد تعوَّدت يا بيْتُ على أن يظلَّ بابُك مفتوحاً على مصراعيْه لكلِّ قادِمٍ، فبقيتَ على ذلك الحالِ إلى يومِنا هذا، فما انتَ بالمتغيِّر وإن قلَّ مرتاودك وزائروك وفرّقتهم الأقدار.. 

قامتك الفرعاء الشامخة بقيت متماسكة، صامدة، في حيِّها، تنادي وتقاوِم وتنتظر الزائرين تعدُّ لهم العدة وتجهِّز لهم المكان ليظلَّ على عهده السابق منذ ما يزيد على أربعين سنةً.. 

تحتَ سقْفِك الذي هدَّدته عادياتُ الزمن، وبين هذه الجدران التي شاخت واحدودبت، أُلِّفت الكُتب ونوقشت العلوم القرآنية والفقهية واللغوية على مدى زمن طويلٍ.. 

وتحت هذا السقف دُرِّست مختلفُ العلوم المحظرية بإتقانٍ وتفانٍ، واجتمعت التلاميذُ من كل حدب وصوب يحدوهم التوقُ إلى العلم الغزيرِ والفهم الثاقبِ والإخلاص في التدريس والورع في الفتوى.. 

سَقى الرياضَ الَّتي من روضِها طلَعتْ

                           طَــلائِعُ الدِّيـــنِ حَتَّى قامَ قيمُه

بقيَ هذ البيتُ شاهداً حياً على تراثٍ علميٍ رصينٍ وقِبلةً للمستفتين، ومصدراً لحل عويصات النوازل، الواردة من شيوخ وقضاة الولاية، فجاءت لهذا البيت نوازلُ ورسائلُ واردة من الشيخ گراي ولد أحمديورا ومن القاضي أحمدسالم ولد ديدي، ومن الشيخ محمد الحسن ولد أحمدُّ الخديم، ومن الإمام بداه ولد البُصيري، ومن شيخي محمدن ولد محمد عبد الله ولد الواثق، ومن الشيخ أحمدُّ ولد حبيب ولد الزايد ومن الشيخ أحمدسالم ولد أبابَه..(رحم الله الجميع)، والقائمة تطول. 

وعلماً بالفروعِ إلى أصُـــــولٍ

                        وعِلماً بالحديثِ وبالكِتابِ

وعلماً باختلافِ القومِ فيها 

                       وعلماً بالمصوَّب والصَّوابِ

فلتعذرني يا بيْتُ! إن طال عهدي بك، فوالله ما زادني ذلك إلا شوقاً لك وحنيناً إليك وإلى أرضك ومائِك وشجرك وحمامك وأطلالك، التي كانت مصدر فخر واعتزاز وستظلُّ.. 

                                   تحياتي.