سعيد يقطين
إن نقل مصطلحات من مجالها الأصلي، وخاصة إذا كانت ذا بعد علمي، مثل «السرديات» إلى استعمالات جديدة ذات حمولة إيديولوجية واضحة هو استغلال وسرقة للمدلول الأصلي، وتحريف له لإكسابها معنى مقبولا، ما دامت المصطلحات القديمة صارت متجاوزة، ومرفوضة. ولا يخالف هذا المسلك ما كنا قد أشرنا إليه حول استعمال «دوالَّ» ناعمة لـ«مدلولات» صلبة لجعلها مقبولة. ساهم الإعلام، وخاصة العربي، في إعطاء «السرديات» بعدا منحرفا عن أصلها، بسبب ترجمة «المرويات الكبرى» ( Grands Récits ) بـ«السرديات الكبرى»، أو بـ«السردية» لتدل على كل خطاب يتصل بحدث جلل، أو موقف تعبر عنه جهة ما بما يميزها عن غيرها. قد يبدو مصطلح «السردية» محايدا و«جميلا». ولكنه في العمق ليس سوى تعبير جديد عن مدلولات دوال صارت متجاوزة لأنها صارت مرذولة في الاستعمال الجاري. وفي تأطير ليوتار للمرويات الكبرى، نجده يؤكد أن فهم العلاقات الاجتماعية لا يرتكز فقط على نظرية للتواصل، ولكن على أساس «نظرية الألعاب»، حيث تصبح اللغة «ألعوبة» تقبل تحريك دوالها وفق «مرويات» يراد لها أن تكون مقبولة. وأعتبر هذه الخلفية أساس تصور ليوتار للتحولات التي طرأت مع الرقامة.
ما صار «يروى» على الهيئة التي يريدها «الراوي»، وفق تلك اللعبة اللغوية، هو ما يؤكد التباين بين خطاب «السلطة»، على حساب خطاب «المقهورين». فكما أن القوانين تصوغها السلط، كذلك الأمر مع اللغة. هذا هو الأساس، في رأيي الذي يبني عليها ليوتار تقييمه لوضع ما بعد الحداثة ليجسد من خلال «المرويات الكبرى» الغربية مقولات التقدم والعقل والديمقراطية، ومنجزات الفكر الغربي التي لم يبق ما يبرر صدقها، وتصديقها في الوقت الحالي لانحرافها عن أصولها الفكرية والتاريخية.
قبل أن يستعمل ليوتار تلك المقولة الجامعة سنة 1979كانت التحليلات النقدية حول الموقف من الفكر الغربي الحديث وانبنائه حول مقولات، وأفكار، ومبادئ وإيديولوجيات (أفضلها على المرويات) قد بدأت بالانتشار بعد الحرب الثانية حيث بدأت تتداعى كل الأفكار «الإيجابية» حول «الحضارة الغربية» ونموذجيتها، ألَّف رولان بارت كتابا تحت عنوان: «أسطورات» (Mythologies ) سنة 1957، والدراسات البنيوية التي تتأسس على خلفية لسانية في بدايتها. يعلن بارت أنه يشتغل بالسيميائيات في تحليل العلامات التي فرضت نفسها في المجتمع الغربي، مسميا إياها بالأسطورات. أفضل هذه الترجمة على أسطوريات وأساطير لأن الفرق بينهما، رغم أن جمعهما واحد، يكمن في أن أساطير ذات حمولة تاريخية وتتصل بنمط من التفكير الإنساني في بدايات تشكله وتفسيره للكون. أما أسطورات فهي خاصة بثقافة معينة، ولا ترقى إلى مستوى الأساطير الخالدة. إن الأسطورات وليدة تحول تاريخي، وهي تهيمن في حقبة، وتزول في أخرى مخلية المجال لمثيلاتها في حقبة أخرى. أما الأسطوريات فهي العلم الذي يهتم بالأساطير.
بيَّن بارت في مقدمة كتابه (1970) أنه مبني على تحديدين: نقد إيديولوجي يتعامل مع لغة الثقافة المسماة جماهيرية، من جهة. ومن جهة ثانية: تحليل سيميائي لهذه اللغة في ضوء ما استفاده من دوسوسير في تعامله مع «التمثلات الاجتماعية» باعتبارها أنظمة علامات يمكنه بواسطتها إزالة الغموض الذي أعطى لثقافة البورجوازية الصغيرة بعدا كونيا. إن التحليل السيميائي الذي دشنه في هذا الكتاب هو بمثابة الموئل النظري الذي يتيح إمكانية تحرير معين للدال في هذا القرن، وفي الغرب خصوصا. إن الكتاب، علاوة على كونه يتركز على العدو الأساسي (المعيار البورجوازي) يسعى إلى الربط الضروري بين حركتين: لا إدانة بدون أداة تحليلية دقيقة، ولا سيميائيات بدون تحطيم للعلامات السائدة. ينطلق بارت من هدف تحطيم «أسطورات» الحياة اليومية الغربية من خلال التمييز بين الطبيعي والبيولوجي الكامن في كل ما هو كوني وإنساني وغير قابل للتغيير (الغذاء مثلا)، وما هو تاريخي، أي ما يشيده الإنسان في عصر معين وثقافة معينة، وبنيات اجتماعية خاصة (طريقة تناول الطعام والطقوس المتصلة بها مثلا).
يكتب بارت: «عانيت من رؤية الخلط السائد بين الطبيعة والتاريخ، فيما يروى ( Récit ) من خلال الأخبار التي تقدمها وسائل إعلامنا». ويأتي الكتاب لفضح، وتفكيك كل الأسطورات باعتبارها «حكايات» تقدم الأشياء على غير ما هي عليه، مركزا على اللغة الموظفة في الإعلام، والإشهار، والصورة، والألعاب، والسينما، والسيارة…وفي القسم الأخير من الكتاب، يبين كيف تتحول اللغة اليومية إلى أسطورة إيديولوجية من خلال اعتباره الأسطورة علامة لأنها تتأسس على اللغة. غير أن دال العلامة اللغوية يصبح شكلا فارغا لأنه يشحن هذا الدال بمدلول أسطوري ذي بعد فكري وإيديولوجي بورجوازي، فتنجم عن ذلك «أسطورة جديدة». ويضرب لذلك مثال الشاب الأفريقي الجندي الذي يحيي العلم الفرنسي. فعلامة الصورة تعيِّن واقعا ملموسا. غير أن النظام الأسطوري يسرق العلامة الصورية، ويحولها إلى دال جديد له مدلول جديد وفق الإيديولوجيا البورجوازية. فإذا بتحية العلم الفرنسي تؤكد عظمة فرنسا وانفتاحها على كل الأعراق التي تتعاون معها. وأن الاستعمار مقبول من لدن الجميع. وبالاستناد إلى العلاقة بين الطبيعة والتاريخ يستخلص أن الأسطورة البورجوازية تسعى إلى تحويل التاريخ إلى طبيعة لتكتسب شرعيتها وديمومتها.
إذا كان بارت العالِم السيميائي يتناول «الأسطورات» انطلاقا من علم السيميائيات، وليوتار الفيلسوف من تحليل فكري يتحدث عن «المرويات الكبرى»، فإن ما يجمع بينهما هو تحليل الخطاب في ضوء ما تحقق مع اللسانيات، والنظريات السردية ليتوقفا معا على ما تمارسه المؤسسات القائمة على السلطة الإعلامية من أجل فرض هيمنتها على العالم باختلاق «أسطورات» و«مرويات» تحقق لها شرعية متواصلة. إن ألاعيبها الموظفة على العلامات المختلفة، وانبناءها جميعا على «السرد»، بتحويل الدوال إلى مدلولات جديدة تنسجم مع أطروحاتها الإيديولوجية، هو ما تسعى إلى تحقيقه بفرضها على أنها وقائع «حقيقية»، وطبيعية.
إن «أسطورات» بارت السيميائية، و«المرويات الكبرى» لليوتار ذات الخلفية الفلسفية هي ما أسميتها «الأصاديق» في ضوء السرديات التي أشتغل بها باعتبارها علما للسرد. فالمشترك بينها جميعا هو «اللعبة اللغوية». فالسرديات وهي تبحث في «سردية» الخطاب للوقوف على أبعاده الجمالية والدلالية والمعرفية تنطلق من «الخبر» باعتباره نواة أي عمل سردي كيفما كان نوعه. ولما كان الخبر يحتمل «الصدق» و«الكذب» كانت الأصاديق مثل أسطورات بارت ومرويات ليوتار. إنها تحول «الأكاذيب» إلى ما يمكن الترويج له وتصديقه على أنه «الواقع» الحقيقي الذي تم حجبه قبل بروزها. ويتم ذلك من خلال اختلاق «تاريخ جديد» مبني على الـ»كذب» لأنه بلا أساس «واقعيا»، وتحويله إلى «حقيقة طبيعية». بالمقابل ترمي إلى تحويل التاريخ الواقعي المعترف بها من قبل كل كتب التاريخ منذ أقدم العصور إلى «شبه واقع»، أو «واقع زائف». ويبدو ذلك في خلق أسماء «جديدة» لا تاريخ لها، والعمل على محو الأسماء «التاريخية» بسرقتها وتحويلها إلى ما تسميه «سردية جديدة». فالفتح العربي ـ الإسلامي، على سبيل التمثيل، لشمال أفريقيا «غزو». وعبور الأندلس كان «فتحا» لأنه تم على يد الأمازيغ، وليس العرب. وكل ما يقدم في هذا السياق ليس سوى أصديق مؤسسة على أكاذيب تلتقي، وتستقي موادها مما تقدمه الجهات التي ترمي إلى بسط الهيمنة على المنطقة، وتحويلها إلى تبعية مستدامة. ولا غرابة في ذلك، فهي تتأسس على الأسطورات والمرويات التي يعمل الغرب على إشاعتها، والترويج لها لضمان استمرار سلطته على العالم، بدل عمله من أجل سعادة الإنسان على نحو ما كان مطروحا في بداية ظهور الحضارة الغربية.
إن الأصاديق، جمع أصدوقة، محاولة لتحويل الأكاذيب الزائفة، وغير المشيدة على معطيات ووثائق إلى حقائق لتصديقها واتخاذها بديلا عما هو تاريخي وثقافي وطبيعي في الحياة. يدعي أصحاب الأصاديق أنهم بصدد تكوين «سردية جديدة» بادعاء الحداثة، والعقلانية وتجديد الخطاب الديني والتاريخي، وما شابه هذا من الشعارات الفضفاضة، وهم في الحقيقة يتأولون ما تسعفهم به المواد التاريخية والدينية التي ينطلقون منها محولين إياها من بعدها التاريخي الواقعي إلى «أخبار» كاذبة محاولين إعطاءها بعدا طبيعيا. إن الأسطورات التي تناولها بارت تفرض نفسها لأنها وليدة تطور الوسائط الجماهيرية (مجرة غوتنبيرغ 1962)، وقد اتخذت مع ليوتار بعد «المرويات الكبرى» مع الوسائط المتفاعلة (1985)، وكلها تكشف لنا حقيقة المآل الذي عرفته الحضارة الغربية. وما الموقف الغربي تجاه الإبادة الجماعية والتطهير العرقي سوى دليل على ذلك. أما الأصاديق المقدمة في وسائل التواصل الاجتماعي فهي ترويج لقوة السلطة والهيمنة والحرب التي لا تتوقف، والتي تستعين بمن ينشرها للتفريق بين الشعوب، لممارسة الهيمنة عليها. وما الدعوة إلى «سردية جديدة» سوى دعوة إلى تزييف التاريخ، وتحويله، وسرقته ليصب في مجرى ما كان أسطورات، وصار مرويات كبرى، فإذا بالأصاديق نسخة باهتة وبئيسة لإيديولوجيا زائفة ومضللة.
*كاتب من المغرب
