ذلك الصباح البعيد الذي مدّ فيه رجل يده إلى الجهة الأخرى من التاريخ

ذلك الصباح البعيد الذي مدّ فيه رجل يده إلى الجهة الأخرى من التاريخ

سيد المختار ولد أحمد

 

 

حين وقف رئيس الوزراء الأرميني "نيكول باشينيان" أمام باب تركيا للمرة الأولى، كان الصباح في عاصمة بلاده "يريفان" يفوح برائحة الخبز والثلج المذاب، وكان الرجل يظن مثل كل الذين يؤمنون بالأمل، أن الأبواب تفتح لمن يطرقها بما يكفي من الإخلاص، ولم يكن يعلم أن الانتظار سيطول ثلاث سنوات كاملة، تعاقبت خلالها الفصول على الجبال وتساقطت أوراق التقويم كما تتساقط أزهار اللوز على قبور لم يزرها أحد منذ قرن، وشاخت الأيام على العتبة حتى أصبح النسيان نفسه يتكئ على الجدران !

كان رئيس وزراء أرمينيا ورث عن أجداده ذاكرة بحجم قارة وإرثا من الدم تحمله الأمهات في عيونهن كما تحمل نساء قرى الجبل أسماء الغائبين الذين لن يعودوا، يذكرنها عند إشعال الموقد وحين تهب ريح الشمال وفي الليالي التي يطول فيها السهر على جمر الذكرى، فكان في وسعه كما يفعل كثيرون من أصحاب السلطة أن يستخرج الجراح من مخبئها كلما ضاقت به السياسة وأن يحول المأساة إلى خطبة تتلى في المناسبات، لكنه اختار أن يمد يده عارية من السلاح ومثقلة بالذاكرة، نحو جار وقف إلى جانب عدوة بلاده أذريبجان يوم استعادت "كاراباخ" من أرمينيا، وما زال يحتفظ في ذاكرته بدخان تلك الأيام، لم يطلب أن ينسى شيء، كان يعرف أن الماضي الحزين لا يغادر البيوت التي مر عليها يوما، وأنه يجلس كل مساء إلى مائدة الحاضر بصمت مهيب، يتقاسم معه الخبز والضوء الخافت، لكنه أراد فقط ألا يورث الأحفاد حزنا لم يرتكبوا ذنبه، وأن يجد في الجدار العتيق شقا يدخل منه شعاع الشمس ..

وفي صباح من هذا الأسبوع وصلت الأخبار كما تصل الأخبار الكبرى متأخرة وعلى غير موعد تحملها الريح من وراء الجبال، لقد تشاجر الأخوان فقد حظرت "باكو" الحجاب في المؤسسات التعليمية، فرفضت "أنقرة" القرار واهتزت المودة بين العاصمتين كما تهتز مصابيح الزيت حين يمر في الدار شبح غابر، وقال الناس إنها خصومة مؤقتة وإن الدم لا يصير ماء، وإن بين الأتراك والأذربيجانيين من الروابط ما لا تفرقه مراسيم أو قرارات، لكن الذين عاشوا طويلا يعرفون أن أصغر الشقوق هي التي تهدم أكبر البيوت !

وفي ذلك المساء جلس "باشينيان" على عتبة داره يصغي إلى الريح تحمل رائحة المطر من أرض بعيدة، وفكر أن الفرصة مثل الحب والموت لا تأتي في الموعد الذي ينتظرها فيه أصحابها، قد يجد أردوغان بعد حين أن حسابات الحاضر غير حسابات الأمس، فيفتح نافذة لا يفتحها حنين ولا ندم، وإنما المصلحة التي تدير شؤون العالم منذ أن خلق، وعندها لا لأن الماضي مات وإنما لأنه كف عن أن يحكم الغد، سيجد الرجل الذي انتظر ثلاث سنوات أن الباب كان مفتوحا طوال الوقت، وبعد سنوات طويلة حين يقف أحفاد الأرمن والأتراك أمام ذلك الباب، سيتذكرون ذلك الصباح البعيد الذي مد فيه رجل يده إلى الجهة الأخرى من التاريخ، وسيتساءلون كما يتساءل الذين ورثوا بيتا مهجورا لماذا استغرق الأمر كل هذا الزمن !