حكاية ابراگ لخميس

حكاية ابراگ لخميس

شيخنا عمر

 

 

​في ذلك الفضاء الممتد بلا نهايات، حيث تلتقي زرقة السماء بذهبية الرمال عند طريق "تازيازت"، تقف الصحراء الموريتانية شاهدا أبديا على صمت الكائنات.. هناك تتوه المسافات في أفق سرمدي.. ولا يقطع وحشة المدى إلا أثرُ عجلات عابرة أو صفيرُ الريح..

​وفي قلب هذا المدى الفسيح، ينبتُ بيتٌ خشبيٌّ صغير.. كوخٌ متواضعٌ أعيرَ للأيام والرمال.. تتجسد فيه بساطة الكدح وسعي الإنسان المضيء لانتزاع الحياة من جوف الفراغ.. لم يكن ذاك البيت سوى حانوتٍ صغير يستريح على عتبته السافرون، يمسحون عن وجوههم وعثاء السفر، وتبتاع فيه الأرواح المعذبة بالطريق شربة ماء أو لقمة عيش..

​وكان صاحب الكوخ ينسجُ دفء أسرته في قلب ذلك القفر، مستأنساً باالمنقبين العابرين.. وبمن يمرون من وإلى إمبراطورية تازيازت الكبيرة.. وبكائنٍ صغير اختار أن يشاركه هذا الشتات.. قردٌ أليف يتجول بين البضائع المكدسة.. أَلِفَهُ أهل البيت وأَلِفَهُم، حتى صار جزءاً من حياتهم اليومية الهادئة..​

​لم تكن تدري تلك الصحراء أن اسماً سيُخلّد في ذاكرتها من رحِم لحظة سخرية عابرة!

​في يومٍ ساكن دخل القردُ الكوخ الخشبي، يتنقل بنزقٍ وفضول بين الصناديق والأكياس.. لمحَهُ صاحبه.. وبنبرة استخفاف طبعية تعودها البشر حين يداعبون الكائنات المخلوقة بلا لسان، أطلق عبارته بالحسانية:

​«مَشْيَنْ ذَاتَكْ!»

​كلمةٌ واحدة.. تداعت في الأثير كأَنها همسةٌ ساخرة: "ما أقبحك!"

​أطلقها الرجل وهو مطمئنٌ إلى أن الحيوان لا يملك سوى الصمت أو الحركة التلقائية المعتادة.. لكن الكلمة لم تسقط في الفراغ.. بل وقعت في قلب ذلك الكائن الصغير كشرارة في هشيم جاف..

​انفجر شيءٌ غامض في أعماق القرد.. انقلبت أُلفته في لحظة واحدة إلى ظلام دامس من الغضب الثائر.. تحوّل الكائن الأليف إلى مجنون يمزق صمت المكان.. يرمي الرفوف.. يكسر الزجاج.. ويقلب المحتويات في فوضى عارمة كأنما يكتبُد بخرابه احتجاجا صارخا على تلك الإهانة ..

​حاول الرجل الاقتراب.. ناداه بألم وحيرة، تودد إليه ليستعيد أُلفته القديمة.. لكن الجدار قد انكسر.. كان القرد يزداد هيجانا وكلما دنا منه صاحبه، احتدّت ساحة المعركة الصغيرة داخل الكوخ الخشبي.. معركة بين إنسان يذود عن قوت عياله وكائن استبدت به نوبة غضب لا قرار لها..

​صار المكان أضيق من أن يحتمل هذه الثورة المشتعلة..

​أمام انغلاق السبل وزيادة الخطر في هذا القفر النائي لم يجد الرجل بُدا من الاستنجاد بدوريات الدرك المرابطة قرب منشآت كينروس تازيازت.. حضرت القوة وحاصرت البيت الخشبي المتداعي..

​كانت المحاولات للسيطرة على القرد بسلام تجابه بجنون أشد، حتى خيم الصمتُ المفاجئ على المكان..

​رصاصةٌ واحدة انطلقت لتنهي المعركة الصغيرة. سقط القرد صريعاً على الأرضية الخشبية، وسكن الدوار الذي ملأ الكوخ وخمد الاحتجاج الأخير.. انتهت القصة بدم أُريق على خشب الحانوت، لكن الحكاية لم تمت..

​تبتلع الصحراء أقدام العابرين، وتطمس الرياح معالم الطرق، وتُغير الرمال وجه الأرض من فصل إلى فصل.. لكنها عجزت عن محو أثر هذه اللحظة العابرة!