مدخل:
منذ بعض الوقت وأنا معني في تحليلاتي السياسية بما يجري في الشرق الأوسط من أحداث جنونية لأنه سيحدد مصير العالم حاضرا ومستقبلا حتى على بلادنا .
وكنت أقتصر -غالبا- على مراقبة مايجري في بلادنا باستثناآت تثبت القاعدة.
لكن التغيير الحكومي الأخير لفت انتباهي و أقنعني بالحديث عن بعض مشتقاته. خاصة خروج بعض أركان الحكومة الأبرز من التشكيلة الجديدة، و سأحاول في هذه المعالجة الرد على أهم سؤال بدا لي أنه بجمع كل التساؤلات المطروحة في الشارع السياسي الموريتاني وبين الأوساط الجماهيرية، وهو:
- هل أن خروج بعض أركان الأغلبية الحاكمة خروج من الحكومة فقط أم خروج من النظام نفسه؟! أهو ترجل مؤقت أم مغادة للميدان؟
معالجة
خمس ملاحظات في الصميم:
الملاحظة الأولى، أن فترة المأمورية الأولى وما مضى من الثانية للسيد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني شهدت تحديات كبيرة؛ بل خطيرة أحيانا. كان تجاوزها بسلامة صعبا للغاية. منهاعلى سبيل التذكير لا الحصر:
- وباء "كوفيد"، الذي هز العالم كله.
،- تحدي الهجرة العشوائية؛ وما صاحبها من محاولات توطين سياسي في البلاد لبعض الانتهازيين من قوميات في دول مجاورة. تحقيقا لإغراق سكاني وتجنيس مكثف سعيا إلى أن تكون بلادنا وطنا قوميا بديلا أحادي العرق، قياسا على تجربة زنجبار وفلسطين . وذلك بتحويل العبور العفوي إلى توطن يبدأ ب 450 ألف مستوطن من قومية أفريقية معينة. تحت ظل الهجرة العشوائية من الجنوب إلى الشمال؛
- ملف الانسداد السياسي والاحتقان والشحن؛ في حينه
- وأخيرا: جر مويتانيا إلى حرب أهلية مشفوعة بحرب حدودية على لتنطبخ في اضطرابات المنطقة الملتهبة، لبث روح الفوضى وإشعال الحرب الأهلية في بلادنا لاحقا، تكرارا لتجربة مالي ولوركينا فاسو والنيجر.. عبر استفزاز الحكومة الموريتانية من حكومات بعض الحكومات المجاورة من جهة، وبتحريض السلطات الوطنية من الداخل للانخراط الأهوج للانخراط بحرب حدودية في الأثناء، من جهة أخرى، تنفيسا عن الوضع المحتقن في واحدة أو أكثر من الدول الجاورة.
الملاحظة الثانية: أن هذه الملفات الحاسمة تم تجاوزها أو إدارتها بحكمة من القيادة العليا، وتنفيذ أمين من بعض الوزراء المعنيين بهذه الملفات، فتميزوا ووفقوا فعلا في الإشراف على التنفيذ والتخطيط العمليين لتفادي مخاطرها. وما أكثر الرسل السيئين الذين يفرطون في المهمات الحكومية التي توكل إليهم من قياداتهم: عجزا منهم، أوخوفا، أو ترددا، أو تفريطا، أو سوء نية..
الملاخظة الثالثة: أن الخروج من الحكومة أو الدخول إليها لا يعني بالضرورة أن كل خارج منها سيئ، ولا أن كل داخل فيها جيد. فالجودة وعدمها مسألتان تتعلقان بأداء الأشخاص، وحصيلة عملهم الملموسة. ومن لاحظ الإقبال الكبير على السيد محمد أحمد ولد محمد الأمين بعد خروجه من الحكومة يستنتج أن الرجل أدى مهمته المطلوبة بكفاءة مشهودة. ويقول المثل: لگدم ما ايكذب. وقد رأينا كثيرا من المواطنين العاديين يرتادون بيته إعجابا بأدائه وتثمينا لمساهمته الوطنية. ولولا أن وزير الدفاع لم يتوجه إلى الشرق في عزاء لأسرته الخاصة لكان الإقبال عليه في نواةشوط كبيرا. لأن أدلءه في ملفه الدفاعي مشهود كذلك
إن المواطن الموريتاني ذكي وجيد الاطلاع على أداء كل الشخصيات الحكومية والمسؤولين. وليسمغفلا كما يظن الكثيرون، وردة فعله على خروج بعض الوزراء الجيدين يجب أن تحفز غيرهم من الوزراء على بذل مزيد من الجهد المشابه حتى ينالوا رضى الشعب. و ينالوا تعاطف المواطن العادي عفويا. ولن يضيع جميل أينما وضعا.
الملاحظة الرابعة: أن كُتاب الرأي الجادين يجب "أن يعرفوا الرجال بالحق؛ لا الحق بالرجال". وأنا شخصيا وطنت نفسي ' ما وسعني ذلك- لتطبيق هذا المبدأ الذهبي على ما أكتبه عن الشأن الوطني والدولي. ولا أضع في الحسبان -عادة- ما إذا كان الشخص داخلا أو خارجا من الحكومة أو من أية وظيفة أخرى. أو طويلا أو قصيرا، أو من هذه الجهة أو تلك. أعتبره فقط بدرجة ما يحسنه وينجزه: قال صاحب لامية العجم:
قيمة الإنسان ما يحسنه*
أكثر الإنسان فيه أو أقل*.
الملاخظة الخامسة: ما أعلمه أن أهم ملفين وطنيين من كل الملفات الجكومية في الفترة الأخيرة هما: ملف الأمن الداخلي، وملف الأمن الحدودي والإقليمي الخارجي. وملف النفاذ " تآزر التابع للرئاسة، عمليا ومراقبة مسيسة.
وأعلم -وتعلمون كذلك- أن هذين الملفين كانا بيدي رجلين معروفين بالكفاءة وجودة الأداء وحسب النتائج. "ماهم تيگِويرةْ" قطعا.
و كانت حصيلتهما الملموسة شاهدة على نجاحهما فيما يعنيهما .ب:
- الحفاظ على سلامة الأرض الموريتانية. وحمايتها من الإغراق السكاني الخطير، بما يترتب على ذلك من جودة المتابعة والتنظيم، والصرامة، والحكمة في كل درجات التنفيذ.
- هذا إضافة إلى النجاح في امتصاص الاحتقان السياسي الداخلي حتى لا يشكل احتراره تسخينا للملف الأمني عامة. كما قامت بذلك وزارة الداخلية من خلال تكليف الرئاسة لها بملف الحوار المتقدم بين الكتل السياسية
هذان الملفان كانا بيدي رجلبن كما قلنا، هما: الإداري وزير الداخلية السيد محمد أحمد ولد محمد الأمين، ووزير الدفاع الفريق السيد حننا ولد سيدي . وأنا لست معنيا هنا بما يذهب إليه الأصدقاء والخصوم بشأنهما من تفاصيل.
- ما يعنيني هو أن حصيلة الحكومة السابقة في السياسات والإجراآت والخطوات الجوهرية في تنفيد برنامج رئيس الجمهوربة والولاء لهطا البرنامج وتبنيه.. تعطيهما الأسبقية في إتقان و "شهود ذلك على جلوده".. بدليل نتائج تسييرهما لقطاعاتهما البالغة الحيوية والخطورة.
ختاما:
- أعرب عن أملي في أن لا يبعث خروج الرجلين برسالة خاطئة إلى من انتعشت آمالهم من الانتهازيين والمتربصين الإقليميين والمحليبن، في استعادة ذاكرتهم المترعة بالأطماع بعد أفولها، و استعادة نشاطهم المحموم من أجل إحياء "مشروع الهجرة الإحلالية"، و العمل على تسخين الحدود الموريتانية، طمعا في استئناف مسيرتهم المعلقة من حيث توقفت. أو تحفز بعض الجيران لإشعال حرب لا يمنعها إلا امتناع القيادة الموريتانية عنها.
- إن على حكومتنا الجديدة، حكومة الوزير الأول المختار ولد اچاي، أن لا تدع أي لبس لأصحاب الفهم المتعجل المريض الذي بدأ يسري في تلك الأوساط و قد سمعنا نغمته ترتفع من داخل الحدود ومن ورائها، ظنا من تلك الأصوات التي لا تزال مبحوحة، أن خروج رمزين من رموز الأمن الداخلي والخارجي هو تراجع عما كان سائدا من ردع معنوي ومادي لكل الأطماع، سواء في ملف الهحرة أو التجنيس أو توقع الاستجابة للاستفزازت التعبوية الاستعراضية من بعض دول الجوار المأزومة.
لقد بدأ "الحوامون" يشحذون مخالب نهمهم، و سكاكين أطماعهم فورا لتقاسم الفرص الافتراضية التي يرتقبونها من بلادنا وبخااون أنها انفتحت لهم.
- أنا متأكد من أن رئيس الجمهورية الذي يقود البلد بحنكة وروية، وهو الذي كان يدير دفة البلد ولا يزال، يضع هذه المسألة الاستراتيجية نصب عينيه لأهميتها وخطورة مضاعفاتها، حتى ولو انبنت على وهم، سيتم التعاطي معه كواقع عند أولئك الحوامين.
- كما أعلم، ردا على السؤال المطروح نخبويا وشعبيا، أن الرجلين المعنيبن، وبعض من خرج معهم من الحكومة لم يخرجوا لتقصير في أداء واجباتهم الوطنية، ولا لعدم تأييد عملي فعال لبرنامج رئيس الجمهورية والولاء لهذا االبرنامج كما يحلد البعض إلى ذلك، ولا لمطعن في أمانتهم، ولا لتورط في ملفات جانبية.. ولا.. ولا..
إنما كان خروجهم -حسب رأيي- ترتيبا سياسيا، وإعادة تموضع لأركان نظام واحد.
- وحسب توقعي سيتضح الأمر أكثر مع الأيام، بأن هذه النخبة الخارجة من الحكومة الحالية، أو بعضها على الأقل، ليس خارجا عن صلب التظام حتى ولو خرج من مسؤولياته الرسمية.
والفرق كبير بين الخروج من نظام والخروج من حكومة.
و لعل ذلك سيتضح أكثر لاحقا مع الأيام كما أزعم..
د. محمد أحظانا
