شيخنا عمر
شاعر موريتاني
لعل في الحكاية جانبا آخر يستحق أن يُقال بصدق فقد كنا قبل هذه الرحلة ننظر بشيء من التحفظ إلى تلك الصورة التي صنعتها لنا منصات التواصل، وخصوصا تيك توك، حيث اعتدنا أن تصلنا مشاهد وأنماط من السلوك لا تنسجم دائمًا مع طبيعة المجتمع الموريتاني المحافظ ولا مع ذائقته الاجتماعية وما ألفه من الوقار والتحفظ.. ولذلك لم يكن اسم خالد في الوهلة الأولى منفصلا تماما عن تلك الصورة التي كرّستها المنصة في أذهاننا عن كثير ممن مروا عبرها..
لكن خالد جاء هذه المرة ليقول لنا من دون أن يقول: ليس كل ما تصنعه الشاشة هو الإنسان..
جاء بصورة أخرى أكثر دفئًا من الصورة، وأصدق من المحتوى وأقرب إلى الإنسان الذي يمكن أن تجالسه وتصافحه وتكتشفه بعيدا عن ضجيج المنصات.. رأيناه يتحدث مع الأطفال دون تكلف ويجلس مع البسطاء دون حواجز ويشرب أتايهم.. ويتناول زريقهم.. ويعانقهم بعفوية لا تعرف الاستعلاء.. وهنا حدث ذلك الشيء الجميل: لم نعد نرى خالدا كما رأيناه على الشاشة بل كما رأيناه بأعيننا..
وكان الفرق كبيرا بين الاثنين فالأول تصنعه الخوارزميات أما الثاني فصنعته المواقف..
ومن يعرف المجتمع الموريتاني يدرك أن هذه التفاصيل ليست هامشية..بل إنها مفاتيح الدخول إلى وجدان مجتمع شديد الحساسية تجاه قيم الوقار والبساطة والاحترام وصلة الإنسان بالإنسان.. ولعل خالدا، من حيث لم يقصد قدّم لنا أجمل تصحيحٍ لصورة سابقة: أن الشهرة قد تصنع لك جمهورا لكن التواضع وحده يستطيع أن يصنع لك أهلا..
دائما ثمة أشخاص يمرّون بالبلاد كما تمرّ الطائرات فوقها.. يرون كثيرا ولا يتركون وراءهم إلا ظلا عابرا.. وثمة آخرون ما إن تطأ أقدامهم أرضا حتى تبدأ الأرض نفسها في الاحتفاظ بهم..
هكذا بدا لنا خالد العليان في رحلته داخل موريتانيا..
لم يكن يعبر موريتانيا من قرية إلى قرية فحسب، كان يعبر من قلب إلى قلب.. وكلما اقترب من الناس ابتعدت عنه المسافة التي تصنعها الشهرة.. وانكشف ذلك الإنسان الذي لا تحتاج محبته إلى تعريف..
كان يمكن أن يكتفي بأن يرى الأطفال من بعيد لكنه انحنى لمستوى أعينهم وحاورهم كما لو أن الطفولة لغة يعرفها قلبه قبل لسانه.. وكان يمكن للعناق أن يكون صورة عابرة أمام الكاميرا لكنه كان عناقا يشي بشيء لا تستطيع الكاميرات اصطناعه.. تواضع يسكن الجسد قبل أن تسكنه الكلمات..
ثم رأيناه يجلس إلى البسطاء..
وهنا تحديدا، تبدلت الصورة..
كان يشرب الأتاي الموريتاني من كؤوس ربما لا يعرف أصحابها أن يدا مشهورة ستمسك بها ذات يوم ويتناول الزريق من أقداح الكرام.. لا كزائر تحيط به هالة من الحواجز..
لم يكن يشرب الأتاي وحده.. كان يشرب شيئا من روح المكان..
ففي موريتانيا ليست كأس الأتاي مجرد كأس.. إنها مسافة تُلغى، وحاجز يُكسر..
ولذلك كان المشهد أبلغ من كل ثناء..
فالتواضع الحقيقي لا يحتاج إلى أن يعلن عن نفسه يكفي أن تراه جالسا حيث يجلس الناس، مصغيا لمن لا تلتفت إليهم عادة عدسات الشهرة.. ضاحكا مع طفل.. مصافحا شيخا.. محتسيا شرابا من يد بسيطة.. حتى تعرف أن بعض القامات لا تحتاج إلى أن ترتفع عن الناس كي تبدو عالية..
بل لعلها ترتفع بهم..
لقد كنا نراقب الرحلة ثم اكتشفنا أننا لا نراقب خالدا بقدر ما نراقب الصورة التي بدأت تتشكل له في وجدان الناس..
بيوت موريتانية كثيرة تتابع رحلته هذه الأيام لا باعتبارها رحلة ضيف مشهور، وإنما باعتبارها حكاية شخص بدأ يدخل الذاكرة من أبوابها الصغيرة..طفلٌ ابتسم له، شيخ صافحه.. وكأس أتاي دار بين الأيدي قبل أن يستقر في يده..
وهذه هي المفارقة الجميلة في الحكاية..
كلما اقترب خالد من الناس، صغر في أعينهم ذلك البعد الذي تصنعه الشهرة، وكبر في قلوبهم الإنسان..
لقد تغيرت نظرة كثيرين إليه.. لأن الإنسان حين يُرى من وراء الشاشة قد يبدو صورةً مكتملة، أما حين يُرى من مسافة العناق، ومن قرب الابتسامة، ومن تفاصيل الجلسة، فإنه يصبح إنسانا له نبض ودفء وملامح لا تمنحها الصور..
وموريتانيا بطبيعتها لا تُجامل طويلا..
هذه البلاد قد تستقبل الضيف بالترحاب لكنها لا تمنحه قلبها إلا إذا صدقته.. فالناس هنا يملكون حاسةً دقيقة لتمييز من يأتي إليهم ليراهم ممن يأتي إليهم ليكون بينهم..
ويبدو أن خالدا نجح في الاختبار دون أن يدري أنه يخوضه..
نجح لأن البساطة كانت أصدق من الاستعراض ولأن العناق كان أبلغ من الخطاب ولأن جلوسه إلى البسطاء قال عن شخصيته أكثر مما تستطيع عشرات المقابلات أن تقول..
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه الرحلة أنها لم تكن زيارة لموريتانيا بقدر ما كانت موعدا بين قلبين: قلب رجل جاء من بعيد وقلب بلد اعتاد أن يفتح أبوابه لمن يطرقها بصدق..
وربما كانت موريتانيا وهي التي تتطلع إلى مزيد من عمران البنيان وتشييد الطرق ومدّ الجسور بين مدنها ومسافاتها، قد وجدت في رحلة خالد نوعا آخر من العمران لا تُقاس مساحته بالأمتار ولا تُرسم حدوده على الخرائط..
فقد استطاع خالد ببراعة الإنسان الذي يعرف أن بعض الطرق أقصرها ما يصل القلب بالقلب، أن يشيد في أيام رحلته ما قد تعجز عنه سنوات من البناء:
شيّد لنفسه طريقا داخل قلوب الموريتانيين.
لم يحتج إلى إسفلت ليمد طريقه مدّه بابتسامة..
ولم يحتج إلى حجر ليقيم جسرا؛ أقامه بعناق..
ولم يحتج إلى أبراج شاهقة ليثبت حضوره؛ رفع له في القلوب مقاما لا تبلغه الأبراج..
فإذا كان عمران الأوطان يُقاس بما يرتفع فوق الأرض، فإن عمران المحبة يُقاس بما يستقر تحت الضلوع..
لقد جاء خالد إلى موريتانيا عابرا طرقها، لكنه في الحقيقة كان يشق طريقا آخر؛ طريقا لا تظهره الخرائط ولا تعرفه الأقمار الصناعية.. طريقا يبدأ من كأس أتاي في يد بسيط ويمر بعناق طفل ومجلس شيخ وقدح زريق.. ثم ينتهي في مكان أعمق من كل القرى والمدن.. في القلوب
وحين تنتهي الرحلة، وتعود السيارات إلى مساراتها وتختفي الوجوه من عدسات الهواتف وتبقى الرمال وحدها تواصل حديثها القديم مع الريح، لن يكون خالد قد ترك خلفه مجرد صور وذكريات.. سيكون قد ترك شيئا من حضوره في بيوت كثيرة وفي ذاكرة أناس كثيرين..
لقد جاء زائرا ومشى في طرق موريتانيا.. وشرب من كؤوسها.. وتذوق من أقداح كرمها.. وصافح أطفالها وكبارها...
ثم بنى في المقابل طريقا لا ينقطع.. طريقا من المحبة.
فأهلا بخالد العليان في موريتانيا..
البلد الذي ربما يحتاج إلى مزيد من الطرق بين مدنه لكنه وجد في خالد من استطاع أن يشيد في أيام قليلة أجمل الطرق وأبقاها.. طريقًا بين القلوب.
أهلًا بك يا خالد العليان...
لقد جئتها زائرا..
فمشيتَ في طرقها..
وشربتَ من كؤوس بسطائها..
وعانقتَ أطفالها..
فضمّتك قلوب أهلها.
