كبرياء رجل
لا يمكن لتوشيح العميد الشيخ بكاي أن يمرّ مرور العابرين، ولا أن يُستقبل ببرود الخبر العاجل؛ فثَمّة أسماء حين تُذكَر يتباطأ الزمن احترامًا، وتخلع اللحظةُ معطفها اليومي لتقف في هيئة الوقار. نعم، جاء الوسام متأخرًا، لكن بعض الاعترافات تشبه الأنهار الكبرى: قد تتأخر عن المنبع، غير أنها حين تبلغ البحر تكون قد حملت معها تاريخ الصخور والضفاف والسماء. إن الدولة، وهي تُعلّق النيشان على صدره، لا تُزيّن قامةً، بل تُعيد ترتيب الضوء حولها؛ كأنها تُقارب مرآة تاريخها لتتأكد أن في الصورة رجالًا ما زالوا يصلحون توقيعًا للمعنى وختمًا للضمير.
العميد الشيخ بكاي ليس سطرًا في هوامش الحكاية، بل هو فاصلة المعنى في جملة الوطن الطويلة؛ تلك الجملة التي كُتبت بالحبر حينًا، وبالعرق حينًا، وبالصمت النبيل حينًا ثالثًا. في الثقافة كان حارس المعنى من التبسيط المُخلّ، وفي الإعلام كان ضمير العبارة حين تُغريها الزينة، وفي النضال كان هدوءَ الجبل: لا يرفع صوته، لكنه يُغيّر اتجاه الريح. مشى طويلًا وخلفه ظلّ الفكرة، وأمامه أفق القيمة، وبينهما طريقٌ لا تُعبّده إلا الأقدام التي تعرف لماذا تمشي وإلى أين.
هذا الوسام، في صدرك، لا يبدو زينةً من معدن، بل شهادةَ وفاءٍ من وطنٍ يتعلّم أخيرًا كيف يقرأ أسماءه الكبيرة دون أن يختصرها في خبر. هو وسام لا يضيف إليك قدرًا، بل يردّ إليك بعض حقّك، كمرآةٍ تقول للتاريخ: هنا مرّ رجلٌ كان إذا صمت تكلّمت أعماله، وإذا ذُكر اتّسع المعنى وضاق الكلام. أنت من أولئك الذين يكتبون حضورهم بالأثر قبل القول، وبالثبات قبل التصفيق، وبالاستقامة قبل الضجيج.
مبارك لك هذا الاستحقاق الذي جاء شاهدًا لا صانعًا للمجد، ومُقِرًّا لا مانحًا للقيمة. ومبارك للوطن أن يجد في سجله أسماءً حين تُوشَّح، لا تُعلَّق الأوسمة على صدورها فقط، بل تُعلَّق عليها ثقة الذاكرة، وتستريح.
