محمد ناصر الدين
«في البداية، كانت مسوّداتي ممتلئةً من اليسار إلى اليمين، ومن اليمين إلى اليسار. وفي وسط الصفحة، كما في قلبي، كانت اللغتان تلتقيان. ثم، شيئاً فشيئاً، أخذت الكلمات العربية تتناقص إلى أن اختفت تماماً»: يمكن لهذه الجملة الصغيرة أن تختصر مسيرة الشاعرة والكاتبة فينوس خوري ـ غاتا التي انطفأت هذا الأسبوع في باريس، عن عمر ناهز الثامنة والثمانين.
الشاعرة التي تمثل بحقّ الأدب الفرنكوفوني المعاصر تركت وراءها إرثاً غزيراً ومتفرداً، طبع الأدب بعمق بقوته الإيحائية، ومخيّلته الحسية، وحواره الدائم بين الثقافات.
ملكة جمال لبنان السابقة التي تركت أرض أجدادها في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وشدّت الرحال لتستقر في باريس، انخرطت في تجربة حقيقية من «المشي على حَبْلَين» كما يفعل راقصو السيرك، بين العربية التي ظلت تجري في عروقها رغم أنها كانت تضمحل شيئاً فشيئاً، والفرنسية التي اختارتها لغة لكتابة قصائدها ورواياتها الخاصة: «هكذا تحوّلت لغتي الأم إلى لغة سرّية، تواصل ضخّ عسلها، وكذلك مرارتها. ومن هنا جاء اختياري لكتابة روايات تدور، في معظمها، على أرض عربية».
وُلدت فينوس خوري ـ غاتا عام 1937 في بشري (شمالي لبنان) في عائلة لبنانية فرنكوفونية، ونشأت في بيئة تتجاور فيها اللغة الفرنسية مع التقاليد الشرقية، وتأثرت كثيراً بموت شقيقها الشاعر فيكتور، الذي روت ببراعة مأساة موته في «البيت على حافة الدموع» (1998) و«منزل القراص» (2006): «كان يقرأ لي قصائده تحت مصباح الشارع، وأبكي من شدّة التأثر، كان ذلك جميلاً جداً.
هو من أدخلني إلى الشعر. من دونه لكنتُ راهبة. ثم انتقمت من تلك الطهارة التي كان يريدها أبي: تزوّجت، تطلّقت، عشت امرأةً حرّة، غادرت لبنان لأغيّر حياتي، لأعيش الشعر والكتابة… حظيت بكثير من الحظ، بأطفال رائعين، ثم أصابني الشقاء العظيم بفقدان زوجي الثاني». إذ إن «غاتا» هو لقب الزوج الثاني، جان، أو الحب الكبير، الذي أنجبت منه ياسمين غاتا، وهي بدورها كاتبة، بينما «خوري» هو لقب زوجها الأول في لبنان وأب أولادها الثلاثة.
كانت فينوس شاعرة قبل أي شيء، نشرت عدداً كبيراً من الدواوين كرّستها صوتاً متفرّداً في انشغاله بالذاكرة، وعنف التاريخ، ومكانة النساء، والعلاقة مع الجسد. يمزج بكثافة بين واقعيّة فادحة ونزعة حلمية، ويؤسّس لعالم يتجاور فيه الألم والسخرية، حيث يواصل الموتى مخاطبة الأحياء.
كتبت أيضاً عدداً من الروايات التي تمدّد هذه الثيمات نفسها، غالباً عبر شخصيات نسائية تواجه القمع الاجتماعي أو الديني أو العائلي، في سرد آسر مطعّم بمنعطفات خيالها الجريء الذي غذّته قراءة الأنثروبولوجيين كلود ليفي-ستروس، بعدما اكتشفت متأخرة كتابه «مداريات حزينة» عن طقوس هنود الأمازون، التي كانت تمزجها بمرح مع طقوس قريتها اللبنانية الأولى كما في عملها الشعري الأخير «أناس الماء» (2023 ـــ دار «غاليمار» الباريسية).
بعد مسيرة حافلة، نال اشتغالها الأدبي اعترافاً واسعاً وتكريمات عدة، أبرزها «الجائزة الكبرى للشعر» من الأكاديمية الفرنسية عام 2009، ثم جائزة «غونكور» للشعر عام 2011 عن مجمل أعمالها، وتُرجمت كتبها إلى لغات عدة.
في بيتها الباريسي، كانت اللوحات تروي علاقتها بالرسامين. في مطبخ البيت، كانت تُعدّ أطباقاً بروائح بلدها الأول، حيث كانت تمضي ساعات في إعداد غداء لضيوفها (وثّقته إذاعة «فرانس كولتور» في فيلم وثائقي)، لينتهي اللقاء بفناجين قهوة تقرأ لهم بعدها الطالع.
المرأة التي أحبّت الشعراء فكتبت «الأيام الأخيرة لأوسيب ماندلشتام» (2016) حول الرحلة التي قادت الشاعر إلى الموت في الغولاغ، إضافة إلى سيرة أدبية للشاعرة الروسية ماريا تسفيتاييفا (2019) ظلت حتى الرمق الأخير تحمل في داخلها ذاكرة لبنان التي تتحدث عنه بوصفه «حبيباً تراجيدياً لا يُقهَر»، بحسب تعبير لوكليزيو الذي استحضر اسمها ضمن الأسماء الكبيرة في خطابه عند تسلّمه جائزة «نوبل» للآداب عام 2008.
كتبت فينوس خوري قصيدة أخيرة تتخيل فيها موت قطتها الأثيرة: «قطّة تقفز من برج الكنيسة/ لا تصاب بخدش واحد/ تقفز في المدخنة/ تغمس حروقها في المحبرة/ ميتة في خدمة الكتابة/ أيمكن قراءة ذلك على شاهد قبرها؟». لعل الشاعرة كانت تستأنس الموت، ليغدو أليفاً حين يقترب من رهافة الشعر، كقطة تنسلّ من المدخنة.
