من روائع المقالات السياسية الموريتانية.. "تفاديا للعار!"

من روائع المقالات السياسية الموريتانية.. "تفاديا للعار!"

 محمد يحظيه ولد ابريد الليل
 

 

عندما يغيب المشروع الجامع للناس، وأفقٌ يثير حماسة الشباب ويسلب ألباب النخب، فما ذاك إلا لأنَّ القنوات القديمة ما زالت في مكانها. 
ذلكم هو الظرف الذي تم فيه حسم الانتخابات الرئاسية سلفا. لكن ذلك لم يَجْرِ بالطريقة التي تتبادر إلى الذهن، أيتلك الطريقة السطحية التي يردّدها البعض، باعتبار أن هذه الانتخابات حُسمت بقرار من السلطة السابقة أو من الجيش. مع أن لكل من ذلك أهميته. لكن أهميته تتأتى في كونه أمرا لا مناص منه. 
فالصورة الطافحة التي تبدو للبعض مقْنعة ببساطتها، تخفي وراءها عوامل أهم، أحيانا، وأكثر حسما. ويتعلق الأمر بالعوامل السياسية والأخلاقية التي ينبغي لمن لا يريد البقاء على مسرح الأشباح أن ينفُذ إليها. 
نحن هنا في غسق كلاوزفيتش العجيب حيث «صورة الفأس أو الرمح عمود خشبي، لكن المعنى في الشفرة والسنان». كذلك رجل السياسة؛ ينبغي أن يكون قادرا على التقاط الارتعاشة الحادثة في الحراك السياسي لحظة ولادتها. 
كان في المستطاع فك رموز الوقائع مسبقا وبشكل كامل. وهي التي كانت تشير إلى أن "موريتانيا العميقة" – يُستخدم هذا المصطلح السهل حين لا يتوفر ما هو أفضل - هي وحدها المؤهلة للحكم في مرحلة بالغة الحساسية تمر بها البلاد منذ زمن بعيد. ذلك أن الخيوط المنفوشة التي يلعب عليها خصومها ليست بشيء إذا ما قورنت بعُقَدها المُحْصَدَة. فلكي تتمكن قوة أخرى - غير موريتانيا العميقة - من استلام الحكم، لا بد من تمحيص سياسة جديدة. ولابد - أكثر من ذلك - أن تهدأ أعصاب البلد. والحال أن التهييج على أشده. 
صحيح أن هذه القوى التقليدية تتشرذم بصورة سطحية مع اقتراب الاقتراع، وفي المناسبات الانتخابية؛ إذْ لا مناص من وجود تناقضات ثانوية. كما يمكن أن يتعدد مرشحوها في الشوط الأول. لكن سرعان ما تتلاقى من جديد وتتجمع عناصرها خلال الشوط الثاني، خشية منها على نفسها وخشية على البلد. وقد تنشق بعض شرائحها الهامشية وتسير في اتجاهات أخرى لأسباب ذاتية. بيد أن هذا لا يغير من جوهر الواقع شيئا. لا يغير الاتجاه العام المندرج ضمن السياق الطبيعي للوقائع. 
ولا ينبغي الاعتقاد هنا أن تلك القوى تعي، بالضرورة، دورها أو تدرك المهمة التي تلقيها على عاتقها المرحلة التاريخية، لأنها ليست هي "ضمير البلد". إنما النخبة هي - بلا ريب - مقرُّ ذلك الضمير. وليس ثمة ما يمنع من أن يتماهى جزء من هذه النخبة - في الأوقات الحاسمة - مع "موريتانيا العميقة"، ويمنحها "البركة والتزكية". فبدون ذلك تبقى عارية، مجتثة، فاقدة المعنى. 
من الطبعيّ جدا أن يخطئ بعض زعماء تلك القوى وحاملي راياتها. كما يمكن أن تخطئ هي نفسها في اختيار زعيم ما أو مترشح. وليست هذه المرة الأولى التي يضع فيها طائر بيضه في عُشّ طائر آخر. الشيء الوحيد الذي لا يمكن لتلك القوى أن تخطئ إزاءه، هو السياسة المتبعة. وإذا كان من الوارد أن تخسر جزءا من هوامشها - كما رأينا – فإن باستطاعتها هي أن تنتزع بعض الأطراف من منافسيها. 
وعلى ذكر تلك القوى المنافسة، لا بد من إلقاء نظرة تقييمية عليها. ولا مناص - في سبيل ذلك - من اجتراح المعجزة لنجمع بين اللباقة والإنصاف. والسؤال المنطقي هو التالي: هل يستطيع تكتل القوى الديمقراطية، في شكله الحالي وبعقليته الراهنة، أن يحكُم؟ وبعبارة أخرى، هل يمكن الوصول مباشرة إلى "الميمون التَّلِّي" انطلاقا من "تِيدْامَّلِّينْ"؟ هذا هو السؤال الذي لا تمكن الإجابة عليه دون مخاطرة! إن المسافة ليست طويلة، والعادة أن الكثبان الرملية يمكن تنَكُّبُها والالتفاف حولها عبر ما يسمى هناك "لكْطُوعة" (المقاطع). إلا أن هناك ممرات لا يعبُرها إلا من كان ذا دراية صحيحة بالأرض، وبجهود مضنية تفوق طاقة التحمل. 
اقترب خندق تكتل القوى الديمقراطية، خلال المرحلة الانتقالية، من خندق "موريتانيا العميقة"، لدرجة "تبادل الأواني" معها عبر هذا الخندق. تغيرت حالة العداء كثيرا، وهدأت الجبهة، صار بالإمكان مد جسور التواصل مؤقتا. وقد ساعد غياب معاوية في إزالة التوتر، وسهَّل تسويق المساعي الحميدة. 
كانت البرامج المكتوبة متقاربة جدا، كما هو الحال بين معظم الأحزاب الأخرى. ولما كان العمل في هذه البلاد لا يجري على أساس ما هو مكتوب ومدون، فإن التقارب يظل نظريا عديم الفائدة ومحكوما بالفشل، لأن هناك فرقا بين المكتوب والواقع. المهم هو هذه الحقيقة الضمنية المسكوت عنها والتي تشكل معضلة لبعض من يقتربون، في فترات معينة، من التكتل لحد مشاركته بعض المواقف، ويبتعدون عنه تحت تأثير همسات خافتة لحد مناوأته. 
والواقع، أن رؤية الناس لموريتانيا لا تتم بنفس الأداة. فإذا كان البعض ينظر إليها بالتلسكوب، فإن البعض الآخر ينظر إليها بالميكروسكوب، وأن هملايا نفسية تقف حاجزا بين تكتل القوى الديمقراطية وبعض المجموعات المتنافرة ذات الطبيعة المختلفة والتي يوحدها خيط خفي. فهناك كلمة سر يمكن أن تتلخص في أن المراجعة والتجديد المؤديان إلى نشوء ثقة متبادلة لم يحصلا بعد. إن ما تحتفظ به تلك المجموعات من القدرة على التأثير والإضرار، يفوق كثيرا وزنها الوطني الحقيقي. 
لا يبدو أن تكتل القوى الديمقراطية، في بحثه المستميت عن ناخبين يتبخَّرون باستمرار، يُلقي بالا لتلك الأحجام الثانوية. فهو، في هذا، أشبه بمن يحاول "ملء حوض دانايد المثقوب". في حين أن مشكله - بالإضافة إلى السجلال تنظيمي الذي لا بد من العناية به لمن أراد الاستمرار في معارضة طويلة النفس - هو مشكل نفسي واستراتيجي؛ إذ من المؤكد أن الانسداد المتكرر لم يهبط من السماء. وقد أكد غير واحد من الموضوعيين الذين يعرفون جيدا رئيس التكتل أحمد ولد داداه، وبإصرار يدعو إلى التساؤل عن عدم التحاقهم به، أن الصورة التي يرسمها له خصومه لا تتطابق مع حقيقته إلا من بعيد. 
لقد تم حسم الشوط النهائي من الانتخاب الرئاسية - كما هو متوقع على هذه الخلفية - بين القوتين الرئيسيتين؛ لتجد القوى الثانوية نفسها مرغمة على أن تلعب دور المكمِّل، وتسير، عطفا على ذلك، مكرهة، على الطريق الضيق الوعر، بين الانتهازية والفرص المشروعة. ولم ينته الشوط الثاني إلا وعلامات الانهزام بادية الجميع؛ بما في ذلك من جعلت كهم صناديق الاقتراع في الصدارة. لا أحد يبدو منتصرا. 
جرى التصويت، ولكن شيئا لم يتغير: لا مشكلة واحدة وجدت حلا، ولا أمل ينتعش، ولا أفق يًنفتح. بل خيبة أمل تعمّ الجميع، كأنما استيقظوا فجأة من حلم جميل. والحق أن الناس لم يكونوا نُوَما. كل هذا الضجيج والصخب والإثارة دون جدوى! من الذي كان يراد خداعه؟ هل هم الأجانب؟ إن ذلك لم يكن ضروريا ولا مفيدا، ولم يكن الأمر يستحق كل هذه المسرحية، خاصة أننا مثّّلنا فيها - جميعُنا - أدوارا. 
يحكى أن أهل بوكيْ كانوا، في سافل الدهر، "يبطحون خيامهم" ليلعبوا "بركائزها". 
كان ذلك أكثر من اللازم. ولا يمكن فهم هذا السلوك الغريب إلا بالرجوع إلى تقليد متجذر في أعماق المجتمع، يطفو إلى السطح من حين لآخر في اللحظات الحرجة، حين يُخشى انفجار العنف على نطاق واسع. ويقوم هذا التقليد على أن تُقيَّم الوضعية سلفا وبصورة إجمالية، ثم يُخلَص إلى أن كل ما هو لائق أو مفيد لا يمكن فعله دون خسائر. وعندها، يُتوَّجُ القدَرُ (المسؤول) بتاج الفضيلة علنا، بينما يتخافت من توَّجوه بالاستعاذة من سوء ما فعلوا. 
أما رجل الشارع، الذي لا يستطيع أن يصل إلى هذه الأفكار الدقيقة ولا أن يتقبلها، فقد توصل إلى الخلاصة التي في متناول العقل العادي وهي: أن الرئيس المنتخب ليس هو الرئيس الحقيقي، بل هو مستخلَف في السلطة بسيط، وأن الرئيس الحقيقي سيُطل فيما بعد بقامته الفرعاء. 
لا يملك المرء، في ضوء هذه الفرضية، إلا أن يتذكر واحدا من طقوس الشرق القديم، استخدمها، وبكل بساطة، الملك الآشوري اسّرْحَدُّون، في القرن السابع قبل الميلاد. بعد أن استخدمها - بكل تأكيد - آخرون. 
فقد شهدت مدينة نينوى سنة 671 ق.م. خسوفين كليين للقمر، وهو ما يعني بالنسبة للبابليين - وقد بسط الملك الأشوري وقتها نفوذه عليهم - أن الملك سيصاب بمرض قاتل. ولتفادي هذه الكارثة، تم اللجوء إلى حيلة لمغالطة الآلهة تتمثل في تعيين موظف ملكي مكان الملك من فداءً للملك الحقيقي. وقد حكم هذا المستخلَف مائة يوم تحوَّل خلالها "اسّرْحَدّون" فلاحا، بمقتضى النصوص الرسمية. وبانقضاء المائة يوم مات المستخلَف وزوجته – لا ينبغي الاعتقاد لحظة بأنهما ماتا موتا طبيعيا - وأقيمت لهما مراسيم دفن ملكية. ثم استعاد الملك سلطانه بموجب رسالة من كاهن مردوخ الأعظم، تقول تلك الرسالة: "بعد أن تم أداء الطقوس، فليطمئن قلب الملك".
وأيا كانت حالة الأمور، فإن من يعيَن رئيسا يصبح رئيسا. وهكذا صار لموريتانيا رئيس جديد.
لقد أعطت السلطة المنبثقة عن انتخابات مارس، الانطباع بأنها لم تفكر أبدا في تشكيل حكومة، إلا أنها في النهاية شمرت عن ساعديها لتشكيل هذه الحكومة، وهو ما تطلب وقتا طويلا بالنسبة لبلد كانت كل أعماله معطلة. لم يتجاوز ذلك أياما معدودات، لكنها بدت للناس قرنا؛ كأن السلطة الجديدة أرادت أن تعفي نفسها من هذا الإجراء الشكلي، أو أن هذا الأمر لم يكن ضمن أولوياتها، في حين أنه يشكل الحالة المستعجلة الأولى.
وقد جاءت ثمرة ها الاعتكاف التأملي الأول تحمل اسم الحكومة التكنوقراطية، وهو مجرد تفاؤل أو أمنية، كما يطلق أحدهم "طويل العمر" على وليد من باب الرجاء والتمني، أو اسم "يغْنيه"، تفاؤلا له بالثراء. ولا علاقة للواقع بشيء من ذلك، وليست كل حكومة غير سياسية تتحول تلقائيا حكومة تكنوقراطية. ويبقى من البدهي أن نوعية الحكومة هي التي ينتج عنها التفاضل بين الدول.
إن حكومة التكنوقراط، حسب المتعارف عليه، هي التي يختار كل وزير فيها بمعيار الكفاءة المبرهن عليها وغير المشكوك فيها، بغض النظر عن انتماء الوزير ورأيه السياسي. وعندما تكون الحكومة مطلوبة بهذه المواصفات، فإنما لكي تتبع سياسة صارمة شديدة الفعالية، محصنة ضد ضغوط الجماعات السياسية وابتزازها، ومن أجل أن يكون لها هدف وحيد، هو خدمة المصلحة العامة. 
لم يفهم أحد هذه اللافتة التكنوقراطية، على افتراض أنها تخفي حقيقة. كيف نفهم أن بلدا بكامله يغرق، لشهور عديدة، في انتخابات عامة ورئاسية من أجل تقاسم الرأي وتحديد الفريق أو الفرق المؤهلة للحكم، ثم لا تكون لهذا الاقتراع أية فائدة؟ إذا لم يوضع في الحسبان أي اعتبار لنتائج الانتخابات ومدلولها وروحها، فأين الشرعية؟ وبأي حق يسمح المرء لنفسه باتخاذ قرارات تتعلق بحياة ومستقبل الناس؟ أم أن الانتخابات باتت مَهزلة تمكِّن من الوصول إلى السلطة ويجري نسيان الإكراهات التي تفرضها؟
إذا كان المواطنون قد ناضلوا طيلة سنوات عديدة، كل على طريقته وفي ظروف غير ملائمة، وقدموا تضحيات عديدة ومتنوعة، فإن ذلك لم يكن من أجل أن يروا رجلا، كائنا من كان، يستولي على الدولة ويتجاهل هذه الديمقراطية نصا وروحا. بل على الرئيس المنتخب في نظام ديمقراطي. بل عليه، أكثر من ذلك، أن يحيط نفسه أولَ برجال السياسة الذين رعوا ترشحه بصورة علنية وجمعوا الأصوات من أجل أن يتصدر القائمة في الشوط الأول، ويُنتخب في الشوط الثاني. هذا أقل ما تمليه قواعد اللياقة. يأتي بعد ذلك أولئك الذين قدموا الدعم والمساندة في الشوط الثاني وحده. قد يمنحهم ميزان القوى مناصب سامية وذلك ما حصل، وحسب الأصول، ولا أحد يعترض عليه. أما أن يصل الأمر إلى حد إقصاء جميع من مكنوك من أن تكون حاضرا، فهذا سلوك يخرج عن مقاييس السياسة وعن كل القواعد الأخلاقية. لا على مستوانا المحلي فحسب، وإنما على مستوى جميع المجتمعات البشرية المعروفة. 
ويبدو أنه، من أجل تجريم مواقف أصحاب الأغلبية، وتقويض معنوياتهم، يجري التلويح بماضيهم وممارساتهم فيظل أنظمة أخرى، وذلك هو الباطل بعينه. فإذا كان هؤلاء يتمتعون بحقوقهم المدنية والسياسية التي لم يسحبها منهم أي حكم قضائي. وإذا لم يكن هناك أي قانون يحرمهم من هذه الحقوق، فأي نوع من الحرمان أو المنع المؤصل يمكن أن يطالهم ؟ إذا لم يكن شيء من ذلك كله، فإن ما يتعرض له هؤلاء اسمه التعسف والظلم، وهما أبشع من أن يتحملهما الإنسان.
ليس شرطا أن يتخندق المرء سياسيا، أو يشترك في التصورات مع المظلومين، ليندد بالظلم الواقع عليهم، إن ذلك يبدو أكثر نبلا مما لو كان واحدا منهم. وإذا كان لدى الديمقراطية مبادئ تسمو على الأنظمة الأخرى، فإن هذه المبادئ هي الحرية والعدالة. فمبدأ الحرية يمنح المواطن حق الاختيار يوم الاقتراع، بينما يعطي مبدأ العدالة حق ممارسة الحكم بشكل فوري، لمن يحصلون على الأغلبية.
ولما كان هؤلاء الزعماء قد تصرفوا دون روية ولا حكمة، فقد استحقوا أن ينطبق عليهم، بمعنى من المعاني، ما قاله لورانس العرب:" بعد الانتصار ظهرت واحدة بعد أخرى ساعات خيبة الأمل، ومن ثم خيم الليل الدامس عندما اكتشف الرجال المستميتون في التضحية أن آمالهم قد خانتهم". وفي كل الأحوال، لا يمكن أن ينازَع هؤلاء الزعماء في أنهم حصلوا على جزاء سنمار. وهاكم ما يعنيه هذا الجزاء في الأصل، ولكم أن تحكموا بأنفسكم: طلب أحد ملوك اللخميين، وهو ملك الحيرة النعمان الثاني، من مهندس معماري مشهور يدعى سنمار، أن يبني له قصرا لا نظير لهفي المنطقة، مقابل جزاء غير مسبوق. وبدافع من الطمع في نيل الجائزة واستدرارا لكرم الملك، انطلق سنمار في تشييد القصر الفريد. وعند انتهاء العمل، زار النعمان القصر، وسلم بأنه وحيد نسجه، وأنه يتطابق مع الصورة التي رسمها في مخيلته. وتوقع سنمار أن يعود ومعه حمولة عدة جمال ذهبا، ولكن بدلا من ذلك دفع اللخمي هذا المهندس الماهر من فوق سطح هذا القصر حتى لا يبني مثله لأحد. ومنذ ذلك الوقت نشأ المثل العربي "جزاء سنمار" للدلالة على أعلى درجات الجحود ونكران الجميل.
محمد يحظيه ولد ابريد الليل