فيكتور هوغو والقرآن.. لقاء متأخر غيّر نظرة أعظم أدباء فرنسا للإسلام

فيكتور هوغو والقرآن.. لقاء متأخر غيّر نظرة أعظم أدباء فرنسا للإسلام

باسم البكّور

 

 

في تاريخ الأدب الغربي، قلّما كُتب عن الإسلام خارج ثنائية الخوف أو التشويه أو الفضول السطحي. على مدى قرون، ترسخت في المخيال الأوروبي أحكام مسبقة وصور نمطية عن الدين الإسلامي، تراوحت بين "الآخر الغريب" الذي يستدعي السخرية والهجاء، و"العدو الثقافي" الذي يُنظر إليه بريبة وحذر.

لكن وسط هذه الضوضاء الفكرية، برزت أصوات قليلة اختارت أن تنصت بدل أن تحاكم، وأن تقترب وتتأمل، بدل أن تبتعد وتحكم مسبقا.

من بين هذه الأصوات، يلمع اسم فيكتور هوغو، الشاعر والروائي الفرنسي الكبير، الذي رأى في الإسلام تجربة إنسانية وروحية عميقة، جديرة بأن تُقرأ كجزء من رحلته الشعرية والفكرية في البحث عن المعنى الكوني للحياة والموت، والروح، والحرية.

لم يكتب صاحب "البؤساء" و"أحدب نوتردام" كتابا مباشرا عن الإسلام، ولم يقدّم أطروحة دينية أو دفاعا عقائديا، لكنه فعل ما هو أعمق: أدخل هذا الدين في شعره بوصفه قوة أخلاقية كبرى وحضارة أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني، وكان لها أثرها العميق في التاريخ.

في نصوصه، لا يظهر الإسلام كـ"آخر" غريب، بل كنبع تتدفق منه إجابات عن الأسئلة التي شغلت الشاعر طوال حياته: معنى الوجود، العدالة، النور، والمسؤولية الإنسانية.

وإذا كان الأدب الغربي يضج بأسماء كتاب اختاروا الانحياز ضد الإسلام وأعلنوا بوضوح مخاوفهم من أفكاره "السوداوية"، مثل جان شاردان المستكشف الفرنسي الذي ربط الإسلام بالغرابة والتهديد، وإدوارد غيبون المؤرخ الإنجليزي الذي صوّر الدين الإسلامي في إطار صراعات سياسية وعسكرية، وألكسندر بوب الشاعر الإنجليزي الذي عبّر عن الريبة من الشرق في قصائده، فإن قلة فقط حاولت مقاربته بوصفه تجربة روحية مكتملة، وكان هوغو من هذه القلة.

كان الأدب الغربي يضج بأسماء كتاب اختاروا الانحياز ضد الإسلام وأعلنوا بوضوح مخاوفهم من أفكاره

ففي زمن كانت فيه أوروبا تنظر إلى الشرق بعين الريبة أو التفوق، رأى هوغو في الإسلام دينا للتوحيد والكرامة، وفي النبي محمد ﷺ شخصية إنسانية تحمل عبء الرسالة، لا أسطورة مشوهة ولا رمزا للعداء. وهذا في ذاته كسر مبكر لجدار الصمت وسوء الفهم الذي طاول العلاقة بين الغرب والإسلام في القرنين 18 و19.

إعلان

 

من هنا، تصبح دراسة الإسلام في أعمال هوغو أكثر من مجرد فضول تاريخي، بل مسعى إلى فهم كيف يمكن الأدب أن يفتح نافذة على روح حضارة أخرى، ويتيح رؤية مشتركة بين البشر عبر الزمان والمكان.

وهذا بالضبط ما فعله الباحث الفرنسي لويس بلان في كتابه "فيكتور هوغو والإسلام" الصادر عن دار "إريك بونييه" الباريسية للنشر.

رأى هوغو في الإسلام دينا للتوحيد والكرامة، وفي النبي محمد ﷺ شخصية إنسانية تحمل عبء الرسالة

يرى بلان في كتابه، الذي ترجمته إلى العربية د. زهيدة درويش جبور، أن اهتمام هوغو بالإسلام لم يكن اعتناقا دينيا، إذ لم يكتب نصوصا لتأييد العقيدة، بل كان تأثير الإسلام في شعره وفكره ثقافيا وروحيا عميقا، مانحا إياه موارد فكرية وأدبية ثرية لتطوير الأسئلة الكبرى التي رافقته طوال حياته.

صدمة ودهشة وتأمّل

ولد فيكتور ماري هوغو (1802-1885) في باريس لأسرة من الطبقة المتوسطة، لم تكن تولي الممارسة الدينية اهتماما كبيرا، في مرحلة كان فيها المجتمع الفرنسي يشهد تحولات عميقة عقب الثورة الفرنسية (1789).

نشأ في بيئة كاثوليكية، لكنه سرعان ما تطورت رؤاه الدينية إلى حالة من الروحانية المفتوحة على أسئلة كبرى حول المعنى والوجود. وخلال حياته، ابتعد تدريجيا عن العقائد التقليدية، وبدأ يبحث عن مفاهيم أخلاقية وروحية تتجاوز التفسيرات الضيقة، ما جعله في وضع فريد بين أدباء عصره.

Image removed.

فيكتور هوغو يعد من رواد أدباء فرنسا في الحقبة الرومانسية (غيتي إيميجز)

تلفت المترجمة في مقدمة الطبعة العربية، الصادرة عن "المنظمة العربية للترجمة" بالتعاون مع منشورات "مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية" والتي راجعها الدكتور جان جبور، إلى أن "نتاج هوغو، خصوصا في شبابه، لم تكن يخلو من إشارات كثيرة تدل على الخوف من الإسلام وعلى نظرة استعلائية متأثرة بالمنطق الاستعماري وبالمركزية الأوروبية التي تجعل من الإسلام مرادفا للتعصب، وتصوّر المسلمين كجماعة خانعة يحكمها الجهل ويأسرها الجمود".

صدمة هوغو

غير أن المنعطف الأساسي في مسار هوغو الديني حدث في سن 44، عندما قرأ ترجمة للقرآن الكريم، فشكّل الأمر بالنسبة إليه صدمة فكرية وأدبية في آنا، ومحطة مفصلية أسهمت في تعميق إنسانيته وتوسيع أفقه الأدبي.

لم ينظر إلى القرآن باعتباره نصا دينيا وحسب، بل بوصفه عملا لغويا وروحيا فريدا، مبهرا في صوره وعمق معانيه وقوة خطابه الأخلاقي.

وقد أدهشته لغة القرآن المكثفة، التي تجمع بين السمو الروحي والبلاغة الشعرية، فوجد فيها نموذجا جديدا لفهم العلاقة بين الإنسان والكون، وهي قضايا كانت تشغل فكره الإنساني أصلا.

ترك هذا اللقاء المبكر مع القرآن أثرا واضحا في كتابات هوغو اللاحقة، ولا سيما في نظرته المتعاطفة مع المظلومين والمستضعفين، وفي اهتمامه بفكرة الرحمة والعدل الإلهي.

في قصيدته "السنة التاسعة للهجرة" صور هوغو النبي محمد ﷺ في أيامه الأخيرة، ليس كبطل خارق أو أسطورة بعيدة، بل كرجل يحمل الصلابة في العقيدة والإنسانية في الدعوة

الإسلام في شعر هوغو

ليس من السهل أن نقرأ اسم فيكتور هوغو مقرونا بالإسلام دون أن يثير فضول القارئ وتساؤلاته: كيف لكاتب فرنسي، أحد أعمدة الأدب الغربي القرن 19، أن يقترب من دين "الآخر" في زمن العصبيات الدينية والعرقية التي كانت تسود أوروبا آنذاك؟ وهل كان هذا الاقتراب عابرا أم تجربة فكرية وروحية عميقة تركت أثرها في كتاباته ورؤيته للعالم؟

اهتمام هوغو بالإسلام لم يكن مجرد تأثر سطحي، بل نتاج تجربة شعورية وفكرية أثرت في رؤيته للإنسان والعدالة والروحانية.

إعلان

 

لم يكن هدفه الدعوة إلى الدين أو الدفاع عن عقيدة معينة، بل كان يرى في الإسلام مصدرا غنيا للتأمل، ومرآة تعكس الرحمة والمسؤولية الإنسانية التي تجسدت في تعاليم الدين الحنيف.

أشهر النصوص الشعرية التي تناولت الإسلام لدى هوغو هي من ديوانه "أسطورة القرون"، وأبرزها قصيدته "السنة التاسعة للهجرة" التي تصوّر النبي محمد ﷺ في أيامه الأخيرة، ليس كبطل خارق أو أسطورة بعيدة، بل كرجل يحمل ميزتين: الصلابة في العقيدة، والإنسانية في الدعوة.

كما تضم هذه المجموعة قصائد مثل "محمد" و"شجرة السدر"، التي تشهد على اهتمام هوغو بالجانب الروحي للقرآن الكريم وبجماليات اللغة العربية وموسيقى النصوص القرآنية.

في هذه النصوص، لا نجد لغة الاستعلاء أو التهكم أو "الغرابة الشرقية" التي ملأت كتابات كثير من معاصري هوغو. بل نلمس نصوصا مشحونة بالصور الكونية: الصحراء، السماء، النور، الصمت، الوحي، كأن الإسلام في مخيلة الأديب الفرنسي الشهير ليس مجرد جغرافيا أو تاريخ، بل حالة وجودية تتقاطع مع أسئلته الكبرى عن الإنسان والمصير.

تأثير الإسلام على هوغو لم يأت من النصوص الإسلامية وحدها، بل جاء أيضا من الأدب الفرنسي المعاصر

الإسلام جسرا ثقافيا

واحدة من أهم نقاط القوة في نصوص هوغو هي صدق الإعجاب ووضوحه: فهو لا يوحي بأنه اعتنق الإسلام، ولا يحاول أن يصنع من إعجابه شهادة دينية. الإعجاب هنا ثقافي وروحي، نابع من قراءة وتأمل، لا من تحول عقائدي.

وهذا ما يمنح النص صدقيته: هوغو لا يتكلم بلسان "الداخل" في الإسلام، بل بلسان المثقف الحر الذي يرى في هذا الدين قيمة إنسانية كبرى تستحق الاحترام والاستماع.

قد يُقال إن الإسلام الذي يقدمه هوغو هو إسلام معاد تشكيله شعريا، "مفلتر" عبر رؤيته الفلسفية، فهو "إسلام الفكرة والرمز"، لا الإسلام التاريخي بكل تفاصيله الفقهية والثقافية.

لكن هذه ليست نقطة ضعف، بل هي طبيعة أي عمل أدبي عابر للثقافات، يقوم على التجربة الشخصية والتحليل الشعوري للآخر.

لفهم علاقة هوغو بالإسلام، لا بد من وضعها في سياق الاستشراق الأوروبي في القرن 19. كان هناك ميل مزدوج: من جهة، النقد والتحامل تجاه الإسلام، ومن جهة أخرى، الفضول الثقافي تجاه التراث الشرقي.

هوغو كان يمتلك وعيا نقديا يسمح له بتجاوز النظرة السطحية إلى ثقافات أخرى، ما جعله يتموضع في حالة فريدة: يكتب عن الإسلام باحترام وعمق، من منظور إنساني وروحاني يتجاوز الحواجز العقائدية الصارمة.

كما أن تأثير الإسلام على هوغو لم يأت من النصوص الإسلامية وحدها، بل جاء أيضا من الأدب الفرنسي المعاصر، الذي تناول الإسلام أحيانا من منظور روحي أو أخلاقي.

فمعاصروه، مثل ألفونس دو لامارتين وألكسندر دوما كتبوا عن النبي محمد ﷺ والسيرة الإسلامية، ما ساهم في تشكيل خلفية ثقافية وأدبية سمحت لهوغو بالاقتراب من الإسلام بطريقة متأنية وبصيرة واسعة.

Image removed.

الكاتب ألكسندر دوما (1802 – 1870) ، مؤلف كتاب "الفرسان الثلاثة" (غيتي إيميجز)

وجد هوغو في النصوص الإسلامية إجابات عن أسئلة وجودية لم يجدها في المسيحية التقليدية

هوغو شاهد الحوار الحضاري

يمكن القول إن قراءة الإسلام في الأدب الغربي ليست تمرينا في المقارنة الثقافية، بل دعوة إلى إعادة التفكير في قدرة الأدب على بناء الجسور.

في هذا السياق، يمثل شعر هوغو نافذة على ثقافة أخرى، نافذة يمكن أن تُفتح على الحوار، بعيدا من السياسة والخوف أو الصور النمطية والصراعات الحضارية.

وفي هذا الإطار، استخدم هوغو الشعر والفكر لتقريب الثقافة الإسلامية من القارئ الغربي، مبرزا القيم المشتركة بدلا من الاختلافات، ومسائل الإنسانية والأخلاق والعدالة بدلا من النزاعات العقائدية.

الإسلام في نصوصه هو تجربة وجودية، مصدر إلهام للتأمل في معنى الحياة وغايتها، ووسيلة لفهم علاقة الإنسان بالكون والمطلق وأسباب وجوده.

كان تأثير الإسلام على هوغو ثقافيا وروحيا وفكريا، وليس اعتقاديا. فقد وجد الأديب الفرنسي الشهير في النصوص الإسلامية إجابات عن أسئلة وجودية لم يجدها في المسيحية التقليدية، وكان لهذه الرؤية أثر عميق على شعره ونصوصه الأدبية.

إعلان

 

كما أن احترامه للنبي محمد ﷺ، وتجسيده لصورته الإنسانية والأخلاقية في الشعر، شكل نموذجا نادرا في الأدب الغربي، إذ قلّما كتب شاعر غير مسلم عن النبي بهذه الرقة والعمق.

من هنا، يصبح كتاب لويس بلان عن هوغو والإسلام أكثر من دراسة نقدية؛ إنه دعوة إلى قراءة الأدب كمسار لفهم الآخر، وإعادة التفكير في تاريخ العلاقة بين الغرب والإسلام، بعيدا من الصور النمطية والأحكام المسبقة، وبعيدا من الصراع الحضاري الذي طاول الفهم البشري لثقافات مختلفة.

احترام هوغو للنبي محمد ﷺ، وتجسيده لصورته الإنسانية والأخلاقية في الشعر، شكل نموذجا نادرا في الأدب الغربي

في النهاية، يمكن القول إن "فيكتور هوغو والإسلام" ليس مجرد كتاب عن شاعر فرنسي أو دين إسلامي، بل هو شهادة على قدرة الأدب على تجاوز الحواجز الثقافية والدينية، وعلى أن الشعر والفكر يمكن أن يكونا جسورا حيث تفشل السياسة.

من باريس إلى مكة، ومن النور الأوروبي إلى روحانية الشرق، يظل فيكتور هوغو شاهدا على إمكانية الحوار بين الحضارات، لا الصدام بينها، فالإسلام في نصوصه هو تجربة إنسانية وروحية، مصدر للإلهام والتأمل، ودليل على أن الاحترام والفهم بين الثقافات ممكنان حتى في أعمق تجارب الإبداع الأدبي.

والقراء العرب، والأوروبيون على حد سواء، يجدون في هذا الإرث الأدبي فرصة لإعادة النظر ليس فقط في هوغو، بل في الطريقة التي نقرأ بها الآخر.. ونقرأ بها أنفسنا.

المصدر: الجزيرة