إعلانات

نص مداخلة د.عبد السلام ولد حرمة في ندوة الإرث الانساني .."مقاربة لتعزيز الاستقرار وبناء الثقة"

أحد, 18/01/2026 - 08:18

ملخص الورقة العلمية المقدمة من طرف زعيم حزب “الصواب” الدكتور عبد السلام ولد حرمه  في ندوة الارث الإنساني : ( الجذور التحديات والحلول الممكنة) المنظمة من طرف المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الاستراتيجية ) 

عوان الورقة : (مقاربة لتعزيز الاستقرار وبناء الثقة)

أولًا:  الغاية من العمل

تهدف هذه الورقة التفصيلية ( وهذا ملخصها) إلى تقديم إطار تحليلي وعملي لمعالجة آثار انتهاكات حقوق الإنسان التي عرفتها موريتانيا في مراحل مختلفة من تاريخها السياسي، وذلك من منظور وطني توافقي يوازن بين حقوق المتضررين ومتطلبات الاستقرار المؤسسي.

وتسعى الورقة إلى الإسهام في بلورة مقترح لبناء سياسات عمومية تمكن الدولة من الانتقال من منطق إدارة الملف إلى معالجته معالجة شاملة ومستدامة، كملف حقوقي إنساني تجب معالجته الفورية بعيدا عن التأجيج و الصراع أو كسب الدعم لهذا الطرف أو ذاك.

ولا بد من تأكيد أن هدفها ليس :

• توجيه اتهامات سياسية أو قانونية.

• فتح نزاعات قضائية أو تاريخية

• تقويض مؤسسات الدولة أو المساس بهيبتها.

بل تنطلق هذه المقاربة من اعتبار أن قوة الدولة تكمن في قدرتها على معالجة ماضيها بوعي ومسؤولية.

ثانيًا: السياق العام

عرفت موريتانيا، منذ تأسيس الدولة الحديثة، 1958 (توافقاتها )مسارات سياسية متباينة اتسم بعضها بالأحكام الاستثنائية، وبتوترات سياسية وأيديولوجية، وبأحداث ذات طابع عرقي أو هوياتي، خصوصًا خلال منتصف الستينيات و وبداية الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وقد ارتبطت بهذه السياقات أحيانا بممارسات وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت القتل، الاعتقال التعسفي، وسوء المعاملة، والتعذيب، التسريح الجماعي والإقصاء الوظيفي، والتهجير.

ورغم ما تحقق لاحقًا من تهدئة واسعة النطاق واعتذار رسمي من أعلى سلطات البلد واعتراف وإجراءات تهدف إلى احتواء الأزمة فإن:

• آثار تلك الانتهاكات ما تزال حاضرة على المستويات النفسية والاجتماعية وضحاياها قائمون وأضابرها مرسومة في الجسد الاجتماعي بقوة وإلى جانب مخالفة عدم معالجتها الصريحة للنصوص الشرعية ( جبر الضرر) والعرف المجتمعي ( الصلح) والضمير الإنساني ( العدالة الانتقالية ) :

• يظل الملف عرضة لإعادة التوظيف السياسي أو الإعلامي

• كما يشكل أحيانًا مدخلًا للضغط الخارجي.

وهو ما يجعل المعالجة غير المكتملة التي لا تؤدي إلى طيه النهائي عامل هشاشة مستمرًا يهدد الثقة بين الدولة وبعض فئات المجتمع.

ثالثًا: الإشكالية المطروحة أمام المجتمع السياسي و الدولة اليوم في أفق حوار وطني ينتظره الجميع .

تواجه الدولة الموريتانية اليوم إشكالية مركبة تتمثل في السؤال الآتي:

كيف يمكن معالجة آثار انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بطريقة تضمن إنصاف المتضررين وكشف الحقيقة، دون المساس باستقرار الدولة أو فتح مسارات قد تؤدي إلى انقسام اجتماعي أو مؤسسي؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الإشكاليات الفرعية، من بينها:

• حدود المسؤولية: هل هي مسؤولية مؤسسية أم فردية أم اجتماعية؟

• نطاق الحق في الحصول على الحقيقة وحدوده العملية.

• التوازن بين العدالة والمصالحة

• ضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلًا

رابعًا: المبادئ المؤطرة للمقاربة المقترحة في الورقة:

تقترح هذه الورقة اعتماد مجموعة من المبادئ الموجهة لأية سياسة عمومية في هذا المجال:

1. الاعتراف المسؤول

ويعني الاعتراف بوقوع انتهاكات في مراحل سابقة بوصفها ممارسات مؤسسية مرتبطة بسياقات تاريخية معينة، دون تحميل جماعي للمجتمع أو شيطنة لمؤسسات الدولة.

2. الحقيقة المنضبطة

كشف الحقيقة بما يخدم الإنصاف ويعزز السلم الاجتماعي، مع تجنب التشهير أو الإثارة أو إعادة إنتاج الصراعات.

3. جبر الضرر لا الانتقام

إعطاء الأولوية لجبر الضرر المادي والمعنوي ورد الاعتبار، بدل التركيز على العقاب الشامل الذي قد تكون له كلفة سياسية ومجتمعية عالية.

4. الإصلاح ضمانًا لعدم التكرار

ربط معالجة الماضي بإصلاحات قانونية ومؤسسية تضمن عدم تكرار الانتهاكات.

5. الخصوصية الوطنية

اعتماد مقاربة وطنية تستأنس بالتجارب المقارنة دون إسقاط نماذج خارجية جاهزة.

خامسًا: الخيارات العملية المقترحة والقابلة للتنفيذ من الناحية الإجرائية:

1. إطلاق حوار وطني مخصص للملف الحقوقي

تحت إشراف الدولة، وبمشاركة:

• ممثلين عن المتضررين وأسرهم.

• ممثلين عن السلطات العمومية المعنية.

• شخصيات وطنية مستقلة مشهود لها بالحياد.

ويُشترط لنجاح هذا الحوار:

• جدول أعمال واضح ومحدد.

• سقف زمني متفق عليه

• ضمانات للحياد وعدم التوظيف السياسي.

يكون الهدف من هذا كله محصورا في التوافق على آليات المعالجة، لا إعادة فتح الصراعات.

2. إنشاء هيئة مستقلة للحقيقة والإنصاف

بقرار رسمي، وبصلاحيات محددة زمنًا وموضوعًا تكون مهامها الأساسية:

• الاستماع للضحايا والمتضررين.

• تحديد أنماط الانتهاكات وسياقاتها.

• إعداد تقرير نهائي علني يتضمن خلاصات وتوصيات.

مع ضمان:

• احترام كرامة جميع الأطراف

• عدم التشهير أو الاتهام الفردي

• التركيز على الحقيقة المؤسسية

3. اعتماد برنامج وطني لجبر الضرر

يشمل:

• تعويضات مالية عادلة وفق معايير واضحة

• رد الاعتبار الوظيفي والإداري.

• إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي لكل من ثبت تضرره

• مبادرات رمزية لترميم الثقة.

وهنا لابد من التأكيد المسبق على ضرورة:

• ضبط المعايير

• تجنب التضخيم

• عدم تحويل الملف إلى سوق مطالبات سياسية

4. إصلاحات مؤسسية مرافقة:

بهدف ضمان عدم التكرار وذلك من خلال:

• تعزيز استقلال القضاء

• تجريم التعذيب بشكل صريح وفعّال.

• إصلاح قطاعي الأمن والعدالة.

• إدماج اللغات الوطنية بشكل فعلي في تكوين رجال الإدارة والأمن والقضاء.

• تعزيز ثقافة حقوق الإنسان داخل مؤسسات الدولة.

سادسًا: الذاكرة الوطنية وإدارة الماضي:

لا يمكن تحقيق مصالحة مستدامة دون إدارة واعية للذاكرة الجماعية.

وعليه يُقترح:

• توثيق رسمي لما جرى

• إدماج الأحداث في تاريخنا الوطني بصيغة جامعة ومنصفة ودقيقة من خلال تشكيل لجان علمية تعتمد المنهج العلمي التاريخي و إبعاد هذه الأحداث الوطنية عن التزييف والتوظيف لضمان مصداقيتها واستمرارها للأجيال القادمة دون تحريف .

• رفض الإنكار، مع تجنب التأجيج أو الاستقطاب.

إن الاعتراف المسؤول يرسخ الاستقرار، بينما يؤدي الإنكار إلى الهشاشة وعدم اليقين.

سابعًا: المكاسب المتوقعة للدولة الموريتانية

إن اعتماد هذه المقاربة يتيح للدولة في نظرنا :

• تحصين الجبهة الداخلية

• تقليص قابلية التوظيف الخارجي للملف.

• تعزيز صورتها على المستويين الإقليمي والدولي.

• بناء ثقة طويلة الأمد مع المواطنين.

• الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها معالجة جذرية.

ثامنًا: خلاصة تنفيذية

إن معالجة آثار انتهاكات حقوق الإنسان ليست عبئًا سياسيًا أو أخلاقيًا على الدولة، بل فرصة سيادية لتعزيز الاستقرار وإعادة بناء الثقة.

ويظل المسار الأكثر أمانًا وفعالية في رأينا هو المسار القائم على:

الاعتراف وجبر الضرر والحقيقة والإنصاف. والإصلاح المؤسسي

ضمن إطار وطني جامع يتجه إلى الوئام ودفن جراح الماضي الأليمة

بصيغ توافقية لا انتقاء فيها ولا إكراه.