
عربي21- يحيى باسم:
عادت الحكومة السودانية بشكل رسمي، الأحد، إلى العاصمة الخرطوم لأول مرة منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في نيسان/ أبريل 2023، وسبق هذه العودة محطات رئيسية في الصراع الذي تسبب في مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص.
ومرت مراحل خروج الحكومة السودانية من العاصمة الخرطوم وانتقالها إلى بورتسودان بمحطات عديدة، يُمكن تلخيصها في خمس مراحل، وهي:
⬛️ المرحلة الأولى: اندلاع المواجهات والحصار (أبريل - مايو 2023)
شهدت الأسابيع الأولى من الحرب حصاراً مكثفاً لمقار السيادة، وعلى رأسها "القيادة العامة للقوات المسلحة" و"القصر الجمهوري"، وظلت القيادة العسكرية والحكومية في هذه المرحلة، تمارس مهامها من داخل مراكز القيادة المحصنة تحت ظروف قاسية، مع انقطاع التواصل الفعلي مع معظم الوزارات التي تعرضت للتخريب أو السيطرة الميدانية.
⬛️ المرحلة الثانية: الخروج التدريجي للوزارات (مايو - يونيو 2023)
بدأت المجموعات الفنية والوزارية بالخروج من الخرطوم نحو ولايات أكثر أمناً (مثل ولاية الجزيرة وولاية البحر الأحمر) بشكل غير معلن في البداية، لتأمين استمرار صرف الرواتب وإدارة الخدمات الأساسية بالحد الأدنى.
⬛️ المرحلة الثالثة: "عملية خروج البرهان" (أغسطس 2023)
مثّل خروج رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان من مقر القيادة العامة بالخرطوم في أواخر آب/ أغسطس 2023 نقطة التحول الكبرى، وانتقل البرهان لاحقاً إلى مدينة بورتسودان، ما أعطى الضوء الأخضر الرسمي لاعتبار المدينة "عاصمة إدارية مؤقتة".
⬛️ المرحلة الرابعة: التأسيس في بورتسودان (سبتمبر 2023 - 2025)
اكتمل في هذه المرحلة نقل ثقل الدولة الإداري؛ حيث استقرت رئاسة مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، والبعثات الدبلوماسية في بورتسودان. وأدارت الحكومة من هناك علاقاتها الدولية وعملياتها العسكرية، وبدأت في ممارسة مهام السيادة الوطنية من خارج الخرطوم بشكل كامل.
⬛️ المرحلة الخامسة: العودة للخرطوم (11 يناير 2026)
تأتي العودة الرسمية اليوم كإعلان عن نهاية "مرحلة المنفى الداخلي"، وبداية مرحلة استعادة المركز الإداري والسياسي التاريخي للبلاد من قلب الخرطوم.
وتحمل خطوة العودة الحكومية إلى الخرطوم دلالات سياسية واستراتيجية عميقة، وتأتي بعد قرابة ثلاثة سنوات من الغياب القسري منذ اندلاع الحرب الدامية في منتصف نيسان/ أبريل 2023.
ما المعنى السياسي؟
تمثل العودة إلى الخرطوم أكثر من مجرد انتقال جغرافي؛ فهي إعلان سياسي عن استعادة هيبة الدولة وكسر منطق "عاصمة الطوارئ"، وتسعى الحكومة على الصعيد السياسي من خلال هذه الخطوة إلى تحقيق أهداف عديدة، منها:
⬛️ تعزيز الشرعية الدولية: وذلك من خلال توجيه رسالة للمجتمع الدولي والبعثات الدبلوماسية بأن العاصمة أصبحت آمنة، ما يمهد الطريق لعودة السفارات والمنظمات الدولية.
⬛️ الانتقال من "إدارة الأزمة" إلى "إعادة البناء": تعكس التصريحات الرسمية نية الحكومة البدء في تنفيذ خطط إعادة الإعمار لعام 2026، مع التركيز على المرافق الحيوية مثل جامعة الخرطوم والمستشفيات الكبرى.
⬛️ تثبيت السيادة الميدانية: العودة هي بمثابة تأكيد سياسي على نتائج العمليات العسكرية التي أدت لاستعادة السيطرة على "العاصمة المثلثة" (الخرطوم، أم درمان، وبحري) في آذار/ مارس 2025.
ما موزاين القوة الحالية؟
رغم الرمزية الكبيرة لعودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم، إلا أن موازين القوى في السودان مطلع عام 2026 تظهر بلداً منقسماً "فعلياً" بين قوة الجيش وقوات الدعم السريع.
⬛️ الجيش السوداني: يسيطر حالياً على العاصمة الخرطوم بشكل كامل، بالإضافة إلى الولايات الشمالية، والشرقية، وولاية النيل الأزرق، وأجزاء واسعة من ولايتي النيل الأبيض والجزيرة، ونجح الجيش في تحويل الثقل السياسي والإداري مجدداً نحو المركز، مستفيداً من الدعم الشعبي وتماسك مؤسسات الدولة.
⬛️ قوات الدعم السريع: تتركز قوتها الضاربة حالياً في إقليم دارفور (بعد سقوط الفاشر في أواخر 2025) وأجزاء واسعة من إقليم كردفان، ورغم فقدانها للخرطوم، إلا أنها لا تزال تحتفظ بقدرة عالية على شن هجمات بالمسيّرات وحرب العصابات، ما يجعل المناطق المتاخمة لسيطرتها في حالة استنفار دائم.

