إعلانات

إشكالية الشرعية وحدود الاستمرار.. مستقبل النظام الدولي الأممي في ظل التدخلات الأحادية

أحد, 11/01/2026 - 09:37

كتب: أ.د. محمد عبد الحي

 

يحلل هذا المقال الموجز مستقبلَ النظام الدولي الذي تأسست عليه منظمة الأمم المتحدة منذ عام 1945، في ظل التدخلات العسكرية الأحادية التي قامت وتقوم بها الولايات المتحدة خارج إطار التفويض الصريح لمجلس الأمن الدولي. وينطلق المقال من فرضية مفادها أن هذه الممارسات لا تؤدي إلى انهيار فوري للنظام الأممي، وإنما بالأساس تكشف عن تآكل تدريجي في شرعيته القانونية والأخلاقية.

ويعتمد المقالُ مقاربةً تحليليةً تجمع بين الواقعية السياسية والمؤسسية الدولية، لفهم حدود الإلزام القانوني للنظام الدولي في سياق اختلال موازين القوة. ويخلص إلى أن النظام الأممي مرشح للاستمرار بوصفه إطاراً إجرائياً ضرورياً، لا بوصفه نظاماً معيارياً عادلًا، وذلك لغياب بديل دولي متوافَق عليه.

لقد تأسست منظمة الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية استجابةً لفشل نظام عصبة الأمم، سعياً إلى بناء إطار مؤسسي قادر على ضبط استخدام القوة في العلاقات الدولية، وعلى منع تكرار النزاعات الشاملة. وقد أُنيط بمجلس الأمن الدولي الدور المركزي في هذا النظام، بوصفه الجهة الوحيدة المخولة قانونياً الإذن باستخدام القوة الجماعية. غير أن مسار النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، ولا سيما بعد عام 1991، كشف عن تواتر تدخلات عسكرية أحادية قادتها الولايات المتحدة دون تفويض أممي صريح، ما أثار إشكالية جوهرية تتعلق بمدى صلابة النظام الدولي الأممي وقدرته على الاستمرار.

ويقوم النظام الدولي الذي أرسته الأمم المتحدة على مفارقة بنيوية تتمثل في الجمع بين مبدأ المساواة السيادية للدول، ومنح امتيازات خاصة للقوى الكبرى عبر حق النقض في مجلس الأمن. وقد أدى هذا الترتيب إلى نشوء نظام قانوني غير متكافئ، تُطبَّق فيه القواعد الدولية بمرونة متفاوتة تبعاً لموازين القوة. ووفقاً لهذا المنطق، فإن احترام القانون الدولي ظل على الدوام مشروطاً بتوافق القوى الكبرى، لا بإلزاميته الذاتية.

ومثّلت التدخلاتُ الأمريكية في بناما (1990) وكوسوفو (1999)، والعراق (2003)، وسوريا (بعد 2014)، وفنزويلا (2026).. محطاتٍ مركزيةً في إعادة تعريف مفهوم الشرعية الدولية. ففي هذه الحالات، جرى تبرير استخدام القوة استناداً إلى مفاهيم أخلاقية أو أمنية خارج النص الصريح لميثاق الأمم المتحدة. وأدى ذلك إلى إضعاف المرجعية القانونية لمجلس الأمن، وإلى تكريس نمط من «الشرعية الانتقائية» التي تُستخدم فيها القواعد الدولية أداةً سياسية أكثر منها إطاراً قانونياً ملزماً.

وأفضت هذه الممارسات إلى تآكل مزدوج في النظام الأممي؛ تآكل وظيفي يتمثل في عجز مجلس الأمن عن القيام بدوره في حفظ السلم الدولي بسبب الانقسامات بين أعضائه الدائمين، وتآكل رمزي يتجلى في تراجع الثقة الدولية بمبدأ العدالة والحياد الأمميين.

ومع ذلك، لا تزال الأمم المتحدة تؤدي أدواراً حيوية في مجالات إنسانية وتنموية وقانونية، وهو ما يجعل تجاوزها الكامل أمراً بالغ الكلفة.

وعلى الرغم من أزمته، يستمر النظام الدولي الأممي لعدة اعتبارات، أبرزها غياب بديل مؤسسي عالمي قادر على تنظيم العلاقات الدولية، فضلًا عن مصلحة القوى الكبرى نفسها في الحفاظ على هذا الإطار عند الحاجة. كما أن انهيار النظام القائم ينذر بعودة صريحة إلى منطق القوة غير المنضبطة، وهو سيناريو لا يخدم الاستقرار الدولي على المدى الطويل.

وعلى ضوء التجارب السابقة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل النظام الدولي:

1- استمرار النظام مع تآكل متزايد في شرعيته

2- إدخال إصلاحات جزئية محدودة على مجلس الأمن

3- تفكك تدريجي في حال تصاعد الصدام بين القوى الكبرى

وتومئ المؤشراتُ الراهنة إلى أن السيناريو الأول هو الأرجح في المدى المنظور.

والخلاصة هي أن التدخلات الأمريكية الأحادية لا تمثل خروجاً عن النظام الدولي بقدر ما تعكس طبيعتَه الواقعية وحدوده البنيوية؛ ولذا فالنظام الأممي الراهن مرشح للاستمرار بوصفه الحد الأدنى الممكن لتنظيم العلاقات الدولية، لا بوصفه نظاماً عادلًا أو متوازناً، ومن ثم فأزمة النظام الدولي ليست أزمة وجود، بل أزمة شرعية ووظيفة.

المراجع وفق (APA 7)

Carr, E. H. (1939). The twenty years’ crisis, 1919–1939. London: Macmillan.

Keohane, R. O. (1984). After hegemony: Cooperation and discord in the world political economy. Princeton University Press.

Morgenthau, H. J. (1948). Politics among nations: The struggle for power and peace. New York: Knopf.

United Nations. (1945). Charter of the United Nations.

Waltz, K. N. (1979). Theory of international politics. McGraw-Hill.