
مصنع سيارات فولكسفاغن في دريسدن، ألمانيا، 14 مايو 2025 (شون غالوب)
برلين/ العربي الجديد
تدخل ألمانيا عام 2026 على وقع أزمة مالية واقتصادية متشابكة، بعدما سجلت سنة 2025 أحد أسوأ الأعوام في تاريخ الاقتصاد الألماني الحديث، مع ارتفاع غير مسبوق في حالات إفلاس الشركات وتزايد الضغوط على البنوك المحلية، ولا سيما صناديق الادخار والبنوك التعاونية التي تشكل العمود الفقري للتمويل في الاقتصاد الحقيقي. وتشير بيانات مؤسسة كريديتريفورم الألمانية والمكتب الاتحادي للإحصاء الألماني (ديستاتيس) إلى أن نحو 24 ألف شركة أعلنت إفلاسها خلال عام 2025، في حين تظهر تقارير الهيئة الاتحادية للرقابة المالية (بافين) تصاعد القروض المتعثرة داخل البنوك المحلية.
ولا تعكس هذه الموجة مجرد دورة ركود عابرة، بل تكشف عن تصدعات عميقة في بنية النموذج الإنتاجي الألماني نفسه. فالاقتصاد القائم على الصناعة والتصدير يواجه اليوم تحديات متراكمة، تتراوح بين ارتفاع تكاليف الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية، وتباطؤ الطلب الداخلي والخارجي، ما أدى إلى ضغط واسع على الشركات المتوسطة، المعروفة باسم "القطاع المتوسط"، والتي تمثل قلب الصناعة الألمانية ومحرك التوظيف الأساسي، وفقا لموقع "شيناري ايكونوميتشي" الإيطالي.
وقد انعكست هذه الأزمة مباشرة على القطاع المصرفي المحلي، إذ تقدر قيمة القروض المتعثرة خلال عام واحد فقط بنحو 57 مليار يورو، وهو عبء ثقيل تتحمله بالدرجة الأولى البنوك المحلية، لأن شركات القطاع المتوسط تمول ما يقارب 40% من احتياجاتها عبر صناديق الادخار، ونحو ربع احتياجاتها عبر البنوك التعاونية. ومع تزايد حالات التعثر، أصبحت ميزانيات هذه المؤسسات أكثر هشاشة، في وقت تفتقر فيه إلى التنويع الجغرافي والدولي الذي تتمتع به البنوك الكبرى.
ويعزو مراقبون أسباب الأزمة إلى مزيج معقد من العوامل، أبرزها التشدد التنظيمي، وتسارع سياسات التحول المناخي دون توفير بدائل صناعية واقعية، إضافة إلى أزمة الطاقة التي رفعت كلفة الإنتاج، وعبء ضريبي متزايد أضعف هوامش الربح. وقد أدى ذلك إلى انخفاض الإنتاج الصناعي بنحو 20%، ما أحدث تأثيرا متسلسلا طاول الموردين والخدمات المرتبطة بالصناعة، ودفع مزيدًا من الشركات إلى حافة الإفلاس.
علامات إجهاد
وعلى الرغم من أن بعض المؤشرات السطحية قد توحي بصمود القطاع المصرفي، خاصة مع تسجيل البنوك الكبرى أرباحا إيجابية، فإن الواقع على مستوى البنوك المحلية يبدو أكثر قتامة. فقد تراجعت أرباح البنوك التعاونية بنحو 25% خلال العام الماضي، وسط توقعات بأن يكون عام 2026 أسوأ. ويظهر النموذج المصرفي القائم على ثلاثة أركان (بنوك خاصة، ومؤسسات عامة، وبنوك تعاونية) علامات إجهاد واضحة، بعد سنوات من أسعار الفائدة المنخفضة التي ضغطت على الهوامش، ثم الارتفاع السريع في الفائدة الذي زاد أعباء التمويل في ظل الركود.
وتفاقمت المخاطر مع اندفاع بعض البنوك نحو استثمارات عالية المخاطر، بحثا عن عوائد تعوض تراجع النشاط التقليدي. وقد برزت حالات فشل لافتة في استثمارات مرتبطة بالطاقة المتجددة والعقارات، خلفت خسائر بمئات الملايين من اليوروهات، وأدت إلى تدخل صناديق حماية مصرفية لإنقاذ بعض المؤسسات من الانهيار. وفي هذا السياق، تشير بيانات الرقابة المالية إلى ارتفاع الديون المتعثرة بنسبة 25% خلال عام واحد، لتبلغ نحو 36.5 مليار يورو.
وفي مواجهة هذا المشهد، لجأت البنوك إلى تقليص شبكاتها، حيث يجري إغلاق أكثر من ألف فرع سنويا، ما يضعف حضور المؤسسات المصرفية المحلية في المجتمعات الصغيرة، ويزيد صعوبة وصول الشركات الصغيرة والحرفيين إلى التمويل. ويثير هذا التطور مخاوف من تشديد ائتماني واسع النطاق، قد يفاقم الركود ويحد من فرص التعافي. وبحسب "شيناري ايكونوميتشي"، يجد صانعو السياسات أنفسهم أمام مفارقة معقدة. فحتى إذا بدأ البنك المركزي الأوروبي خفض أسعار الفائدة، فإن ذلك قد لا يترجم إلى زيادة في الإقراض، طالما ظلت البنوك مثقلة بالديون المعدومة والمخصصات، وطالما استمرت المخاوف بشأن الملاءة المالية للشركات والأسر.
وفي ظل غياب تغيير جذري في المسار الاقتصادي والطاقي، يحذر مراقبون من أن ألمانيا قد تواجه مرحلة أطول من الضغوط المالية، تدفع ثمنها البنوك، والشركات، والمدخرون، وربما دافعو الضرائب في نهاية المطاف، إذا استدعت التطورات تدخل الدولة لإنقاذ النظام المصرفي. ويعد الاقتصاد الألماني الأكبر في أوروبا والرابع عالميا من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، ويعتمد تاريخيا على القطاع الصناعي التصديري بوصفه المحرك الأساسي للنمو. وتشكل الصناعات التحويلية، ولا سيما السيارات، والآلات، والكيماويات، والهندسة الدقيقة، العمود الفقري للاقتصاد، إلى جانب قطاع قوي من الشركات المتوسطة التي تعرف بأنها القلب النابض للتوظيف والابتكار.
ويتميز النموذج الاقتصادي الألماني بانضباط مالي صارم، وقاعدة صناعية كثيفة رأس المال، واعتماد واسع على التجارة الخارجية، إذ تمثل الصادرات نسبة مرتفعة من الناتج المحلي. غير أن هذا النموذج يواجه في السنوات الأخيرة ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة، وتباطؤ الطلب العالمي، والتحولات المناخية والتنظيمية، ما يفرض تحديات هيكلية على مسار النمو والاستقرار الاقتصادي.
اقتصاد دولي
ألمانيا تقر ميزانية 2026: توسع في الإنفاق العسكري والبنية التحتية

