
الأستاذ محمد الكوري ولد العربي
رئيس المنتدى السياسي للبعث.
العودة إلى الينابيع النضالية ضرورة قومية و إنسانية خاصة في هذه الحقبة من التاريخ التي تتيه فيها الشعوب في أرجاء العالم عن قيمها و يتصدرها التافهون في كل مكان.
و نحن إذ نحيي ، على مدى 19 سنة متواصلة، ذكرى استشهاد الرفيق الرئيس صدام حسين إنما نستحضر في هذه المناسبة معاني و قيم الفضيلة التي تتلاشى أمام أعيننا... نحيي فضيلة الوفاء للأبطال الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل مبادئهم ، فضيلة الوفاء لهذه المبادئ التي صنعت و صقلت هؤلاء الأبطال، صدام و رفاقه، و نحيي فضيلة تحدي النسيان بحق قلة من الرجال و النساء عضت على مبادئها في أحلك و أقسى الظروف لمواجهة أخطار الضياع و طمس هوية أمتهم في كل أقطارها من شواطئ الأطلسي حتى جبال زاغروس!
● إن إحياء هذه الذكرى على امتداد هذا الزمن يبرهن على أن هذه المناسبة المتجددة سنويا تعبر عن تفاعل واع مع تجربة قومية نضالية مشرقة ، لكن تعبر أيضا عن تواصل لعطاء حضاري و إنساني تكثف في لحظة معاناة قومية عربية إنسانية فارقة تراءت للإنسانية كافة خلال صعود صدام حسين بخطوات ثابتة و نظرات مركزة نحو منصة الموت و الخلود معا: موت الجسم الماثل في حبل المشنقة المعلقة أمامه، و خلود المعاني و القيم العصية على الموت ، و هي ما نحيي ذكراها هنا اليوم، و غدا...
لذلك، حرصنا كحركة تاريخية و حضارية و إنسانية لا تموت بموت أبطالها إلى إحياء هذه الذكرى العطرة لاستمرار صدام حسين و رفاقه، ليس كأجسام فنت، و لكن كمشهد رائع مدهش مثل قبسا من نور و عظمة هذه الأمة و عبر عن روحها و كينونتها المسكونة بإرادة لا تنكسر نحو الانبعاث مهما تلبدت الفواجع و المصائب.
● إن هذه المناسبة و إحياء ذكراها تقدم زادا روحيا و طاقة معنوية لا يعرفان النفاد، خدمة للمناضلين في سبيل رفعة أمتهم، من كل عناوين و مشارب قواها التقدمية الرافضة للاستعمار و الإذلال الحضاري.
و لقد كان الرفيق صدام حسين و رفاقه قمة على درب التضحية في صراعهم المصيري مع أعداء نهضة أمتهم حين ترجموا تلك الأفكار الثورية التاريخية التي حملوها و هم شباب يافعين إلى نضال شرس و معاناة قاسية ختموها بالتضحية بالسلطة و الأهل و الأنفس!
● إنها ذكرى لاستعادة ذلك المشهد المهيب و تلك القيم الخالدة للجيل العربي و التقدميين جميعا في العالم ، أولئك الذين لم يعيشوها في لحظتها، افتخارا و ألما، و لكنها ذكرى أيضا لتجديد اللعنة سنويا على المجرمين، بوش و ابلير و الخامنئي، و عملائهم في سلطة الاحتلال في بغداد الذين قتلوا الشهيد صدام حسين و رفاقه، و لعنة على المتشفين فينا بقتله ، في ذكرى استشهاده، من الأقلام المأجورة و الشخصيات الممسوخة، كأصحاب السبت، حضاريا و دينيا من عرب الجنسية.
● إننا نقتل هؤلاء جميعا سنويا من خلال إحياء هذه الذكرى بوصف صدام حسين قيمة إنسانية و نموذجا نضاليا و مشروعا قوميا عربيا متواصلا، لا ينتهي بأماني الشامتين!
● أيها الماجدات الكريمات.. أيها الأماجد الأفاضل في هذا الحضور الكريم.
تأتي هذه الذكرى، و الذكرى التي قبلها، في خضم تحولات وطنية و إقليمية و دولية عميقة.
● فعلى المستوى الوطني، فإن مخرجات ديمقراطية( لابول) تعيش موتا سريريا بدءا بكياناتها الحزبية و ممارساتها الشكلية، بعدما كانت كارثية على شعبنا و قيمه جراء ما تسببت فيه من انتكاسة في الوعي الوطني حيث سادت الخطابات القبلية و الشرائحية و الإثنية و تصالح المجتمع مع أعمال نهب الأموال العمومية و النفاق السياسي، غير المسبوق، و المتاجرة بالحفر في المعاناة اللونية عبر حقب الماضي... و المجاهرة بالارتزاق بالعمالة و الاستقواء العلني على الدولة و المجتمع بالقوى الأجنبية...
و في سياق انحسار " الديموقراطية الليبرالية الشكلية"، فإن بلادنا توشك أن تدخل مرحلة انتقالية من الاستبداد السياسي المتمثل في إعادة فرض نموذج مشوه لحزب الدولة الواحد ، و نظام حكمه السياسي الذي لا حدود لسلطته و لا سبيل لأزالته إلا بالموت أو بالقوة العسكرية، ضمن توجه عالمي نحو الاستبداد السياسي و تراجع قوة المبشرين، في العالم، بالديموقراطية الليبرالية، حتى في أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية!
● و على المستوى الإقليمي، فإننا نشهد طردا متواصلا لفرنسا و كنسا لنفوذها من مستعمراتها الإفريقية ، بالتزامن مع اضمحلال حضورها في الساحة الدولية و احتمال تحولها إلى نادي الدول الضعيفة عالميا باستثناء تملكها للقوة النووية و حق الفيتو، و قد تضطر للتخلي عن هاتين المزيتين تحت الضغوط الاقتصادية و الجيوستراتيجية في ظل بروز قوى دولية جديدة تقود النظام الدولي القادم في ما بعد نظام 1945، الذي تحكمت فيه أمريكا و حلفاؤها من الأوروبيين.
و من المرشح أن تكون القوى المهيمنة القادمة، على أنقاض النظام الدولي المنسحب، التي ستوزع العالم إلى مناطق نفوذ ضمن خرائط جغرافيا سياسية جديدة، هي الصين و الهند و روسيا و أمريكا و البرازيل.
● و على المستوى الدولي، فإن حربا عالمية تجري الآن بأسلحة اقتصادية و سباق هستيري على التكنلوجيا الرقمية و للسيطرة على مناطق المعادن و التربة النادرة على الكرة الأرضية ، بل قد يمتد الصراع ليشمل السيطرة على كواكب مجاورة للأرض، بحثا عن المعادن النفيسة!
و في خضم هذا الصراع، ستختفي العديد من الدول و الكيانات السياسية الناتجة عن الحرب العالمية الثانية، و منها الكيان الصهيوني بوصفه إفرازا لذلك النظام العالمي ؛، كما أن دولا و كيانات أخرى ستتغير خرائطها الإقليمية و تتشظى شعوبها ، و بلادنا مرشحة لهذه المخاطر، خاصة على مستوى وحدتها الإقليمية و شواطئها على الأطلسي و سهولة إغراقها بموجات الهجرة المتدفقة على نحو متصاعد من شعوب جنوب الصحراء.
● إن هذه التحولات في موازين القوى الدولية التي تجري فضلا عن تحول مركز العالم من أمريكا في غرب الكرة الأرضية إلى الصين في شرقها، يمكن أن يكون في صالح العرب و الشعوب الإفريقية إذا أحسنوا التفاعل مع هذه التحولات في الوقت المناسب ، و بخاصة إذا سارعوا للتخلص من قوى الفساد داخلها، التي أنهكت بلدانهم؛ و إذا استعاضت الأنظمة عن تلك القوى التخريبية باستقدام و احتضان قوى و نخب وطنية تقدمية مناهضة لأمريكا و توابعها الأوروبيين الذين نهبوا ثروات الشعوب و استنزفوها اقتصاديا و بشريا بالحروب الأهلية، القبلية منها و الشرائحية، و المذهبية، و الإثنية،... خلال ال 75 سنة الأخيرة.
● و تستطيع بلادنا على نحو خاص أن تغتنم انشغال أمريكا في حربها السرية التنافسية المحمومة مع الصين و الروس ، و انشغال الدول الأوروبية الاستعمارية تاريخيا بمصيرها المرتبك و بموقعها في خريطة العالم القادم الذي يتشكل الآن في غيابها، تستطيع بلادنا، إذن، إلتقاط أنفاسها و التفرغ للتنمية الوطنية عبر البحث عن القوى الوطنية و الوطنيين، لأن العناصر و المجموعات الشرائحية و العنصرية التي شكلت قلقا للأمن الوطني، خلال العقود الماضية، و تسببت، مؤخرا، في تصدع الانسجام المجتمعي بالاستقواء بالأمريكيين و الأوروبيين، تعيش الآن أسوأ أيامها بسبب انحسار مفعول القوى التخريبية الداعمة لها في الغرب عموما ، و استغراق مشغليها الأجانب، خاصة الأمريكيين و الفرنسيين، في مشاغلهم السيتراتيجية المصيرية الملحة... كما أن رياح التغيير العالمي توفر بيئة ملائمة للقوى و المجموعات و الأفراد- الذين تركوا خطهم التقدمي الإديولوجي، منذ تفردت أمريكا بمصير العالم عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، بسبب ضغط الظروف الدولية و اليأس من المستقبل- لاستعادة شملهم ليس بصيغة الالتفاف على مبادئهم بل بالرجوع إلى نقطة البداية و استرجاع النفس الثوري الذي يشكل من الآن فصاعدا اتجاها جديدا للعالم ضد أمريكا و حلفائها. إن غياب الأهداف المبدئية و الستراتيجية في مختلف الواجهات الحزبية الليبرالية و المبادرات الإصلاحية هو ما شوش الرؤية لدى الكثير من القوى الوطنية في الوطن العربي خلال العقود الماضية و قزم جهودها و اختزلها و أضاعها في دائرة نقد التسيير اليومي و المعيش للأنظمة الفاسدة؛، مما أوقع كثيرا من الوطنيين في شرك أعداء أمتنا الذين روجوا و يروجون لعدم واقعية المنطلقات النظرية للقوى المناهضة للامبرياليات الغربية و برامجها التخريبية داخل بلدان العالم الضعيف... فانكفأت تلك القوى التقدمية داخل قوقعات الأنظمة المهترئة هربا من التضحية في مواجهة الجبروت الأمريكي...
نواكشوط، 31 دجمبر 2025.

