إعلانات

من يكتب للرئيس السابق ؟

جمعة, 24/05/2024 - 19:29

قرأت بتمعن رسالة أو خطابا منسوبا للرئيس السابق ، واعتقد أنني بحاجة لوضع خطين تحت كلمة "منسوبا" .
فمن الناحية الشكلية كتبت الرسالة بلغة أدبية متمرسة يتقن كاتبها تحميل الكلمات بما يناسبها من شحنات عاطفية .
كما أنه سليم لغويا إلا من أخطاء مطبيعية من الواضح أنها حصلت سهوا لا جهلا .
أما من حيث المضمون فالرسالة لا تحمل جديدا  بالنسبة لخطاب المعارضة الطليقة سواء من حيث التقييم او التبخيس أو المقارنة .

تقول الحكمة الماثورة أننا "حين نعلم الانسان التفكير فإننا نحرره ، أما حين نلقنه فنحن نضمه للقطيع " .
وبلا شك فإن ممارسة السياسة وانتزاع الحكم سيكون اسهل بكثير من تعليم الرئيس السابق كيف يكتب رسالة كهذه .

فمن كتب هذه الرسالة وماهي الغاية منها ؟
ليس هذا أصعب الأسئلة وإجابته بالتأكيد ستكون أسهل الإجابات .

لقد افسد غزواني البلاد 
نعم..  
لكن ماهي تلك البلاد التي أفسدها ؟
لقد أقسد تلك البلاد التي تتم جدولة مشاريعها وفق حجم الأرباح المنتظرة للمقاولين والسماسرة .

لقد افسد غزواني البلاد التي تتحول فيها المدارس والثكنات الأمنية إلى دكاكين وعمارات .

لقد أفسد البلاد التي تباع مصالحها وترهن  نقدا وعمدا لعشرات السنين القادمة جزاء عمولات ضخمة لصاحب القرار الأول او من ينوب عنه .

لقد افسد غزواني البلاد التي تحول فيها المجتمع السياسي إلى كلاب مسعورة تنتصر فيها ذوات المخالب والأنياب على ذوات الفكر والوطنية والنضال .

وفي المقابل تساءل الموريتانيون في لحظة ما عن جدوى ما حصل .
فكانت الإجابة مرة وثقيلة .

- خزينة فارغة
- ديون بلغت 100٪ من إجمالي الناتج القومي .
- انفجار اجتماعي وشيك.
 - حياة سياسية مشلولة
- إدارة متهالكة
- علاقات عربية ودولية متوترة 
- تصاعد غير مسبوق للخطاب الفئوي
- تصنيف إئتماني سيء .

فماذا فعل غزواني ؟
ساتجاوز الظروف الطارئة وما تخللها من إنهاك عالمي وانقطاع غير مسبوق لسلاسل الإمداد العالمية واشرع في التساؤل  ..

ما هو انعكاس البنية التحتية التي تقاسمنا اثمانها مع ولاة الأمر وسماسرتهم على حياة المهمشين ومن يقبعون تحت خط الفقر في الأرياف والمدن ؟
من يستطيع إقناع أسرة جائعة بجدوى بيع المدارس والمطارات والممتلكات العمومية ؟
من يستطيع إقناع مريض لا يمتلك حبة دواء بجدوى مستشفى لا يمتلك حق ولا قدرة الولوج إليه ؟

من يستطيع إقناع أسرة تتنقل خلف شياهها أو تقطن في مزارعها بجدوى دكاكين أمل المقامة في المدن ؟

من يستطيع إقناع والدي طفل بضرورة تعليمه دون توفير كفالة مدرسية او دخل منتظم يكفيهم مؤونة دراسته وإطعامه .

من يستطيع الحديث عن الوطن أمام من دفنوا أحبتهم عاجزين عن علاجهم في الخارج والداخل ؟

وحده غزواني من أفسد تلك المنظومة القائمة على إجبار المعوزين على التعايش مع الحرمان والقهر والغبن البين .

وحده غزواني من رفع تطلعات المهمشين إلى وطنهم وأذاقهم طعم حقوقهم في الحياة الكريمة .

وحده غزواني من شيد القيمة المعنوية للانتماء وبادر لنزع فتيل القهر والحنق الناتج عن تمركز الثروة في ايد المفسدين .
وحده غزواني من فهم حقيقة التنمية حين وجه الثروة إلى الذين لن يشاهدوا مطار أم التونسي يوما ولن يستطيعوا تثمين ولا تقييم الطرقات ولا الساحات العمومية .
إلى أولئك المشغولين بلقمة في بطونهم .
المهمومين بمستقبل ابنائهم حين يوضعون في سباق غير عادل للتعليم والكفاءة .
المقهورين جراء حرمانهم من ثروات بلدهم المنهوبة في جيوب السماسرة الكبار .

أما رسالتي لكاتب الرسالة ..
لقد أبليت بلاء حسنا في الصناعة والسبك الأدبي الرصين ، ولو علم الرئيس السابق حاجته إلى قلمك هذا اليوم لما سخر من الأدباء والشعراء وخريجي المحاظر يوما .

لقد أبليت بلاء حسنا في محاولة استعادة البلاد التي أفسدها غزواني .
لكن الأوان قد فات ولم يعد هناك متسع لاستعادة تلك البلاد .
فمن يحميها ليس الرجل الذي وجهت إليه رسالتك وإنما الملايين من الذين اشتدت عزيمتهم لحماية مكتسباتهم ومانالوه من حق ونصيب جراء عدالة وانحياز غزواني للحق وليس لمنة سيمنها على ضحايا الباطل .

اما الخطأ الوحيد الذي اركتبه كاتب الرسالة ، فهو أنه تجاهل قاموس الرئيس السابق ولم يستخدم منه الحد الأدنى لتأكيد الكذبة .

في النهاية لو كنت الرئيس السابق لوبخت كاتب الرسالة بذات الألفاظ التي وبخت بها أصحاب الفكر ورواد القلم .
لأن إخراج الكاتب للرسالة دمر صورة الرئيس القوي وأحالها إلى صورة الضعيف المُستغل  .

وفي الختام ليست هناك رسالة يمكن توجيهها اليوم للرئيس غزواني ، فالرسالة ينبغي أن توجه الشعب الموريتاني الذي لا يمكن استعطافه بالمحسنات اللفظية والبيانية.

"وعاكب ذا تم وطي رسايلك" في صاحب الشأن قبل أن تنشرها واكتبها بلغة يستطيع فهمها على الأقل .

محمد افو