كيف تورط الشاعر محمد الفيتوري في عملية اختطاف الإمام موسى الصدر؟

كيف تورط الشاعر محمد الفيتوري في عملية اختطاف الإمام موسى الصدر؟

الشاعر السوداني الراحل محمد مفتاح الفيتوري (الجزيرة)

 

 

لم يكن الشاعر الكبير محمد الفيتوري سياسيا، ولم تغص رجله في طين السياسة الزلق اللزج، رغم أن كل شاعرٍ مجيد لا ينفصل عن السياسة، وجل الشعر العربي عبر التاريخ، منذ أن هلهله المهلهل بن ربيعة ظل يلامس "ساس يسوس".. منغما مزركشا متمما تماما.

غير أن الفيتوري رحمه الله ساقته السياسة وجرجرته إلى خبائها، ليرتبط اسمه بواحدٍ من أعقد الملفات السياسية خلال الخمسين عاما الماضية، وكاد أن يدفع الثمن حياته، وقبلها دفع أثمانا باهظة لمواقفه السياسية،

وإذا كانت أشعاره الوطنية، ومعالجته لقضايا أفريقيا ومقاومة الاستعمار، ودعمه حركات التحرر الأفريقية والقضية الفلسطينية، والتزامه العروبي الذي لا جدال فيه، قد بدت للناس في لبّ الفعل السياسي، خارجةً من بين فرث السياسة ودمها، فإن الساسة لم يتركوا له ما يقول.

بما أن شاعرنا الكبير تقاسمته الجغرافيا، وقطعت ووزعت منابت الانتماء لحمه وشحمه ودمه بين ثلاثة بلدان عربية ورابعتها رضيت من الغنيمة بالإياب الأخير، فهو بلا شك سوداني أصيل أسمر في لون التراب، احتضنته ليبيا، وربته وعلمته مصر، وأخيرا احتواه التراب المغربي ساكنا قبرا هناك.

عاش رحلته في الحياة وقد ظلمته السياسة حتى شحبت روحه، وأوقعته مخالب السياسة الحادة في غياهب جبها بلا أشطان، وصيرته درويشا متجولا، يركله الموج حينا ويلقفه الجرف الحاد عند ساحل صخري صلد لا يحتمل أمثاله، وهكذا عاش حتى رحيله.

نعود للثمن الباهظ الذي دفعه.. في قضية ظلت مشتعلة ما يقارب الخمسين عاما، بدأت القصة في الأسبوع الأول من أغسطس/آب 1979، عندما ذهب الفيتوري في معية السفير الليبي بلبنان آنذاك أبوبكر الفرجاني لمقابلة الزعيم الشيعي الأشهر الإمام موسى الصدر، لتسليمه دعوة من العقيد القذافي لزيارة ليبيا والمشاركة في احتفالات ذكرى الفاتح من سبتمبر/أيلول، وحضور مؤتمر إسلامي عالمي.

كان الفيتوري وقتها ملء السمع والبصر في المشهد الشعري العربي، يفوح كزهرة الأقحوان في مقاهي بيروت التي يتقاطر عليها الشعراء والأدباء والنقاد من كل حدب وصوب، ودواوينه الراعدة وأفريقياته تطبق الآفاق، كان زنبقة سمراء أو سوداء لا فرق في صدر المجالس، يمتشق قصائده كالرماح، وحزن وجهه المقيم كسيف بلا غمد، فهو وجه وصوت شعري ليس يدركه الذبول.

حادثة اختفاء وتغييب الإمام موسى الصدر التي اتهم فيها الزعيم الليبي معمر القذافي بتدبيرها، هي القضية السياسية التي كانت سياجا من عوسج حاد حُوصر فيه الشاعر الكبير ومنه تأذى، فعقب اختفاء الإمام الصدر اختطفت مليشيات شيعية لبنانية الشاعر الفيتوري بناء على صفته الدبلوماسية حيث كان يعمل ملحقا ثقافيا بالسفارة الليبية ببيروت وأن له دورا في تسليم الدعوة مع السفير الفرجاني واستدراج الإمام الصدر.

تتبعت عناصر المليشيا الشاعر في شوارع بيروت، أنزلوه من سيارته واقتادوه لمحبس مظلم ضيق متنقل بين بيروت وجنوب لبنان، وظل لأيام كان فيها الموت شاخصا عليه قريبا منه يراقبه في صمت.. لكن الذي أنجاه من الموت المحقق والانتقام، أن مختطفيه شعروا أولا أن لهجة المختطف ليست ليبية، يتحدث بلسان سوداني مبين يمزج كلامه بلكنة مصرية، وحينها عرفوا، أنه الشاعر الكبير الذي سحبت منه جنسيته، ومنحته ليبيا جوازها الدبلوماسي وعينه القذافي في وظيفة دبلوماسية مرموقة في سفارته بروما عام 1976، ثم نقل إلى بيروت التي أحبها.

في المحبس تسامر معه خاطفوه وأنشدهم أشعاره التحررية النضالية الأفريقية، فهو آسر في إلقاء قصائده، وتحول المكان ووحشته وظلمته لساحة تأتلق فيها الأشعار وعبارات الإعجاب كأنما ظللت الفيتوري وخاطفيه سحابة من ريش الطواويس الملونة… لذلك أطلقوا سراحه.

لكن الراجح أن ليبيا تدخلت عبر عدد من مسؤوليها منهم العقيد محمد المجذوب، لدى بعض القوى السياسية اللبنانية، والإيرانيين ومنظمات فلسطينية وشخصيات عربية نافذة. تردد اسم الشاعر كثيرا في غرف السياسة وهمس المخابرات وتحركات الأحزاب والجماعات.

احتضنت ملفه حقائب الوسطاء، لكأنه في تلك الأيام عبر بوابة نجمية من عالم الآداب والفنون إلى دنيا السياسة، وعندما تم الإفراج عنه قال إنها تجربة قاسية كان لا بد منها كما وصفها هو كثيرا في حواراته. وقال لي في طرابلس ذات يوم عن تجربة الاختطاف: "أنقذني شعري وحنجرتي".

وبمناسبة طريقة الفيتوري في إلقاء القصيد، قال عنه الشاعر العراقي الكبير عبد الرزاق عبد الواحد: "عندما يصعد الفيتوري المنصة لإلقاء شعره يتحول إلى غول أفريقي"، لا صوت يماثل صوت الفيتوري ولا حضوره المذهل في منابر الشعر ومهرجاناته.

أما لماذا حاصرته السياسة وأقضت مضجعه..؟ ملاذه كانت بيروت، عند مغادرته السودان حيث سحب الرئيس جعفر نميري الجنسية السودانية منه بعد أن نشر قصيدة حارقة رثى فيها عبد الخالق محجوب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني وهي قصيدة "اضطربت نجمة في مداراتها" وذلك بعد أن أعدمه النميري عقب انقلاب نفذه وخطط له الحزب الشيوعي في 19 يوليو/تموز 1971، وكان الحزب الشيوعي يعد أكبر الأحزاب الشيوعية في دول العالم الثالث.

يقول الفيتوري في قصيدته:

وسد الآن رأسك

فوق التراب المقدس

واركع طويلا لدى حافة النهر

ثمة من سكنت روحه شجر النيل

أو دخلت في الدجى الأبنوسي

أو خبأت ذاتها في نقوش الطواويس

ثمة من لامست شفتاه القرابين قبلك

مملكة الزرقة الوثنية قبلك

عاصفة اللحظات البطيئة قبلك

طقس الوجوه المدلاة في مهرجان المشانق قبلك

…

مثلما اضطربت نجمة في مداراتها

أمس مرّ طاغية من هنا

نافخا بوقه تحت أقواسها وانتهى حيث مر

قد مر طاغية من هنا ذات ليل

أتى فوق دبابة

وتسلق مجدا وحاصر شعبا وغاص في جسمه

ثم هام بعيدا ونصب نفسه للفجيعة ربا

والقصيدة طويلة.. وقد أغضبت النميري وقرر سحب الجنسية السودانية من الشاعر فطفق متجولا ما بين القاهرة وبيروت وطرابلس، كان دخان الشعارات وأهازيج الثورة والعروبة يلتف حوله، ثم كان موعد لقاء، منحه القذافي الجنسية الليبية وجوازا دبلوماسيا وعينه ملحقا ثقافيا بالسفارة الليبية بروما، وبعد أعوام نُقل إلى بيروت وهي الأثيرة لديه من بين العواصم العربية وفيها نشر دواوينه الشعرية، وصحب جمهرة الشعراء وأهل الصحافة والفن والأدب، وكتب في الصحافة وعاش في بيروت "عمره الذي عاشه والذي لم يعشه" كما قال.

قصته مع ليبيا طويلة.. جده لأبيه رجب الذي حمل لقب الفيتوري اختطف من مناطق أهله دار مساليت بغرب دارفور غربي السودان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتم بيعه في الساحل الليبي وكان عمره ستة عشر عاما، اشترته أسرة في مدينة زليتن الليبية التي كان محورها الشيخ العارف بالله عبد السلام الأسمر.

حاولت الأسرة الليبية استعباده لكنهم عدلوا عن ذلك حياء وخوفا من استعباد فتى يافع يحفظ القرآن الكريم، أسندوا إليه رعاية أطفالهم الصغار وتدريسهم القرآن الكريم وتحفيظه، فنشأ بينهم ثم زوجوه بعد سنوات قليلة فتاة كانت أيضا مختطفة مجلوبة من نفس مناطق المساليت في دارفور، عاش بينهم كفرد من الأسرة، أنجب ابنه (مفتاح) لينشأ مع أبناء الأسرة الليبية، ولما بلغ الابن مفتاح مبلغ الصبا وحفظ القرآن، بعث مع أترابه الليبيين إلى مصر للدراسة في الأزهر الشريف في عشر سنوات خلت من القرن العشرين.

تخرج مفتاح والد الشاعر محمد الفيتوري من الأزهر وعمل موظفا بهيئة الري المصري، وفتح له هذا مجالا للتطواف ما بين صعيد مصر ودلتا النيل، وخلال تواجده هناك تزوج (عزيزة علي سعيد)، وهي فتاة موزعة بين أصول شتى، أصل نوبي (سوداني- مصري) وأرومة عربية تمتد أصولها إلى ليبيا، ثم انتقل للعمل في الري المصري بالسودان، ملبيا رغبات والده ووالدته وحكاياتهم عن دار مساليت.

قرر السفر إلى أقاصي غرب السودان وزيارة دار مساليت موطن أجداده. وفي بواكير عام 1930 ولد الشاعر محمد الفيتوري بمدينة الجنينة غربي السودان، (حكى الشاعر قصة ولادته للإذاعة السودانية عام 1988 بقوله: ولدت بجنينة عاصمة دار مساليت عام 1930). وتكتب السيرة الذاتية في الوثائق الرسمية وبعض الكتابات أنه من مواليد عام 1936، لكن الصحيح هو عام 1930 كما روى بنفسه.

عاد والداه إلى مصر، واختارت الأسرة وطفلها الصغير العيش في مدينة الإسكندرية، وجاءت جدة الشاعر أم أبيه من مدينة زليتن للعيش مع ابنها وحفيدها في الإسكندرية. وقال لي الشاعر الفيتوري في لقاء معه عام 1996 بالفندق الكبير بطرابلس الليبية: (كل أشعاري الأفريقية وعن التحرر الأفريقي والعبودية استلهمتها من حكايات جدتي التي كانت ضحية الاختطاف من تجار الرقيق الأوروبيين الذين خطفوها ثم باعوها في الساحل الليبي).

تخرج في دار العلوم بمصر، ثم عاد للخرطوم، وعمل بالصحافة وترأس مجلة الإذاعة والتلفزيون، وأشعلت المشهد الشعري كله دواوينه الأفريقية الصاخبة، وتزوج النجمة المسرحية البارزة يومها آسيا عبد الماجد وأنجبت له ابنه تاج الدين رحمه الله الذي راح ضحية قصف المليشيا العشوائي على مدينة بحري عام 2023، وابنته (سولارا) وله عدة أبناء من زوجة فلسطينية يعيشون في ليبيا، ثم تزوج المغربية رجاء التي توفيت قبل أيام ولها منه ابنته أشرقت.

في أواخر أيامه منحته الحكومة السودانية جواز سفر دبلوماسيا لم يستخدمه قط؛ لأن رحلته إلى الدار الآخرة يوم 24 أبريل/نيسان 2015 لم تتطلب جواز سفر.

دفن الفيتوري في مقبرة سيدي مسعود حي الرياض بالمغرب بعد أن ناهز الخامسة والثمانين عاما بعد أن سكت عن الكلام لسنوات هي أيام مرضه، ووراءه تاريخ طويل وحافل ومجد يزول كالقمر ولا يزول.