محمد فال ولد سيدي ميله
لا شك أن الحديث عن موسوعية العلاّمة محمد الحسن ولد أحمدُ الخديم بات من الحشو بمكان، فلا أحد، في العالم الإسلامي، يجهل أنه ألّف أكثر من 85 كتابا تناول فيها علوم القرءان (كسقاية الظمآن)، والفقه (كمرام المجتدي)، والحديث (كالجامع المحرر)، والعقيدة (كبيان ما في إضاءة الدجنة)، والقضاء (كتحفة الحذاق)، والسيرة (كبُغية الأبرار)، والتصوف (كالفوائد الكفيلة بمعرفة الوسيلة)، واللغة (كهداية السعاة إلى معرفة النحاة)، وغيرها من المؤلفات النادرة والاستدراكات والنقلات والأمالي والحواشي والتقاريظ. لا شيء يمكن الحديث عنه في رقعة علم الفقيد، إذ لم تغادر ملكاتُه العلمية "من متردم"، وهمّ العلماء، من حوله، بالإتيان بفكرة علمية، ثيّبة كانت أم بكْر، فأعياهم، بأسرهم، كافتهم، جميعهم، طرا وقاطبة، "وجودُ المطلع" لأن العلامة صال وجال في العلوم الشرعية واللغوية بما لم يترك منفذا، مقبولا، يتسلل إليه غيره. لذلك،
عندما زارني أخي الإعلامي محمد محمود ولد بكار، بـ"منزلي" في تكنت، طالبا مني تقديمه لشيخي العلاّمة "حشّن"، قلت له، قبل أن نُيَمّم شطر بلدة التيسير المباركة: "اعلم بأننا، خلال دقائقنا المعدودة مع حضرة الشيخ الجليل، سنستفيد نتفا من كل علم، لكنه ثمة علم سنأخذ منه درسا مكتمل الأركان، لا وجود له، في عمقه وفلسفته ودلالاته، إلا عند هذا المرابط. إنه علم التواضع.. ذلك العلم الذي لم يتقنه عالم موريتاني مثلما أتقنه العلامة محمد الحسن، ولم يبثه عالم موريتاني مثلما بثه العلامة محمد الحسن، ولم يتشبث به، كطبع وجبلة وحقيقة، أي عالم موريتاني مثلما تشبث به العلامة محمد حسن".
وصلنا القرية الطاهرة، ودخلنا بيت العلامة صحبة صديقي، وعيبة سري، "أبو محمد" (أحد الأبناء البررة، العلماء، والحذاق الذين خلفوا الفقيد في علمه وكرمه وزهده ومروءته). كان جو البيت مفعما بالسكينة والوقار. نحس، بجوار الشيخ، بطمأنينة روحانية لا تصدق. غمرنا الشيخ بابتسامات لا متناهية، وقبل كل ابتسامة سؤال لطيف وكريم، وبعد كل ابتسامة جواب مفيد وودود. لم أكن ضيفا في التيسير ومع ساكني التيسير، لأنهم، بالنسبة لي، كانوا وما انفكوا وسيبقون "هم الأهل، لا مستودع السر ذائع/ لديهم ولا الجاني بما جرّ يخذل". عرّفتُ الشيخ بالضيف الكبير محمد محمود، فأرخى عليه سدولا من البشاشة لا مثيل له، وفاض عليه صيّباً من التهلل العديم النظير. كالَمَهُ، ومازحه، وأنعم إليه بأنواع المجاملات المؤسسة على الدين القويم والخلق النبيل مع ما يحمله وجهه الطاهر من بهاء العلم ووسامة المنبت وملاحة اللفظ. تمنينا لو بقينا مع الشيخ لساعات وساعات، غير أننا نعرف أن وقته، منذ صباه، موزع كله بين العبادة والتأليف والتعليم، وأنه علينا أن نغادر غير ندامى على تلك الزيارة الميمونة. هكذا ذكّرتُ الشيخ، عندما هممنا بالذهاب، بالكاف الشهير:
زايرْ بالصّحْ/ عالمْ لقْلِيمْ
حشّنْ ولْد أَحْــ/مَدُ الخديمْ
"تبسّم ضاحكاَ وثنى الوسادا" تحت ركبته، ومد يديه مبتهلا ومتضرعا، ودعا لنا بأجمل الأساليب وأبلغ العبارات. وقفنا متأهبين للخروج، فتفاجأ الضيف بأن العلاّمة، رغم مكانته الجليلة ورغم ضعفه البدني، وقف معنا ليودعنا. خرجنا بخطى وئيدة متأنية، فتفاجأ الضيف، مرة أخرى، بأن العلاّمة خرج معنا وسار بنا إلى خارج سور المنزل حافيّ القدمين، منتعلا الحصى المستعر، اللافح والملتهب.. وهناك ودّعنا، للمرة الثانية، وكله ثناء وسناء وبسمة وطلاقة وبِشر وافترار، ثم عاد إلى داخل بيته المنير الوضّاء. قلت لصديقي محمد محمود: هذا هو درس علم التواضع الذي حدثتك عنه قبل مقدمنا. لا عالم، ولا رئيس، ولا زعيم، ولا عين يضاهي تواضع شيخي العلاّمة محمد الحسن. إنه يتقن علم التواضع في مسلكياته، ويؤلّف فيه، يوميا، بأفعاله.
ولا أخال أحدا ينسى المضامين البعيدة والعظيمة لكون العلاّمة محمد الحسن لم يستقبل، طيلة حياته، رئيس دولة، ولم يقبل أبدا أن يجامل أو يبرر أو يروّج لنظام عبر تلفزة أو إذاعة أو على منبر. لذلك عاش فقيرا مثل أخيه الحلاج، ومات فقيرا مثل شيخه أبي ذر الغفاري: ثوب رث نظيف، وفراش بال نظيف، وغرفة متواضعة نظيفة، ومأكل قليل نظيف، وأفعال جليلة نظيفة، وأقوال رفيعة نظيفة، وأخيرا موت هادئ متواضع ونظيف، إذ أوصى شيخ الزهاد، العلاّمة المجدد، محمد الحسن ولد أحمدُ الخديم، أنه يدفن وحده، غير بعيد من محظرته، دون تشييع أو تجمهر أو مغالاة، ودون نِزال ومبارزات وتنافسات ومسرحيات في الإطراء والتعازي والوفود والإجلال.. رحم الله علاّمة كانت حياته كلها تواضعا وموته كله تواضعا، وأسكنه جنات الخلد مع الصدّيقين والشهداء، وإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى.
