محمد عبد الله البصيري
السلطات المكلفة بالعقارات أقدمت مرارًا على هدم بنايات شيدت أو كانت في مراحل الناء الأخيرة، بحجة تطبيق القانون إذ لا يملك أصحاب تلك البنايات وثائق تثبت ملكية الأرض. أما المواطنون فمنهم حسب علمي من يدّعي شراء الأرض ممن منحتها لهم الدولة، وإن لم يستظهروا بعدُ بوثائق لا مطعن فيها.
وفي تقديري، أن الكل مخطئ في بعض الجوانب؛ فالمواطن أخطأ حين خاطر بماله وجهده دون ضمان قانوني، فعرّض نفسَه للإفلاس وبنيانَه للخراب، والسلطات، وهي أهل للحكمة والمسؤولية واستشراف المخاطر على مواطنيها، أخطأت كذلك، إذ كان عليها أن تستبق الأحداث كي لا يتعرض المواطن لمثل هذه الأضرار الجسيمة بسبب عدم الوعي وغياب الحماية من كيد باعة الأوهام.
يقولون إن الهدم أيسر من البناء كما في المثل العربي، لكن سهولة الهدم لا تعني الكلفة القليلة على الدوام. فالجرافة التي أسقطت جدارًا في لحظة خاطفة أسقطت معه سنوات من التخطيط والتصميم وبذل المال وعرق الجبين وشيئا نفيسا من الثقة. لقد شاهدنا دموع رجال كانوا صُبُرا عند المحن لكن ضاعت أحلامهم وتبددت آمالهم إلى يوم يبعثون. وسمعنا نحيب العجائز غرر بهن أو باولياءهن يندبن شقيق النفس وآخر المدخرات. كما فوجئنا باقتحام الحسناوات ساحة الهدم دروعًا بشرية يحمين رجالهن من كتيبة التنفيذ المأمورة. ولريما انطبع في نفوس أطفال المتضررين وأطفالنا عموما، من أجيال الغد وبناة المستقبل، مشهد القسوة ومبعث الحقد على المنفذين ومن خلْفهم. أما وسائل التواصل الاجتماعي فقد ضجّت بالاستياء ممن ينفذ القانون والتضامن مع المخالفين بدافع إنساني وما اعتبره البعض فواتا لأوان تدخل السلطة لا يعدو أن يكون ظروفا مخففة.
في الحقيقة كان أولى بالسلطات أن تتفادى هذه الأضرار بما هو أيسر وأقل كلفة، كأن تُكَلِّف فرقَها المختصة بمراقبة المجال الحضري أو أحد المسؤولين في الإدارة الإقليمية بجولات أسبوعية لتوقيف الأشغال فور بدايتها، ومحاسبة المواطن المعتدي قبل أن يبذر ماله ويعرض نفسه للإفلاس.
لا شك أن الإصلاح ضروري لكن لا ينبغي أن يجر كل مرة ضررا جسيما. بل أرى أن على سلطاتنا حين تقرر إجراء إصلاحيا ان تكون مرنة حكيمة فتحاول أن تشرع الوضعيات السابقة التي يؤدي إصلاحها إلى فساد كبير وفق المثل الشعبي : "يبيح الشرع ما تهابه الرقبة "(أي المروءة وهي أخت الدين كما يقول الحسن البصري). بعد ذلك تقول السلطة لرعيتها : "عفا الله عما سلف" ، ومن الآن فصاعدا يطبق القانون على القوي والضعيف والغني والفقير والمتنفذ والمهمش، فلا يلومن مخالف إلا نفسه ولا عاصم للمخالف لا من قبل ولي نعمة ولا قبيلة ولا جهة ولا مال. ثم تقوم بجهد مكثف من التحسيس والتوعية مؤكدة أن لا عذر في جهل القانون وأنه لا يحل لمواطن أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم القانون فيه.
ولتُعلم السلطات الجميع أن احترام القانون لا يقتصر على المجال العقاري بل يشمل كل مناحي الحياة واحترام أملاك الدولة قاطبة من أرض ومال وعرض وعين وذمة ومسؤولية في مجال التسيير والاكتتاب والمواظبة على العمل ومنح الصفقات والوفاء في المعاملات واحترام حقوق الانسان والفصل بين السلطات، وقبول الفرد والمجتمع ومؤسسات الدولة بأن تنفذ عليهم الأحكام التي استكملت مراحل التقاضي، واتساع صدر كل المؤسسات الدستورية للتناوب السلمي على السلطة وغير ذلك.
ومثل هذه الأخطاء في مجال العقار تكرر خلال الأنظمة الحاكمة منذ زمن بعيد، وبما أن الإدارة استمرارية يتعين على السلطات الحالية التصحيح بغير ضرر كبير واستباق الأحداث والعزم على تفادي الارتجال ومثل هذه الأخطاء التي لا حصر لها في المجال العقاري. وسأقتصر على بعض منها في الحلقة القادمة والاخيرة خوف الاطالة.
يتواصل
