عبد العزيز اظمين
كان ذلك قبل أربعة عشر عاما من الآن ..
كنت مراهقا لم تعركه الحياة بعد.. تخرجت لتوي من المدرسة الوطنية للصحة العمومية بالعاصمة.. أحمل شهادة ممرض دولة وقبسا من أمل قبل أن أجد نفسي في سيارة رباعية الدفع تشق عباب العدم!
مئتا كيلومتر من مدينة "أطار" إلى مكان عملي الجديد ب"العين الصفرة".. مسيرة يوم كامل عبر طريق لا ظل فيه لشجر ولا أثر لبشر.. فقط صمت مطبق يبتلع صرخات المحرك..
ومع خيوط الفجر تراءى لي مقري الجديد كان بناء إسمنتيا وحيدا وغريبا عن المكان.. سجن انفرادي شيد في خاصرة الصحراء ونسي هناك..
كانت القرية حوله عبارة عن أعرشة واهنة و"أخيالاتْ" من اأقمشة بالية تتطاير مع رياح الشتاء العاتية..
سلموني المفاتيح مع أكياس "ابلينبينتْ" ورحلوا..
تركوني وجها لوجه أمام مسؤولية أكبر من عمري بكثير..
أمام النقطية الصحية حشد من النساء والأطفال والمسنين يتكئون على بقايا عمر من الصبر ينتظرون "طبيبهم" الجديد!
سلمت عليهم على عجل.. فاستقبلتني أمواج من الترحيب الممزوج بالشكوى المريرة.. حكايات عن آلام مزمنة وعن ليال طوال قضوها في انتظار طبيب وعن أوجاع استوطنت أجسادهم.. كان كل واحد منهم يريد أن يفرغ ما في جعبته مرة واحدة..
صافحت الأيدي الخشنة بهدوء والارتباك ينهشني.. كنت أسمع عبارات الترحيب الحارة التي تخفي خلفها غضبا على الدولة ومن يمثلها..
أهلا بك يا ولدي لقد طال انتظارنا.. العين الصفرة كادت تموت من الوجع" قالها شيخ القرية الوقور!
كانت الأصوات تتداخل والوجوه تقترب.. حبست أنفاسي وحاولت أن أرسم ابتسامة واثقة لا تعكس حقيقة الرعب الذي يسكنني وقلت بصوت حاولت جادا أن يكون رزينا.. حسنا.. حسنا لا تقلقوا سيكون كل شيء على ما يرام بإذن الله..
قلتها وأنا لا أدري كيف سيكون كل شيء على ما يرام في مكان لا اتصال فيه ولا انترنت ولا سيارة اسعاف بل ولا حتى سيارة عادية لنقل الحالات المستعصية.. وأنا لم أختبر المسؤولية بعد!
فتحت الباب ودخلت إلى "المغارة" بينما بقيت نظرات القوم معلقة بالنافذة تنتظر خلفي بصيص الأمل الذي وعدتهم به..
طبقات من التراب المتراكم وخيوط عنكبوت تنسج حكايات عن هجر طويل.. فقد علمت لاحقا أن من سبقني من الزملاء لم يطيقوا صبرا فرحلوا كما جاؤوا.. حتى لقب أحدهم ب"ماني باكي" لشدة رفضه البقاء في هذا المنفى..
رفوف متهالكة تحمل زجاجات وقنينات مصفوفة بعشوائية وعلب "كاوتشو" تختزن أقراصا وحقنا غزاها الزمن.. لكن الصدمة الحقيقية كانت في تلك الكلمات الغريبة التي غطت أغلب العبوات.. كانت اللغة الإسبانية.. اللغة المهيمنة على معظم الادوية ومكتوب عليها gratuit بخط أحمر لا يغيب عن ذاكرتي ..
كانت هدايا ومنحا من منظمات غير حكومية قذفت بها الأقدار من ضفاف الأطلسي لتنتهي هنا في "العين الصفرة"..
لم أجرؤ على فحص تواريخ الصلاحية بدقة خشية أن أجد نفسي بلا سلاح أمام وجوه أنهكها الشتاء وشقق جلودها الصقيع ينتظرون من "طبيبهم" الجديد معجزة لا يملك أدواتها ولا خبرتها..
كانت تلك الأدوية بكل ما يحيط بها من شكوك هي كل ما أملك.. فلا املك انترنت للبحث في كوكل ولا اتصال عادي للاستعانة بصديق فالوسيلة الوحيدة للاتصال كانت عبارة عن جهاز راديو للاتصال اللاسلكي القديم يترصد الترددات التائهة وغالبا ما يرتد إليك صدى صوتك دون مجيب..
وسط هذا الركام كان العزاء الوحيد هو علب "الأموكسيسيلين" جيدة التاريخ.. ذلك الترياق السحري الذي كنت استخدمه لكل الأمراض على الأقل كنت أحفظ جرعاته بقرب عهدي بمقاعد الدراسة والتدريب..
وبينما كنت أحاول استيعاب مايحدث دفع الباب ودخلت امرأة تحمل طفلا انطفأت عيناه بفعل رمد شديد لتضعني أمام أول اختبار حقيقي!
ربما أكمل بقية القصة وقصص أخرى لاحقا..

