إثيوبيا وإريتريا.. ألغام التاريخ وسطوة الجغرافيا

إثيوبيا وإريتريا.. ألغام التاريخ وسطوة الجغرافيا

جندي إثيوبي في أحد مواقع المراقبة المطلة على المنطقة الأمنية في تيغراي (Photo credit should read MARCO LONGARI/AFP via Getty Images)

عبد الله ولد سيديا:

لم يكد سكان تيغراي يلتقطون أنفاسهم حتى عاد شبح القتال يخيّم على شمال إثيوبيا، مهددًا بعبور الحدود نحو إريتريا. فالجاران اللذان تصالحا قبل ثمانية أعوام، ثم قاتلا معًا، يتبادلان اليوم اتهامات التدخل والعدوان. وبين تحركات الجيوش وحسابات الموانئ، يتشابك إرث المواجهات مع طموح إثيوبي إلى البحر الأحمر، وتنافس خارجي يمنح كل خطوة محلية أصداء إقليمية خطرة.

في الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر، نقلت "رويترز" عن مصادر وصول قوات إثيوبية إلى زالامبسا الحدودية، بعد تقدمها شمالًا أمام مقاتلي تيغراي. وسبقت ذلك شهادات عن عبور قوات إريترية إلى المنطقة، نفتها أسمرة. وفي السادس عشر من الشهر ذاته، أعلن آبي أحمد تشكيل إدارة مؤقتة لتيغراي، تمهد لانتخابات خلال ستة أشهر، بينما بقيت احتمالات اتساع القتال مفتوحة.

تيغراي.. ساحة تتبدل فيها التحالفات

بدأت الجولة الجديدة من القتال في أيلول/سبتمبر الماضي، مع هجوم لتحالف تقوده الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ضد الحكومة الاتحادية. وأعاد التصعيد اختبار اتفاق بريتوريا، الموقع في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، والذي أوقف حربًا مدمرة استمرت عامين، لكنه لم يحسم جميع نزاعات السلطة والأرض والأمن.

المفارقة أن الجيش الإريتري حارب إلى جانب القوات الإثيوبية ضد الجبهة خلال الحرب السابقة. غير أن العدو المشترك لم يصنع مصالح دائمة. فقد استُبعدت أسمرة من اتفاق بريتوريا، وبدأت حساباتها تتباعد عن حسابات أديس أبابا، بينما رأت الأخيرة في سياساتها الشمالية مصدر تهديد متجدد.

وراء التوتر الراهن تاريخ لم تطوه المصالحات. استقلت إريتريا عام 1993، بعد كفاح طويل، وفقدت إثيوبيا ساحلها. ثم انفجرت الحرب بين البلدين في أيار/مايو 1998 حول مناطق حدودية، أبرزها بادمي، واتسعت لتزهق عشرات الآلاف من الأرواح وتشرّد أعدادًا كبيرة من المدنيين

تتهم أديس أبابا جارتها بمساندة خصومها والتوغل داخل أراضيها، وترد أسمرة بأن هذه الاتهامات تمهد لعدوان يستهدف سيادتها. ووصل التدهور إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مطلع الشهر الجاري. ولا تسمح صعوبة التحقق الميداني بتحويل رواية أي طرف إلى حقيقة مكتملة، لكنها لا تلغي خطورة اقتراب قوات متخاصمة من خطوط تماس قابلة للاشتعال.

بهذا المعنى، يتجاوز الإقليم كونه ساحة تمرد داخلي؛ ففيه تتقاطع مخاوف النظام الإثيوبي من التفكك، وهواجس الحكم الإريتري من جار أكبر يعيد تعريف أمنه. وكل تقدم عسكري يمكن أن يُقرأ لدى الطرف المقابل استعدادًا لحرب، حتى حين يقدمه أصحابه باعتباره عملية داخلية.

مصافحات فوق جمر قديم

وراء التوتر الراهن تاريخ لم تطوه المصالحات. استقلت إريتريا عام 1993، بعد كفاح طويل، وفقدت إثيوبيا ساحلها. ثم انفجرت الحرب بين البلدين في أيار/مايو 1998 حول مناطق حدودية، أبرزها بادمي، واتسعت لتزهق عشرات الآلاف من الأرواح وتشرّد أعدادًا كبيرة من المدنيين.

أنهى اتفاق الجزائر، في كانون الأول/ديسمبر 2000، الأعمال العدائية، وأنشأ لجنة لترسيم الحدود. وأصدرت اللجنة قرارها عام 2002، غير أن تعثر تنفيذه أطال القطيعة، وأبقى المعابر مغلقة والتسوية معلقة. وحين تقارب آبي أحمد وأسياس أفورقي عام 2018، بدا أن المنطقة تخرج أخيرًا من أسر تلك الحرب.

إلا أن المصالحة اعتمدت بدرجة كبيرة على تفاهم القيادتين، ولم تتحول إلى منظومة راسخة تمنع تبدل التحالفات. ومع اشتعال تيغراي مجددًا، عاد سؤال قديم: هل يستطيع الجاران الفصل بين خلافاتهما الأمنية والاعتراف المتبادل بالسيادة، أم تتحول الحدود كل مرة إلى جبهة لتصفية النزاعات الداخلية؟

عصب.. بحر تضيق به اليابسة

تقول إثيوبيا إن الوصول إلى البحر ضرورة اقتصادية واستراتيجية، وتؤكد أنها تسعى إليه بالحوار. وتستند حاجتها إلى واقع ضاغط؛ فبحسب تقديرات البنك الدولي لعام 2023، يمر أكثر من 95 % من حجم تجارتها الخارجية عبر ممر أديس أبابا وجيبوتي. وهذا الاعتماد الكبير يجعل تنويع المنافذ مصلحة مفهومة، تستحق البحث عن حلول مستدامة.

لكن الفارق حاسم بين تأمين خدمات ميناء باتفاق تجاري والحصول على منفذ سيادي داخل دولة أخرى. فميناء عصب، القريب من الحدود الإثيوبية، يقع داخل إريتريا، ولا تمنح الضرورات الاقتصادية صاحبتها حق تغيير الحدود. وعندما يُصاغ المطلب بلغة المصير الوطني، تقرؤه أسمرة تهديدًا لاستقلالها.

المشكلة، إذن، ليست في التجارة البحرية ذاتها، وإنما في جعلها اختبارًا للقوة والمكانة. تستطيع ترتيبات العبور والاستثمار أن تنتج مصالح مشتركة، بينما تجعل المطالب السيادية أي تسوية تبدو تنازلًا وجوديًا. وعند هذه النقطة يسهل أن يصبح الميناء، الذي يفترض أن يصل الاقتصاد بالعالم، سببًا لعزل المنطقة بحرب جديدة.

إسرائيل.. نفوذ يعبر خطوط الخصومة

تحضر إسرائيل في هذه الخريطة بعلاقات مع إريتريا وإثيوبيا معًا. وقد نشرت "سودان تريبيون" عام 2012 تقريرًا، نقلًا عن مؤسسة "ستراتفور"، بشأن تسهيلات استخبارية وبحرية إسرائيلية في إريتريا لمراقبة البحر الأحمر والنشاط الإيراني. وتبقى تلك المعلومات منسوبة إلى مصدرها، دون أن تثبت طبيعة انتشار عسكري قائم اليوم.

أما الموقف المعلن حديثًا، فجاء على لسان السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نيغوسي، وفقما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية في العاشر من أيلول/سبتمبر 2026، مؤكدًا دعم بلاده مسعى إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر. ويكشف هذا التصريح أن الصلات بأسمرة لا تعني اصطفافًا ثابتًا ضد أديس أبابا.

يمكن لهذا التداخل، تحليليًا، أن يزيد ارتياب الجيران، وأن يشجع توظيف العلاقات الخارجية لتحسين شروط التفاوض. لكن الجزم بأن إسرائيل تدير التصعيد أو تشعل الحرب يتجاوز الأدلة المتاحة. ومن هذا المنظور، يمنح أمن الملاحة والتنافس الدولي الموانئ وزنًا إضافيًا، ويدخلان حسابات خارجية على نزاع تضرب أسبابه عميقًا في الداخل.

لا تتحمل المنطقة مغامرة جديدة تُضاف إلى حرب السودان واضطراب الصومال وأزمة الملاحة. لذلك تبدو الوساطة الأفريقية مطالبة بتجاوز الدعوات للتهدئة، نحو قنوات اتصال عسكرية، وتحقق مستقل من التحركات الحدودية، وتفاوض اقتصادي منفصل عن خرائط السيادة

من يطفئ فتيل المواجهة؟

لن يكفي تغيير الإدارة في تيغراي أو استعادة مدينة لوقف دورة الصراع. فالمدنيون المنهكون يحتاجون إلى إغاثة وخدمات وعودة آمنة إلى بيوتهم، وإلى تسوية سياسية تمنع تحولهم مجددًا إلى وقود لمعارك متداخلة. وتحتاج العاصمتان، بدورهما، إلى ضمانات متبادلة لوقف مساندة الجماعات المسلحة وصون السيادة. فأي اتفاق لا يطمئن الناس إلى مستقبلهم يظل هدنة مؤقتة، تنتظر أزمة أخرى كي تنهار.

ولا تتحمل المنطقة مغامرة جديدة تُضاف إلى حرب السودان واضطراب الصومال وأزمة الملاحة. لذلك تبدو الوساطة الأفريقية مطالبة بتجاوز الدعوات للتهدئة، نحو قنوات اتصال عسكرية، وتحقق مستقل من التحركات الحدودية، وتفاوض اقتصادي منفصل عن خرائط السيادة. فغياب المعلومات الموثوقة يسمح للشائعات بأن تسبق الدبلوماسية، ويمنح المتشددين فرصة تصوير كل تراجع تكتيكي خيانة، وكل تنازل تفاوضي هزيمة، فيما تتقلص المساحة المتاحة للسياسيين كي يتراجعوا عن حافة المواجهة دون خسارة صورتهم أمام جمهورهم.

مخرج الأزمة يبدأ بتمييز مصلحة إثيوبيا في ترتيبات بحرية تفاوضية عن أي ادعاء بملكية الساحل الإريتري، وبفصل أمن إريتريا عن التدخل في النزاعات الإثيوبية. أما خلط الملفات، فقد يحوّل حلم الميناء إلى كابوس مشترك: إثيوبيا تبحث عن طريق إلى العالم، وإريتريا تستنفر لحماية استقلالها، وبينهما سكان يعرفون أن أول ما تغلقه الحروب هو أبواب بيوتهم.

 

المصدر: هناhttps://www.ultrasawt.com/%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A5%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A3%D9%84%D8%BA%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A7/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%88%D9%84%D8%AF-%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A7/%D9%82%D9%88%D9%84?utm_source=ultrasawt.com&utm_medium=edgs.co&fbclid=IwY2xjawVBwcJleHRuA2FlbQIxMQBwZG9mBXNydGMGYXBwX2lkEDIyMjAzOTE3ODgyMDA4OTIAAR4fETbuWtB7UWPGdlvLgUgo9pKAvnG2gFQOJQViylOAPwKcM6nlie8VDmpDyA_aem_Eo-azfiJzz1JjjsWU8sW9g