زين العابدين ابراهيم اجريفين
عام 1987 كان معهد العلوم العربية والإسلامية فى موريتانيا المعروف بالمعهد السعودي قد تنقل من مقره قرب سينما الفتح سابقا غير بعيد الى بناية ول تاج الدين حاليا المجاورة لدار الشباب الجديدة قرب مسجد المغرب، وكنا نتقاضى مكافأة شهرية قدرها 5800 غير عزيزية بالطبع تأخر دفعها طيلة ذلك العام .. يزورنا من وقت لآخر وفد من الأفغان ايام اوج اشتعال الحرب الروسية فى افغانستان، ومما لا تفارقني ذكراه ان هذا الوفد كان يزورنا قبل قطع المكافأة فنطبق - سيما آحاد ينحدرون من قرى سمعت خبرهم اليوم - قول القائل :
يجود علينا الخيرون بمالهم @ ونحن بمال الخيرين نجود
من بينهم من كان يجود بكل مبلغ المكافأة دعما للأفغان وعند الأستاذ اميي المان والعلامة محفوظ ولد الوالد والأستاذ سيدي محمد احمد حرمة والعمدة عبد الباقي ولد محمد وغيرهم من اهل القرى الفاضلة الخبر اليقين .
أذكر - أيضا - ان بلاغا لجمعية غرناطه للثقافة والفنون شنف الآذان عن أمسية شعرية دعي اليها الظاهرة الخالد الدكتور جمال ولد الحسن وكبار رموز الثقافة والأدب دعما لاندلاع ثورة الحجارة فعجت مقاعد دار الشباب الجديدة بالحضور وبقي اكثر من سعتها خارج القاعة لم يجدوا مقاعد يستمعون فقط..
حضرت عصرا بجهاز تسجيل " صانيو " اهدته الي اختي حفظها الله خديجة إبراهيم اجريفين قبل تخرجها وسفرها للعمل فى انواذيبو .. وبقيت احتفظ بمكاني قرب منصة الإلقاء حتى الساعة الثامنة ليلا موعد بدء الأمسية.
كان الدكتور محمد الامين ولد الناتي على الربط، فافتتح الأمسية واحال الميكرفون الى الدكتور ازيد بيه ولد محمد محمود للتقديم واذكر أن تقديمه كان بمثابة غنائية نثرية ملهبة للمشاعر خيل الينا ان صاحبها يطلق الصواريخ المدمرة تجاه العدو من شدة حماستها ثم تتالى الشعراء المنعشون فى طليعتهم الدكتور والاعلامي البارز ابراهيم ولد عبد الله فى قصيدته النثرية " الطير الأبابيل " التى اذكر انها أول ما بدأت اتذوق من الشعر المنثور أو النثر الفني عند البعض:
فى ظلمة ليلنا العربي
فى عتمة الظلمات
تشق حجارة لنا الطريق
فى عزي الشخير
فى نومتي الثانية
فى تلاشينا
فى الاندثار..
تنحتنا حجاره
تصور شكلنا الأول ترسم طولنا
ترسم العرض
وتحيلنا حجاره
اهلنا هناك
بعيدا فى الذكرة
تواردت اخباركم
وسمعنا ان المدافع حرحتها حجاره
وان المجد حجارة
وان الارادة حجارة
وان قنابل الدنيا:
لا تساوي حجاره
******
يا طيرنا الأبابيل
يا ماء وجهنا الاصيل
حجارتكم من سجيل
وهذا العام : عام الفيل
فليبدأ عصر الحجاره
****
الى ان يقول مختتما:
اشعاري
ودمي
وهي كل الرصيف:
اضعها فى كفة
وفى الأخرى:
اضع نصف حجارة .
تلاه الشاعر الدكتور محمد ولد عبدي رحمه الله برائعة حرة اذكر ان عنوانها جعل الحضور فى طليعتهم الدكتور جمال رحمه الله يضحك حتى بدت النواجذ..
اتدرون: ما العنوان؟
انه: " فتوى ختان ذبابة قبل الفطام "
أذكر ان مرجعنا فى فك رموز القصائد الحرة - ونحن فتيان لما يكمل احدنا عامه السابع عشر - كان الشاعر المجيد الحدث آنذاك عبد الباقي ولد محمد اخطيره وحين نلح عليه طالبين محاولة تفكيك رموز تلك القصيدة يقول لنا بلغة الأحداث: " انا لا اتذكر شيئا عن ختاني فكيف بختان الذباب قبل الفطام؟! " هههههه .
ثم تلاهما: الشاعر الفذ متنبي الغرب: ناجي محمد الامام بقصيدة فاجأنا واضحكنا طول عنوانها وان بنسبة أقل من السابقة :
" قراءة فى سجلات السجيل وموت جالوت وفتنة ابي مسلم الخراساني وأشياء اخرى مألوفة " .
وأخيرا أفسح المجال لأصحاب المداخلات الشعرية من الطلاب..
كان أخي وصديقي العلامة الشاعر: محفوظ ولد الوالد يجلس الى جانبي ونظرا لطول غيابه عن حجرة الدرس بالمعهد الذى يرافقه التفوق الدراسي كنت احسده حسد غبطة، وامطرته بأسئلة عن سبب غيابه الطويل الذى لم يجعل ادارة المعهد تفصله حيث كانت قوانين الدراسة بالمعهد تفصل الطالب الذى يغيب لمدة 10 ايام دون مبرر؟!
رغم انه كان يجيبني بكل ادب وحصافة ويسألني عن الطوارئ بعده ويستمع الى اجاباتي كان قد أخرج من حقيبته ورقة وامسك القلم وبدأ يكتب شيئا ما لم اعرف كنهه إلا حين نادى الدكتور محمد الامين ولد الناتي باسمه كأول الشعراء الشباب تاليا رائعته من بحر الخفيف: " حبر ودم " :
آن للدمِّ أن يكون مدادا @ سقط الحبر واستحال رمادا
الى ان يقول :
لغة النار والدماء خطاب @ يفهم الكل ماعنى وأرادا
فالخطابات والشعارات ماتت @ فى شفاه الجبان يخشى الجلادا .
حتى الدكتور جمال عليه رحمة الله لم تخف قسمات وجهه وتفاعله مع القصيدة انشاء وانشادا اعجابه بالفتى وقد جعل القاعة تضج بالتصفيق والتفاعل اكثر مما كانت مع من سبقه من عمالقة الشعر والأدب والهب المشاعر واستنهض الهمم بقصيدة نارية إنشاء وانشادا شبه مرتجلة.
حين تنقل المعهد الى مقره المجاور للمستشفى الوطني أذكر اني رأيته مرة واحدة فى العام الدراسي الموالي ؛ لعل الفضول قاده حضور درس من مادة الأصول على ما اتذكر ليجده اختبارا كان قد وعدنا به الأستاذ فى ذلك اليوم وبتأن واريحية فكرية اجاب عن اسئلة الإختبار ليحصد الدرجة كاملة ويتفل على رؤوسنا جميعا حسب التعبير المحلي وكأنه هو من يواظب ونحن من يغيب ويتكاسل فتبارك الله احسن الخالقين ..
غاب ايضا وبعد أن تقادم عهدي به سألت عنه قريبا له صاحب دكان مجاور لنا فى السبخة ليخبرني انه التحق منذ اشهر بالمجاهدين الأفغان واصبح يتكلم ويخاطب بلغة النار كما كان يتمني ويتغنى ..
قلت فى نفسي " طاح امعيليم بعد "
آن لي ان اقنع نفسي بكوني لست قادرا على تقليد محفوظ..
كتبت هذه العجالة لأجيب الذى استفسر وعبس وبسر ثم أدبر واستكبر عن سؤال نصه " هوم إداب لحسن اينت كط رفدو السلاح ؟ ولو عاد لزدته من الشعر ابياتا وقصائد مرئية ومسموعة.
تحياتي.
