أسرار "البردة" التي ألهمت شعراء المديح النبوي لأكثر من ألف عام

أسرار "البردة" التي ألهمت شعراء المديح النبوي لأكثر من ألف عام

 

 

صدر الصورة،بوابة الأهرام

,أميمة الشاذلي

  • Role,بي بي سي عربي - القاهرة
  • Published

تخيل أن تستمع إلى أغنية مدتها أطول من أي أغنية لأم كلثوم!

هذا ليس ضرباً من الخيال؛ فهناك أغنية حديثة استثنائية تبلغ مدتها ساعة ونصف، من 160 بيتاً من الشعر العربي الفصيح، لا في الغَزَل أو حب الوطن، وإنما هي "أشهر نص في مدح النبي محمد" لـ"إمام المادحين" لا تزال حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي.

"من مجالس الإنشاد في مصر إلى حلقات الذكر في جنوب أفريقيا وإندونيسيا، ومن مخطوطات المكتبات العثمانية إلى تسجيلات المنشدين المعاصرين، ظل اسم البُردة حاضراً في الثقافة الإسلامية على نحو نادراً ما تحظى به قصيدة عربية أخرى".

بهذه الجملة، اففتح الدكتور صابر حسني، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى بمشيخة الأزهر، حديثه إلى بي بي سي، عن قصيدة كُتبت قبل أكثر من سبعة قرون، يعود مسماها في الأصل إلى قصة حدثت قبل أكثر من ألف عام في بين يدي النبي ذاته. فما هي؟

البردة الأولى

رجل عربي وحيد على جمله في صحراء شبه الجزيرة العربية عام 1930

صدر الصورة،Getty Images

تحكي كتب السيرة عن أحد أبرز شعراء الجاهلية وهو كعب بن زهير بن أبي سُلمى، الذي كان ينحدر من عائلة لم تغب عنها شمس الشعر رجالاً ونساء. وقد وُصِف أبوه بأنه "أشعَر أهل الجاهلية". وكان لشعر كعب وزن ثقيل في الحجاز يوازي وزن آلة الإعلام في يومنا هذا.

هذا الشاعر، كرّس قصائده لهجاء النبي محمد والتحريض ضد الإسلام والمسلمين، بحسب الروايات، إلى أن أهدر النبي محمد دمه، أي أباح قتله بعد فتح مكة.

فكتب إليه أخوه (بُجَير) يحثه على الذهاب إلى النبي محمد والاعتذار منه قائلاً "إنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً"، وإلا فعليه الهرب كما فعل من بقي من شعراء مكة ممن استخدموا شعرهم في التأليب ضد المسلمين.

عندها، يحكي المؤرخون أن كعباً قدم إلى النبي محمد، ووضع يده في يده وتحدث عن نفسه بصفة الغائب ليستشف رد فعله، فلما أعطاه الأمان، كشفَ هُويته وأنشد قصيدة من 60 بيتاً يلتمس فيها المعذرة.

نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُول الله أَوعدني

وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ

مَهْلاً هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاك نَافِلَةَ الـ

قُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ

لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ

أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الْأَقَاوِيلُ

وكان أشهر بيت في قصيدته اللامية (المختومة باللام) إلى يومنا هذا:

إنَّ الرَّسَولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ

مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ

ويحكي كُتّاب السيرة أن النبي محمد خلع على كعب بن زُهَير بُردته، أي ألبسه عباءته، فكانت هذه أول قصيدة مديح نبوي تُسمى "البردة" في تاريخ الإسلام.

قصة البردة الثانية

تمثال الإمام البوصيري في مدينة بني سويف مسقط رأسه

صدر الصورة،موقع صحيفة الأهرام

التعليق على الصورة،تمثال الإمام البوصيري في مدينة بني سويف مسقط رأسه

تخطى البودكاست وواصل القراءة

يستحق الانتباه

يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

عاد اسم البردة يتردد من جديد على ألسنة العامة والخاصة، كما تعود العنقاء للحياة من رمادها، وذلك بعد وفاة ابن زهير بنحو ستة قرون هجرية لم تخلُ من نظم العديد من شعراء المسلمين قصائد في المدح النبوي.

غير أن البردة الثانية ارتبط نظمها بمحنة تختلف عن محنة الشاعر الحجازي الذي كان يخشى على عنقه أن يذوق حد السيف.

فناظمها المصري الذي ولد في بلدة بوصير بمحافظة بني سويف جنوب القاهرة، عرف الجزع طريقه إلى روحه بعد أن أصيب جسده بالفالج أو الشلل السُّفلِي الذي أقعده وأفقده الحركة، بحسب الروايات التراثية الشائعة.

عندها، نظم محمد بن سعيد البوصيري قصيدة من 160 بيتاً في مدح النبي محمد، متوسلًا إلى الله بجاه النبي محمد، ثم نام فرأى النبي في منامه، فأنشد أمامه قصيدة على نهج بردة كعب بن زهير، إلا أنه جعل قافيتها بحرف الميم المكسور عوضاً عن بردة ابن زهير الدالية، ومطلعها:

أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ

مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

ومن أشهر أبياتها:

مولاي صل وسلم دائماً أبدا

على حبيبك خير الخلقِ كلهمِ

مُحَمَّدٌ سَيِّدُّ الْكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْـ

ـنِ وَالْفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ

هُوَ الْحَبِيبُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ

لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الْأَهْوَالِ مُقْتَحَمِ

فمبلغُ العلمِ فيه أنه بشرٌ

وأنه خيرُ خَلْق اللهِ كلّهِمِ

ويقول البوصيري إن النبي مسح على جسده في ذلك المنام، ليستيقظ المداح وقد بَرَأ من سقمه، فسُميت قصيدته البُرأة. وورد في بعض الروايات أن النبي محمد خلع عليه بردته في المنام فسُميت قصيدته البُردة، لتكون البردة الثانية في تاريخ الإسلام، في اسم لم يطلقه عليها ناظمها.

وبحسب معتقدات المسلمين، فإن رؤية النبي محمد في المنام لا يمكن تفسيرها على أنها مجرد حلم عابر لإنسان تحن إليه، بل هي رؤيا صادقة لا تختلف عن رؤية النبي محمد في حياته.

ومن هنا، اكتسبت القصيدة التي سماها البوصيري "الكواكبُ الدُرّية في مدح خير البريّة" شهرة تختلف عن غيرها من قصائد المديح النبوي العديدة التي نظمها شاعر العصر المملوكي، لتجوب قصيدته أرجاء العالم.

مخطوطة لقصيدة بردة البوصيري نقشت على ورق ذهبي بزخرفات زرقاء اللون

صدر الصورة،www.meisterdrucke.uk

ويرى الدكتور حسني أن هذه الرواية "ربما أسهمت بقدر كبير في انتقال البردة من كونها قصيدة مديح، إلى نص ذي وظيفة تعبدية ووجدانية عند كثيرٍ من المسلمين".

وأضاف أن دراسات أكاديمية معاصرة أوردت هذه الرواية على أنها جزء أساسي من الجانب الروحاني لهذه القصيدة، حيث رُبط بين رؤية البوصيري للنبي في المنام، وبين المكانة العلاجية والروحية التي نسبها كثير من المسلمين إلى تلاوة القصيدة لاحقاً.

وأوضح أن بعض الدراسات أشارت إلى أن المكانة المنسوبة إلى البردة بلغت في العصر العثماني حد نقش أبيات منها في الأماكن المرتبطة بحفظ الآثار النبوية في قصر طوب قابي، وربطت بعض التقاليد الشعبية والصوفية قراءتها بالحماية والشفاء والبركة.

وبهذا، تجاوزت شهرة القصيدة حدود العالم العربي، وحظيت بردة البوصيري بترجمات مبكرة إلى لغات عدة منها الملاوية والعثمانية والفارسية، ثم ظهرت لاحقاً ترجمات إلى لغات أوروبية وآسيوية وأفريقية متعددة.

وعلق خريج كلية الدعوة الإسلامية بالأزهر لبي بي سي قائلاً: "وهكذا لم تعد البردة مجرد أثر من آثار الشعر المملوكي، بل صارت نصاً عابراً للغات والثقافات".

لعبة شعرية بوصيرية

مخطوطة عربية لبردة البوصيري على ورقة تتألف من سبعة أسطر، مكتوبة بخطوط الثلث والنسخ والمحقق، ثلاثة أسطر بخط الثلث الأسود الكبير، وأربعة أسطر بخط النسخ الأسود، محاطة بإطار ذهبي وأخضر وأزرق.

صدر الصورة،www.orientalartauctions.com

التعليق على الصورة،مخطوطة عربية لبردة البوصيري مكتوبة بخطوط الثلث والنسخ والمحقق

لم يكتف الشعراء بمحاكاة قصيدة البوصيري التي انتشرت انتشاراً واسعاً، بل "دخلوا معها في لعبة شعرية معقدة"، تعرف بـ"التخميس" و"التسبيع" بحسب الدكتور صابر حسني.

ويشرح الدكتور حسني لبي بي سي التخميس بأن يأخذ الشاعر بيتاً من البردة، فيضيف إليه ثلاثة أشطر من نظمه، (والشطر نصف البيت الشعري)، ثم يُلحق بها شطري بيت البوصيري، فيصبح المقطع خمسة أشطر، مع المحافظة على الوزن والترابط الدلالي والقافية المطلوبة. والتسبيع على هذا النحو.

وأضاف أن دار الإفتاء المصرية نقلت عن الحافظ السخاوي أن جمال الدين الكرماني جمع في القرن التاسع الهجري من تخاميس البردة ما يزيد على ستين قصيدة كتُبت بطريقة التخميس.

ومن أشهر ما بقي من هذا التراث، تخميس ابن حجة الحموي. أما تسبيعات البردة، فمنها "تفريج الشدة في تسبيع البردة" المنسوب إلى القاضي ناصر الدين البيضاوي، وتسبيع لمحمد بن علي نيازي المصري.

وهناك تخميسة لافتة للأنظار نظمتها الأديبة المتصوفة عائشة الباعونية، التي تعود جذورها إلى الأردن، وهي دمشقية المولد والنشأة والوفاة. ولربما تكون هذه هي القصيدة الوحيدة لشاعرة استوحت أبياتها من بردة البوصيري، في مضمار لم يخض فيه سوى الرجال.

ونُقِل عن الباعونية أنها نظمت تخميستين، إحداهما سُرقت خلال سفرها، ففتح الله عليها خلال إقامتها في مدينة بلبيس بمصر، بتخميسة ثانية جاء فيها:

يا قِبلةَ القلبِ مني في تقلُّبِه

يا سرَّ وَصلَتِهِ فضلاً لمطلبِهِ

يا نعمَ غوثٍ لهُ في ضيقِ مذهبِهِ

"يا أكرمَ الرُسلِ ما لي من ألوذ بهِ

سواك عندَ حلولِ الحادثِ العَمِمِ"

ويقول عضو مشيخة الأزهر إن جامعة أم القرى بمكة تحتفظ بمخطوط بعنوان "تسبيع قصيدة البردة" منسوب إلى محمد بن الوفاء جمال الدين، في القرن الحادي عشر الهجري، "وهو شاهد آخر على اتساع هذه الظاهرة الشعرية"، بحسبه.

البارودي وشوقي والجعفري على نهج البردة

الشاعر المصري محمود سامي البارودي

صدر الصورة،ويكيبيديا

التعليق على الصورة،كان وزير الحربية والشاعر المصري محمود سامي البارودي أحد أبرز من نظموا قصيدة مطولة على نهج البردة

في أوائل العصر الحديث، قرر وزير الحربية المصري محمود سامي البارودي، الذي كان رائد مدرسة الإحياء والبعث الشعرية، أن يقدم قصيدة جديدة يحاكى بها قصيدة البوصيري بنفس الوزن والقافية والمعاني، فيما يُسمى في عالم الشعر بـ"المعارضة".

ولربما يكون البارودي صاحب أطول قصيدة على نهج البردة حتى وقت قريب، بعنوان (كشف الغُمّة في مدح سيد الأمة)، حيث نظمها في 447 بيتاً سرد فيها السيرة النبوية مستوحياً الأحداث مما ذُكر في سيرة "ابن هشام" المؤرخ البصري في القرنين الثاني والثالث الهجري.

وكان مطلعها:

يا رَائِدَ البَرقِ يَمّمِ دارَةَ العَلَمِ

وَاحدُ الغَمامَ إِلى حَيٍّ بِذِي سَلَمِ

ومما جاء فيها في مدح النبي محمد قوله:

محمد خاتم الرسْلِ الذي خضعتْ

له البريّةُ من عُربٍ ومن عَجمِ

نُورٌ تَنَقَّلَ في الأَكوانِ ساطِعُهُ

تَنَقُّلَ البَدرِ مِن صُلبٍ إِلى رَحِمِ

حَتّى اِستَقَرَّ بِعَبدِ اللَهِ فَاِنبَلَجَت

أَنوارُ غُرَّتِهِ كَالبَدرِ في البُهُمِ

ومع ذلك، لم تحظ قصيدة البارودي الذي لُقب بـ"رب السيف والقلم"، بشهرة قصيدة شوقي التي جاءت بعده بسنوات قليلة، والتي كتبها في أحد مواسم الحج.

المغنية المصرية أم كلثوم تُحيي حفلاً على مسرح أولمبيا في باريس في 16 نوفمبر 1967. رحلت أم كلثوم في فبراير 1975

صدر الصورة،AFP via Getty Images

التعليق على الصورة،غنت أم كلثوم قصيدة "نهج البردة" لأحمد شوقي من ألحان رياض السنباطي

وقد اختار شوقي افتتاح القصيدة بالغزَل، كما فعل كعب بن زهير، إلا أنه جعلها ميمية كقصيدة البوصيري، فجاء مطلع القصيدة:

ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ

أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ

قبل أن ينتقل عبر 190 بيتاً إلى مدح النبي قائلاً في أشهر ما حُفظ عنه:

لَزِمتُ بابَ أَميرِ الأَنبِياءِ وَمَن

يُمسِك بِمِفتاحِ بابِ اللَهِ يَغتَنِمِ

مُحَمَّدٌ صَفوَةُ الباري وَرَحمَتُهُ

وَبُغيَةُ اللَهِ مِن خَلقٍ وَمِن نَسَمِ

يا أحمدَ الخيرِ لي جاهٌ بتسميتي

وكيف لا يتسامَى بالرسول سَمِي؟!

وقد انتقت منها أم كلثوم بعض الأبيات لتغنيها تحت عنوان "نهج البردة" بألحان الموسيقار رياض السنباطي، بمناسبة موسم الحج في أربعينيات القرن الماضي.

وهناك قصيدة ثالثة نُسجت على منوال بردة البوصيري، ما زالت تتردد على ألسنة المنشدين لاسيما في عالم التصوف، نظمها الشيخ صالح الجعفري، إمام الجامع الأزهر، ومؤسس الطريقة الجعفرية الصوفية.

صورة للشيخ صالح الجعفري
التعليق على الصورة،الشيخ صالح الجعفري

لم يقتصر الجعفري على ذكر النبي محمد، وإنما سخّر حروفه لمدح أهل بيته، في قصيدة عنوانها (البردة الحَسَنية الحُسينية في مدح آل خير البرية) التي يقول إنه نظمها "بأمر من سيدنا ومولانا الإمام الحسين" في إشارة إلى رؤيا رآها حين كان في مدينة دُنقلا في السودان.

وبخلاف القصائد السابقة، اختار الجعفري افتتاح القصيدة بالصلاة على النبي مباشرة، ببيت يحاكي أشهر أبيات بردة البوصيري، قائلاً:

يا رب صلّ وسلم دائماً أبدا

على النبي وأهلِ البيت كلهِمِ

أمِنْ تذكرِ أهلِ البيتِ والحرمِ

بكيتَ دمعاً علي الخديْن كــالدِيَمِ

أم حنّت الروحُ للأحبابِ طالبةً

أهلَ الكمالِ لكي تحظى بقربِهِمِ

غلاف "البردة الحسنية الحسينية في مدح آل خير البرية" وهي نهج لبردة البوصيري للشيخ صالح الجعفري

بردة البرغوثي

صورة للشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي

صدر الصورة،AP via Newyorker

لم تمض سنوات طويلة حتى داعبت بردة البوصيري وجدان أحد أشهر الشعراء المعاصرين القابضين على جمر اللغة العربية الفصيحة، ليصوغ الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي على نهجها ونهج شوقي قصيدة على الوزن ذاته.

ويرى البرغوثي أن المعارضة "تحية من اللاحق للسابق"، بحسب ما نُشر في صحيفة الشروق المصرية، لكنّ فيها نوعاً من المخاطرة؛ "لأن فيها شُبهة مما سماه شوقي نفسه (تجاوزاً للقدر)، ولأنها نص يعتمد في جزء من معناه على الأقل على نص سابق له، فلا يكتمل معناه إلا بمعرفة القارئ للنص الأول".

وقد جعل الشاعر الفلسطيني، مصري المولد، قافية بردته داليّة مختومة بالدال لا باللام كما فعل البوصيري وشوقي؛ "لأن في معنى القصيدة بعض الانقلاب عن معاني سابقتيها، فأحببت أن يرادف ذلك انقلاب في الشكل". وقد اختار الدال تحديداً لأنها ختام الشطر الأول من بيت البردة الأشهر: "مولاي صلِّ وسلم دائماً أبدا".

وعلى نهج البوصيري، اختار البرغوثي افتتاح القصيدة ذات الـ200 بيت بالحنين:

ما ليْ أَحِنُّ لِمَنْ لَمْ أَلْقَهُمْ أَبَدا

وَيَمْلِكُونَ عَلَيَّ الرُّوحَ والجَسَدَا

إني لأعرِفُهُم مِنْ قَبْلِ رؤيتهم

والماءُ يَعرِفُهُ الظَامِي وَمَا وَرَدَا

وَسُنَّةُ اللهِ في الأحبَابِ أَنَّ لَهُم

وَجْهَاً يَزِيدُ وُضُوحَاً كُلَّمَا اْبْتَعَدَا

وأشار إلى أن هذه القصيدة جاءت مع اندلاع ثورة تونس سنة 2010 وثورة يناير في مصر سنة 2011. وبحسب تميم؛ فكما كانت بردة البوصيري شفاء له من مرضه، "كانت الثورات التي قامت بُرءاً للأمة من عِلّتها".

وقال في مدح النبي محمد:

إِنِّي لأَرْجُو بِمَدْحِي أَنْ أَنَالَ غَداً

مِنْهُ الشَّجَاعَةَ يَوْمَ الخَوْفِ وَالمَدَدَا

أَرْجُو الشَّجَاعَةَ مِنْ قَبْلِ الشَّفَاعَةِ إِذْ

بِهَذِهِ اليَوْمَ أَرْجُو نَيْلَ تِلْكَ غَدَا

وَلَسْتُ أَمْدَحُهُ مَدْحَ المُلُوكِ فَقَدْ

رَاحَ المُلُوكُ إِذَا قِيسُوا بِهِ بَدَدَا

وَلَنْ أَقُولَ قَوِيٌّ أَوْ سَخِيُّ يَدٍ

مَنْ يَمْدَحِ البَحْرَ لا يَذْكُرْ لَهُ الزَّبَدَا

أطول قصيدة على نهج البردة

صورة للأديب المصري خالد الشيباني

صدر الصورة،خالد الشيباني

التعليق على الصورة،قدم الأديب المصري خالد الشيباني أطول قصيدة على نهج البردة بعنوان "أنوار البردة"

وبعد نحو 10 سنوات، قدم الأديب المصري خالد الشيباني قصيدة تعد الأطول حتى الآن في معارضة بردة البوصيري بعنوان "أنوار البردة".

ويقول الشيباني لبي بي سي إن فكرة معارضة بردة البوصيري كانت "تلوح في خاطره" منذ الطفولة، لاسيما وقد بدأ نظم الشعر في سن مبكرة، وكان ذلك من باب "المنافسة والظهور"، لكنه لم يوَفّق بتلك النية، بحسَبه.

وبعد أن بلغ الأربعين من عمره، تغيرت دوافع الشيباني بعدما رأى النبي محمد في منامه، ورأى بعض "أولياء الله الصالحين". وهنا "بدأتُ أتعرف إلى الجانب الروحي في الإسلام لم يكن موجوداً قبلها في حياتي".

وأضاف: "وفي يوم المولد النبوي الشريف لعام 1442هـ، الموافق لعام 2020م، رأيتُ رؤيا فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبُشِّرت بأن قصيدتي ستكون رائعة . فاستبشرت وصدقت الرؤيا، وعكفتُ أكتب":

يَا آيَةَ الطُّهْرِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْكَرَمِ

وَقِبْلَةَ النُّورِ وَالتَّشْرِيفِ لِلْأُمَمِ

تَأْبَى القَصِيدَةُ بَدْءَ الشِّعْرِ مِنْ غَزَلٍ

وَنَبْعُ عِشْقِكَ فَيَّاضٌ يُنِيرُ دَمِي

وَلَا وُقُوفَ عَلَى الْأَطْلَالِ يَحْضُرُنِي

فَكَمْ بَعَثْتَ لِيَ الْآمَالَ فِي قَلَمِي

وبعد قرابة ستة أعوام من بداية الكتابة، يقول الشيباني لبي بي سي إنه أوشك على الانتهاء من القصيدة المطولة، التي تجاوزت خمسمئة بيت، لم تتكرر فيها لفظة كما يفعل بعض الشعراء.

وقد تناولت قصيدته بعض شمائل النبي محمد وآل بيته وصحابته، مروراً بملخص للسيرة النبوية، وانتهاء بالثناء على الله بأسمائه الحسنى. ويأمل الشيباني أن تصل أنوار بردته إلى نحو 550 بيتاً.

مُنْذُ اللِّقَاءِ وَأَفْكَارِي مُسَافِرَةٌ

إِلَى حَبِيبٍ عَلَى الْوِجْدَانِ مُحْتَكِمِ

لَوْلَا حُدُودٌ عَلَى بُلْدَانِنَا فُرِضَتْ

أَسْعَى إِلَيْهِ وَلَوْ سَيْراً عَلَى قَدَمِي

"إمام المادحين" في الوجدان المصري

صورة قديمة لمسجد الإمام البوصيري تعود لسنة 1322هـ

صدر الصورة،صفحة فيسبوك شادي سليمان

التعليق على الصورة،صورة قديمة لمسجد الإمام البوصيري في الإسكندرية

ورغم مرور الزمان الذي يجعل المرء يميل لما هو أحدث، تظل قصيدة البوصيري متربعة على عرش قصائد المديح النبوي في جلسات الذكر والإنشاد والغناء، بما يفوق شهرة تلك التي غنتها أم كلثوم، وبما يفوق شهرة القصيدة التي ألقيت على مسامع النبي محمد في حياته.

قالت رشا سعيد، وهي صحفية مصرية، وهي تغالب دموعها: "كانت البردة أول معرفتي بشيخي صلاح الدين القوصي [مؤسس طريقة الأشراف المهدية الصوفية]؛ حيث كان والدي يُسمعنا قصيدة البردة بصوته المُسجل على شريط كاسيت كل يوم جمعة".

وأضافت لبي بي سي عربي بعد أن تلت أبياتاً من بردة البوصيري "إن محبة البردة وذكر رسول الله حاضرة في قلوبنا، والأبيات رغم كلاسيكياتها أحب سماعها وأنا أقود السيارة في طريقي إلى أي مكان".

وللبردة أهمية خاصة لدى المصريين، فقد قُدمت أمام الجماهير في السبعينيات على دَرَج مسجد المرسي أبي العباس في الإسكندرية، الذي يقع قبالة مسجد البوصيري نفسه الذي دُفن فيه، ونُقشت أبياته على جدران ضريحه.

جانب من مسجد الإمام البوصيري وعليه نقشت أحد أبيات بردته في مديح النبي محمد

صدر الصورة،mazaratmisr.org

ولا تزال هذه الأمسية، التي كانت برعاية وزارة الثقافة المصرية، تذاع تلفزيونياً في المناسبات الدينية لاسيما مولد النبي؛ التي تناوب فيها على إلقاء أبيات البردة كوكبة من كبار الفنانين الذين عُرِفوا بفصاحة اللسان، على رأسهم عبد الوارث عسر وحمدي غيث.

وقد غنى الفنانان علي الحجار وزينب يونس بعض الأبيات من همزية البوصيري، وهي قصيدة شهيرة أخرى للشاعر المملوكي تخللت إلقاء البردة في الأمسية. وشارك في الغناء والإلقاء في الخلفية بعض الفنانين والممثلين المصريين، في دلالة على مكانة البردة الروحية في الوجدان المصري.

أهمل YouTube مشاركة, 1

هل تسمح بعرض المحتوى من Google YouTube؟

تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Google YouTube. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Google YouTube وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"

تحذير: بي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية المحتوى في موقع YouTube قد يتضمن إعلانات

نهاية YouTube مشاركة, 1

بردة البوصيري بألحان مصرية

الموسيقار المصري الدكتور ممدوح الجبالي

صدر الصورة،Mamdouh Elgebaly

التعليق على الصورة،بدأ الدكتور ممدوح الجبالي، الأستاذ بأكاديمية الفنون المصرية، تلحين بردة البوصيري عام 2014

تلك الأمسية التي أخرجها الفنان المسرحي كرم مطاوع، كانت مرجعية الدكتور ممدوح الجبالي، الأستاذ بأكاديمية الفنون المصرية، حين بدأ العمل على تلحين بردة البوصيري عام 2014 في إطار مشروع بدأه لتقديم القصائد العربية الطويلة كاملة.

وبعد أن استمع الجبالي إلى البردة بأصوات العديد من المنشدين في مجالس الذكر بألسنة مختلفة اللهجات عبر الإنترنت، استغرق عاماً كاملاً لتلحين أبيات البردة الـ 160، وأثمر جهده عن ساعة ونصف، سُجلت على مرحلتين بين إسطنبول والقاهرة، لم ينسخ خلالها جملة موسيقية متكررة فيها، بحسب ما حكاه لبي بي سي.

وحكى الموسيقار لبي بي سي عن كواليس الأغنية قائلاً إنه اختار لغنائها المطربة المغربية فدوى المالكي، بمشاركة المحمدي وهو مؤذن مسجد في حي إمبابة الشعبي بالقاهرة قدمه الجبالي للجمهور لأول مرة، إلى جانب عصام سيف "ملك الإعلانات في مصر" بحسب وصف الجبالي، وكانت مهمته إلقاء بعض أبيات البردة بين الأبيات المُغناة.

وهناك نسخة مختصرة من هذه الأغنية قُدمت كمسرح غنائي حي باللحن ذاته بأصوات عدد من المطربين أبرزهم ريهام عبد الحكيم ومحمد محسن، والمنشد التنزاني يحيى بيهقي الذي قدمه الجبالي للجمهور على المسرح لأول مرة، وجسد الفنان المصري حمزة العيلي دور البوصيري في دار الأوبرا السلطانية في عُمان.

أهمل YouTube مشاركة, 2

هل تسمح بعرض المحتوى من Google YouTube؟

تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Google YouTube. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Google YouTube وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"

تحذير: بي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية المحتوى في موقع YouTube قد يتضمن إعلانات

نهاية YouTube مشاركة, 2

الموسيقار ممدوح الجبالي والفنانة المغربية فدوى المالكي في إسطنبول خلال تسجيل الجزء الأول من الأغنية التي سُجلت على مرحلتين

صدر الصورة،Fadwa Al Malki

التعليق على الصورة،الموسيقار المصري ممدوح الجبالي والفنانة المغربية فدوى المالكي في إسطنبول

"نحن في حضرة أفضل الخلق"، هكذا عبرت فدوى المالكي لبي بي سي عربي عن إحساسها بالرهبة أمام غناء قصيدة عن النبي محمد، مضيفة: "لك أن تتخيلي الوقع النفسي لهذا الأمر عليّ كصوت سيجسد هذا الإبداع الشعري غير العادي غناءً".

وأوضحت المطربة المغربية أن العقبة الكؤود والمسؤولية الكبرى كانت تقع على عاتق الملحن الدكتور ممدوح الجبالي؛ حيث "كان عليه أن يغوص في أعماق المقامات والخيالات الموسيقية المختلفة حتى يخرج بشكل موسيقي يتناسب مع عظمة الصياغة الشعرية للإمام البوصيري ويقارب قدسية الموضوع".

وأثنت على التوزيع الموسيقي لحمادة الموجي، وهو ابن أخ الموسيقار المصري الكبير محمد الموجي، الذي تقول إنه "أبدع في كتابة [العزف على] الكمنجات وسائر الخطوط الموسيقية والإيقاعيّة بشكل أذهلني".

وحين جاء دورها بعد التنفيذ الموسيقى، "وقفت أتأمل القصيدة من جديد، لأقف على أدق التفاصيل. كنت أخاطب إحساسي وعقلي بنفس الوقت؛ لأن الانفعالات كانت ولا تزال قوية جداً مع كل كلمة صاغها العبقري الإمام البوصيري".

وقد بذلت الفنانة المغربية "مجهوداً كبيراً" بحسب تعبيرها لتكبح جماح أحاسيسها خلال الغناء من المهابة. ومع ذلك، فقد "اتحد عقلي وقلبي وصوتي وروحي في وقت معين ليُخرِجوا هذا الغناء"، الذي تقول المالكي إنه لاقى صدى عظيماً في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

ويظل المرء أمام قصيدة البوصيري الذي لُقّب بـ"إمام المادحين" عاجزاً عن تفسير انتشارها بما يتجاوز ما بين المحيط إلى الخليج، وكأنها تحوي سراً من أسرار الكَلِم، أو سراً بين المادح والممدوح، فسرته رشا سعيد بقول من وحي بردة البوصيري وبصوت مازجته دموع الشوق "إن الحبَّ غيرُ مُنكتِمِ".