كتاب "موريتاني في بلاد فارس.. معالم وحكايات" للكاتب الصحفي والمراسل الصحفي الدولي محمد عبد الله ممين.
مقدمة
بقلم د. رياض معسعس
بين كل المهن، تبقى مهنة الصحافة لمن يمتهنها الأكثر إثارة، وثراء، ومغامرة، ومخاوف، وتهديدا، وخطرا.
فليس كل صحافي صحافيا، وليس كل من خاض العجاجة عنتر، فصاحبة الجلالة لا تقبل من يدنو من قصرها ويتجول في أرجائه ودهاليزه، وردهاته، وسراديبه، إلا من فك رموز مداخله، المتربعة على العرش؛ لا تبوح بأسرارها إلا لمن أتقن لغتها، واحترم قواعدها من المهنية الرفيعة، والمصداقية العالية، والحيادية الأكيدة، والنظرة الثاقبة، والبلاغة في القول، والسرعة بالفعل.
ومن وصل إليها على جسر من تعب وكلل، ونام مع المتنبي واستيقظ مع المعري ورافق كل من قال قولا مبدعا دون خلل أو ملل، والتصق بالحدث تاريخيا وجغرافيا وسياسيا وثقافيا، وصاحبتنا لا تقبل قولا ثقيلا، ولا زيفا فاضحا، ولا دجلا مقيتا، ولا قلبا للحقائق، فلا الأسود أبيض، ولا الأبيض رمادي، ولا إذا هطلت على فرعون ضفادع تصبح طيورا مغردة، ولا كل من كتب مقالين قال بت هيكل ورب الحسنين، فهؤلاء، ينتظرون طويلا على أبواب صاحبة الجلالة، ويطول انتظارهم، فالعين الثاقبة تعرف كيف تميز بين الغث والسمين.
اليوم قرأت كتاب )موريتاني في بلاد فارس(، وجدت نفسي مشدودا إليه من الصفحات الأولى وهذه ميزة الكتب التي ترغمك راضيا مرضيا أن تغوص في أعماقها، ولا غرو في ذلك فالمؤلف كما عهدته منذ البدايات قبل عقدين ونيف عندما التقينا في تجربة جديدة في قناة العالم، وجدت فيه عملة نادرة في العمل الصحافي قل أن وجدتها في مشواري الطويل واحتكاكي بمئات الصحفيين.
كان محمد عبد الله ممين شهما أصيلا، نقيا نقاء الصحراء، وفيا وفاء الكرماء، وفصيحا فصاحة الخطباء، وعتيقا عريقا في مهنة المتاعب، وراغبا في التعلم والارتقاء في معارج مهنة المتاعب.
كان لنا صولات وجولات، ولقاءات متفرقة في كل حدث يجذب إليه أصحاب المهنة من طهران إلى كيب تاون مرورا بالخرطوم، طرابلس، باريس، تبريز، فنواكشوط.
هذا الموريتاني المتمرس، الذي يملك ناصية المهنة العصية، يروي تجربة فريدة في استكشاف امبراطورية فارس بتاريخها الغابر الباهر، يبدع في الوصف، صحفي يحمل نكهة أدبية واضحة يتحلى بها كخريجي آداب.
حكى حكاياته بسلاسة وتشويق كأديب، يلامس شعور القارئ كحبيب؛ أخذنا معه في رحلات طويلة، بعيدة المسافات، إلى طهران، و"نيسابور"، وهمذان، وشيراز، وأصفهان، وقم، وتبريز، "وكاشان"؛ اكتشفنا معه جوانب هذه المدن فدخلنا أسواقها مشيا، وتنسمنا روائح مطاعمها شما، وزرنا معالمها الأثرية فزادنا ثقافة، وتعرفنا على شخصياتها التاريخية المؤثرة.
فعرفنا أكثر بالهمذاني، وابن سينا، وعمر الخيام، وسيبويه، وحافظ الشيرازي، وسعدي الشيرازي الذي نادى بتنقية الفارسية من العربية، ورغم كل محاولاته الشعرية لاستنهاض الفرس وإحياء لغتهم لم يصل إلى مقصوده، (شاه إيران في خمسينيات القرن الماضي أصدر تعميما لكل الإدارات بعدم استخدام اللغة العربية في مكاتباتهم الرسمية فقال: "استخدام زبان عربي أكيدا ممنوع أست" ففي هذه الجملة هناك أربع كلمات بالعربية وكلمتان فقط بالفارسية).
ولم يخل الكتاب من مقارنات لغوية فارسية عربية، وعرفنا على زرادشت عن قرب بزيارة قلعته في ضاحية أصفهان بعد أن قرأنا كتاب نتيشه هكذا تكلم زرداشت عن بعد.
وأدخلنا بيوت نصف الجنة أصفهان لنتعرف على عاداتها وتقاليدها، وأعراسها، بمقارنة بعادات وتقاليد موريتانية، وأصخنا السمع إلى غناء مغنيها، ولوحات فنانيها وزخرفاتهم على جدران وقبب المساجد والقبور، ودخلنا أسواقها وكدنا نسمع ضجيج بائعيها ونلمس بضائعها بأصابعنا، ونتذوق أطباق مطاعمها.
هذه الصور البديعة وصفا، والصادقة شعورا، والغنية ثقافة قدمها محمد عبد الله ممين في قالب إخباري احترفه من جهد جهيد، وكد سنين، فأتقن السرد، ونمق الكلام، وأصاب الحقيقة في كبدها، وقدم صورة ناصعة لمملكة الفرس.
وفي الجانب الآخر من الصورة البديعة لم يطمس حقائق خلافها، فلا يخلو مجتمع من نقائص، فللمجتمع الفارسي نقائصه أيضا؛ فربما يجهل أوطان العرب حينا، ويدخل في خصام عقائدي معها أحيانا، ولا يضيق ذرعا بمن خالفه رأيا، أو عقيدة.
وهذا وجه آخر لامبراطورية تداخل تاريخها ومعتقداتها مع تاريخ ومعتقدات العرب، فكان هناك كر وفر، ورفع وجر، مما خلف حقدا وبغيضة وبلاء حملتها قرون عديدة منذ مأساة كربلاء، فولدت شرخ صفين وحولت المسلمين إلى صفين: (سنة وشيعة).
فلا هذا قبل بذاك، ولا ذاك قبل بهذا، وإلى اليوم نتساءل لماذا؟
كانت بلاد فارس محطة من محطات المؤلف العديدة، لكنها محطة حفرت في وجدانه ذاكرة فيها الكثير من الدروس المستفادة من حضارة غابرة لا عابرة، ومن مجتمع يتمتع بشموخ، وصلابة، ورغبة جامحة في التقدم، وساسة يذبحون أعداءهم بقطنة ولا يخلون من فطنة.
قدم لنا ممين لوحة كاملة الجوانب عنهم وعن هذا البلد الذي كان له مكانة كبيرة في تاريخنا، وفي ديننا، وثقافتنا أيضا.
وهذا الكتاب نتمنى أن يكون حلقة أولى من حلقات لاحقة في بلاد أخرى.
د. رياض معسعس
