السؤال المحوري::
الجوانب/ أو الطرق في موسيقى التيدنيت؛
تأليف مبدع أم زائد أحس؟
- 1-
تأطير.
قبل الانخراط في الموضوع المحوري لهذا المقال، الثاني من هذه السلسلة، أود أن أذكر القارئ الكريم بما وصلت إليه في المقال الأول، وخلاصته:
أن التأثير في تأليف موسيقى تيدنيت البظان متعدد الروافد وليس أحاديها، فهو صنهاجي قديم، وأندلسي مغاربي أحدث منه، وحساني معقلي لاحق، وأفريقي زنجي أحدث.
والتيدنيت عود عربي قديم بلا ملاوي، متناسب مع حالة البداوة، قريب من شكل الربابة.مع اختلاف في عدد الأوتار، وله أثر في الرسومات العربية الإسلامية..
والفن الموسيقي في التيدنيت ببنيته الحالية مؤلف تأليفا محكما أبدعه أشخاص من فناني البظان تأثروا بمحيطهم من كل الجهات، وأضافوا له من تأليفهم،
ونضيف إلى ذلك هنا: أن الموسيقى البظانية الحالية لاتزال محتفظة بذكر أغلب مؤلفيها ، ومناسبات إبداعهم.
كما كان ناقلوها أمناء في ذكر تأثر موسيقاهم بموسيقى جوارهم البشري من كل الجهات. يقول الفنان حمادي ولد أيده الكبير في رد على سؤال استفزازي من فنان آخر حول تعريف مداخل في مقام معين::
[لفگيعه] خبط تموّر* مار في [التاشبط] تظهر* و[المنفگعه] خبطت [لكورْ]* مارتها في المهر أردّاس* واصل [انتماس] ادخول افكرْ* فيه [التژانه] غير الناس* گالت عنُّ هو ذ الدهر* فاصل في التژانه والساس.
فالفنان هنا ذكر ما لموسيقى البظان: لفگيعه-والتژانه- والساس، وانتماس كذلك... لقد كان الفنانون أمناء لما أخذوه عن إخوتهم لِكْور: المنفگعه. وهذه هي وحدات المدخل الفعلي لظهر انتماس المفتتح للطريق الكحله.
فنانوا البظان إذن، حفظوا الملكية الفكرية لكل ما تأثروا به، وكل من أبدع إبداعا أصيلا منهم، مما يدل على نزاهتهم الفكرية، ولم يتكتموا على أي نوع من تأثرهم، مثلا: انتماس: الصنهاجي المصطلح أيضا. دليل على ذلك. وهذه من سمات المبدعين الأصلاء. وهم الذين يتقنون معرفة حقلهم ويضيفون فيه من عندهم.
* أمثلة داعمة من التأثر بالرافد الحساني:
-"الكرص" الشور في انتماس: هو من كرز الراعي أي الخُرج الذي يحمل فيه زاده. كان مؤلفه مذكورا وهو اعلي النبيط ولد حيب الله من أهل آگمتار باتفاق الروايات، من أواخر ق: 18 و مطلع القرن 19 م..
، وقد حلل الفنان- المبدع حقا- شيخنا ولد اباشه وحدات الكرص، وأعاد ترتيبه وربطه بإضافة "التگرينه" إليه.
.-"الژويژيات": تشبيها لها بصوت الناي العربي الحساني (الژوْژايه)
و عزف هذا الشور مشترك الإسناد بين مدرسة الحوض والرگيبه من جهة، ومدرسة الگبله من جهة أخرى.
- مداخل "مكه موسَ" المؤلفة من فنانين حسانيين: "اعجين مكه، و "لگويسي""، و "برَه"- و"امريرة مكه".
- كذلك في بحر "فاغو": "عراي السروز": (مُخْلي السروج) بالمناورة القتالية. لمداخله ثلاثة مؤلفين لكل منهم مدخله المعروف: وهم: اعلي النبيط، واعلي ولد الذهبي، ومحمد عبد الله ولد آوليل. ولكل منهم منهجه المختلف في عزف دخول السروزي.
- "لححب"/ الحجبة (من الظل الحاجب فوق جحفة المرأة)، مؤلفه اعلي انبيط كذلك، وهو معلوم المناسبة، كما أبدع نفس الفنان أيضا -"لَگّتري"/القَتَري، وغيره.
والأمثلة أكثر من العد..
* أما الرافد الصنهاجي فأثره واضح في موسيقى التيدنيت؛ مثلا:
-"التيدنت"و "آردين" من الآلات".
- "انوفل" و "چينّه" و"منچله"، من الظهور.
-"سنيمه"- من البحور. وهي بحر مركب من ثلاثة أجزاء: لكحال-الزراگ- ولبياظ
إلى آخره من الأمثلة.
* وأما الرافد الأندلسي المغاربي فقد أوضحنا تشاكله البنيوي مع البنية الموسيقية النظرية للموسيقى الأندلسية المغاربية وتأليفها في:
- تطابق الطبوع الأندلسية الأربعة مع البحور الأربعة في التيدنيت:
. طبع الفرح والحبور والأمل (كر)؛
. طبع الغضب والحماس (فاغو)؛
. طبع عاطفة الحب (سنيمه)؛
. وطبع الحنين (لبتيت). -كذلك التوافق في عدد النوبات الموسيقية 24 نوبة مابين ثقيلة وخفيفة أندلسيا، مقابل 24 ظهرا ورديفا في تيدنيت البظان، و على نفس قاعدة الارتباط بالتابعية والدرجة.
. هذا إضافة للاتفاق في بعض مسميات المقامات والمصاحب الشعري، كما أفضنا في ذلك سابقا، إنشادا وتلحينا وتوقيعا.
* الرافد الرابع؛ الرافد الأفريقي الزنجي:
وذكرنا منه ما ذكره مؤلفو الموسيقى الحسانية بأمانة، ودون تعقد:
-"المنفگعه"، من الردات.- "گيرات"، سوى گيرة لحساسنه، و"موس السبع" و "السونكي".، من الأشوار.
- "مكه موسه" في بعض مداخله الخالية من گص العبره، وليس كل مداخله، كما سبق.
- ولا ذكر للبحور المسندة إلى الرافد الأفريقي ولا الجوانب..
وعليه استنتجنا تعدد روافد موسيقى البظان الحسانية، وهو لستنتاج تدعمه الروايات المتعددة المصادر التاريخية والحفريات الاستقصائية في الموسيقى الأدائية، والمصطلح المصاحب للموسيقى إلى اليوم.. وهو ما يتفي أحادية المصدر على أساس رواية وحيدة.
وهنا أنبه الفنان الشاب مراد على ضرورة الحذر في إصدار الأحكام القاطعة وتوخي الآراء الحاسمة.. عموما، عندما يتعلق الأمر بحصيلة تاريخية وإبداعية معقدة، ليست مجالا للإثبات القطعي برواية آحاد، و تعارضها روايات متعددة الأسس والبراهين والقرائن. وسيعلم بعد تجربة أوسع أن خبر الآحاد إذا تعارض مع خبر المستفيضة يتراحع إلى الرتبة الثانية، ويعتبر تأويلا مفضولا بغيره.
إن الموسيقى الحسانية بتأليفها التاريخي، وتنوع منتجِها البشري لايمكن أن تكون أحادية المصدر عقلا حتى ولو أهملنا كل المعطيات الدامغة
إنها مؤلفة تأليفا إبداعيا متقنا محليا، معروف المؤلفين، وقد تأثروا تاريخيا بمصادر متعددة ولم تأت إليهم من رافد واحد بما دكرنا من قرائن، وإلا لكانت موسيقى تيدنيت البطان مطابقة لموسيقى تيدنيت لكور. وهي ليست كذلك. ولا يعني هذا تتقيصا من تيدنيت لكور، وإنما يعني اختلافها في البنية والمحتوى والمنهج التأليفي عنها.
إن سر تميز "أزوان" عن الموسيقى الجوارية الأخرى هو في القدرة على الاستيعاب، والإبداع التأليفي، وشمولية المحتوى والانفتاح لتخقيق عالمية النغمات.
ولذلك فهذه الموسيقى إن تم احترام قواعدها ليست فوضوية كما سنرى اليوم في الحديث عن "نفي وجود الجوانب، أوعدم ضرورتها لموسيقى التيدنيت".
بصراحة:
في النقطة التالية ولواحقها سأترك الكناية وأتحدث بصراحة عن الحقائق التفصيلية، لا غمطا لصاحب الرأي المناقَش، وإنما تنبيها له على بعض الأحكام الجزافية حول الموسيقى البظانية، ولن يجرمني شنآن المحاورة أن أذكّر -لاحقا- ببعض ما أتفق معه فيه من بدهيات الأداء.
- 2-
جوانب أو طرق موسيقى البظان الحسانية: إبداع، أم زائد أحس؟
أولا: نزعم أن موسيقى التيدنيت فن محكم البناء، وليست تواردات فوضوية. وقد أبدعها سكان الأرض على مدى قرون متتالية. فهي بناء تاريخي منظم ومتبصر، ومصنف بعناية على قواعد فنية راسخة. ثانيا: هذا الفن يخضع فطريا وذوقيا لتأليف موسيقي مبدع، فرغم أن فناني البظان لم تكن لديهم دراية بالسلم الموسيقي العالمي إلا أنهم طبقوا قواعد تأليف الموسيقى بدقة مذهلة. وأهم دليل على ذلك وجود الطرق أو الجوابب، و المصطلحان بتفس المعنى.
ثالثا: ماهي الطريق في مفهوم الفنان الموسيقي عند البظان تاريخيا؟
الطريق أسلوب في ترتيب أصوات أوتار التيدنيت ودوزنتها، وغناء الحناجر على أسلوبها.
بيان ذلك: أن لكل وتر عند أهل التيدنيت نغمة موافقة لنوطة على السلم السباعي (صولفيج).
لكن وجه إبداع الفنان في موسيقى التيدنيت الحسانية: أنه ألف فيها ثلاثة أنواع من الوحدات تأليفا منتظما: -مقامات سباعية- مقامات خماسية-ومقامات هجينة.. هذه المقامات تسمى -حسب مصطلحات الموسيقى الأندلسية- نوبات، ومقامات حسب الموسيقى العربية، وكلتا التسميتين من ممارسة تاريخية معروفة في الموسيقى العربية: (النوبة: مفهوم عباسي الأصل، يقوم على تخصيص كل ساعة بنوع مختلف غيره من العزف. و كذا المقام الذي هو فترة قيام الفنان بأداء الألحان والأصوات في تفس النوبة، وهو بين يدي الأمير)،
لكنهما أصبحا مجردين لاحقا، وتطورا تاريخيا مع اكتشاف عدد الساعات ليلا ونهارا، فأصبحتا وحدات موسيقية بأعيانها).
نجد في شعر الحسانية الواصف لنوبات الموسيقى ما يدل على أن ارتباط الزمن بالموسيقى كان دارجا: مثلا، شعر ولد بباجه التنواجيوي يعكس ذلك عند قوله في طلعة التيكفايه:
.. وامنين ايزول الظل ايبيح* بيگِ يفاوت بالتصبارْ...
رابعا: إن الجانبه أو الطريق، هي نفسها المفتاح الموسيقي لأنهما أسلوب متطابق أداء في تأليف العزف والغناء. وقد سماه فنانونا العباقرة (ولا أتردد في ذلك الوصف): "اسْبيبْةْ اللّگْ"، أي مسببة التناسق الموسيقي. التي هي بالضبط: مفتاح نغمة القرار، الضروري لكل تأليف موسيقى يخضع لنسبة الجمال المعروفة عالميا.
خامسا: الطريق في البحر، تعنى في موسيقانا الحسانية: الممر أو السبيل. الذي هو حسانيا: (مگطع لبحر).
والحكم الفني أن من لم يسر فيه أثناء الأداء الموسيقي ضل سبيله وتاه.
وقد جعلوا هذه الممرات في بحور أزوان الأربعة على:
- مفتاح (دو)، وهو الوتر الأعلى في التيدنيت (المهر الفوگاني) بالنسبة لوتر نغمة القرار.
- وأضافوا له ممرا غير بعيد منه على نفس المفتاح مع تغيير نغمة الجواب حسب لغة أهل الموسيقى اليوم. وتسمية الممرين أو المفتاحين بلغة فنانينا نحن: الطريق الكحله، وطريق لگنيديه.
- ثمة ممر أو سرَب ثالث مواز لسابقيه في نفس البحار النفسية الذوقية الأربعة، وهو بلغة عصرنا الموسيقي: كل الوحدات الموسيقية المؤلفة في التيدنيت على نغمة (فا). وبلغة فنانينا تاريخيا على نغمة "المهر التحتاني"، الذي هو "سبيبة اللگُ" للطريق البيضاء.
سادسا: لكن، هل يمكن الاستغناء في أداء التيدنيت عن هذه الطرق؟
من المستحيل عمليا أن تعزف تيدنيت البظان خارج هذه المفاتيخ الثلاثة إلا في حالة واحدة، وهي عند إخراجها من آژاي البظان القائم: أي عن طريق توزيع نغمات القرار والجواب على أوتار التيدتيت بمعزل عن قاعدة مفاتيح التمييز الحالية فيها، وهو ما يسمى "التزحال" بلغتها.
ويمكن أن نضرب لذلك مثلا تاريخيا يدل على معرفة فنانينا الدقيقة لعلم الأصوات الموسيقية:
حاول بعض الفنانين ومتذوقي 'أژوان" اختبار مهارة الموسيقار الفذ شيخنا ولد اباشه (أواخر ق19\ وصدر 20) فتحدوه أن يعزف لهم نقيق الضفادع فقال لهم، ونفذها: سأخرج التيدنيت من "آژّاي" حتى أحاكيه، ثم أعيدها إلى نفس آژاي في نهاية االمعزوفة. وقد أنتج هذا التأليف المبتدع شور اجْران المعروف عند مدرسة أهل اباشه العريقة.
سابعا: إذن، لا يمكن لفنان يعزف التيدنيت بتأليفها الحساني أن يستغني عن الجانبة، إلا إذا كان سيخرج عن آزاي التيدنيت.
وعليه يتضح أن الفنان مراد تسرع -شيئا ما- في حكمه بإمكانية الاستغناء عن الجوانب باعتبارها غير ضرورية.
وبالمناسبة، أرجو من أي فنان موريتاني، طموح للتغيير المبدع أن يعزف لي في التيدنيت خارج الجوانب، بدون مفتاح من هذه المفاتيح المذكورة، ويقدم لي مقامات البظان معزولة عن مفاتيحها. وسيكون إنجازه ذاك اكتشافا عظيما بالنسبة لي ولغيري.
و سأعمق هذه المسألة أكثر بالمقارنة مع الموسيقى العالمية الكلاسيكية المكتوبة في نقطة لاحقة.
ثامنا: قد نتساءل هنا عن "آردين" وموقعه من هذا التشكيل الفني لموسيقى التيدنيت؟
موسيقى آردين ليست خارج آزاي على النحو الذي سنذكره، لأنه ليس آلة تحليلية كالتيدنيت. لذا لا يعزف الجوانب، بل بدمجها في البحور بتأليف مختلف عن التيدنيت. ولذا سموه بكل دقة "جامع أنگاره". وأذكر هنا أن بعض الفنانات الماهرات يستطعن أن يحولن آردين إلى أداء التيدنيت عبر دوزنة الأوتار بيد الجس وهي مهارة نادرة. لذلك فهي استثناء يثبت القاعدة.
آردين الطبيعي إذن، قابل لمصاحبة التيدنيت في البحر، بأي طريق تسلكه، لأنه يدمج نغمات (دو) و(فا) بالتراوح والمناسبة بينهما.
لكن التينيت لا تستطيع أن تنجز هذا التأليف المدمج لأنها آلة تحليلية. إلا إذا أصبحت التيدنيت غير التيدنيت المعروفة بنسب أوتارها، وطرق عزفها، وأمكنة جسها..
تاسعا: بالنسبة لإمكانية عزف أشوار الجاتبه البيظه في الكحله أو العكس وكذا لگنيدية، فهذا ليس حجة في الاستغناء عن الجوانب، وهو -مع ذلك- ليس جديدا؛ بل أمر شائع قديما. مثلا:
أشوار "آنواويل": تعزفهم مدرستا الحوض وتگانت في مكة موسَ بالجانبه البيظه؛ وتعزفهم مدرسة أهل الگبله في سيني كر، دون عناء. السبب في هذه الإمكانية أنه لاترابط بين الوزن والمفتاح.. بكل بساطة. رغم أنه لو جرى الأمر بكثرة لأصبح تكرارا ممجوجا، وتسييبا للتأيف الأصلي.
عاشراا: يقودنا هذا إلى تنبيه مهم وهو أن وجود الأشوار في تأليف أصلي ضمن جوانب متمايزة كما ألفت تاريخيا، جزء أساس من هوية موسيقى البظان التاريخية يقوم عليه مبدأ احترام التأليف الموسيقى الأصلي. وهو مبدأ لايمكن إخضاعه للأهواء والشطحات.
لكن يمكن لأي فنان أن ينتج معزوافات جديدة، خارج البنية التأليفية الأصلية لموسيقى البظان، ولا ضير في ذلك، بل قد يكون مستحبا عن خضع للتناسق داخلي...
وقد يتيح الثراء الإيقاعي في هذه الموسيقى للفنان قابلية تكييف معزوفاته كما يشاء، بنشاز نسبي أو بدونه، على أي تأليف موسيقي مختلف يشاؤه. ولذلك الخروج أصل في "زحلات فاغو" بالتيدنيت. حسب الفنانين المختار ولد الميداح وسداتي ولد آب.
أما البنية التراثية لموسيقى البظان فيجب أن تترك على قواعدها كما تترك سينفونية بيتهوفن السادسة أو التاسعة دون مساس بقداستها الفنية.
حادي عشر: على ذكر السينفونيات سأورد هنا -كما وعدتكم، تعميقا للشرح- مقارنة حول علاقتها هي الأخرى بالمفاتيح الموسيقية، وذلك لأن موسيقى البظان مبنية على أساس التأليف الأوركسترالي؛ حتى ولو كان ذلك بآلة واحدة أو ثلاث آلات مترافقة من نفس النوع، وإن بمصاحب أو أكثر. في الموسيقى الحسانية، توضيحا لهذا التوزيع:
١- اعتاد الفنانون عند البظان أن يأخذ ثلاثة منهم تيدناتهم، ويدَوزِن كل واحد منهم تيدنته على مفتاح: جانبة، إما : الكحله-أو لگنيديه-أوالبيظه، ويبدأ العزف بشكل متواز مع صاحبيه، دون أن يدخل أي من الثلاثة طريق الآخر أو يزاحمه فيها.
وبهذا الأداء تحدث ظاهرة نغمية يسميها الفنانون "الرهج" وهي مستحبة، مدهشة عند السامعين.
- لا مانع أيضا من أن يكون مع الثلاثة آردين، أو ربابة، أو نيفاره مصاحبة.
هذا النوع من التوزيع النغمي كان معروفا. لكن من المحترمات الفنية أن تكون التيدنيت المفردة في طريق واحدة من بداية ادخولات "كر" إلى "تنزال انبيطات" في نهاية لبتيت.
ثاني عشر: ما العلاقة بين تأليف الجوانب وبين تأليف السينفونيات العالمية؟
قد يكون هذا السؤال مستغربا لدى البعض، ومبالغا فيه لدى البعض الآخر. لكن لاتتعجلوا.
لقد انتهينا إلى أن الطرق هي تأليف على مفتاح من مفاتيح الصول فيج، وهو إما (دو) أو(فا).. بالنسبة لطرق التيدنيت الثلاث. أما السينفونيات فقد تكون على مفتاح واحد مثل الجوانب "باستورال" لبيتهوفن؛ وقد تكون على مفتاحين كما في التاسعة عند نفس الفنان لاختلاف قطعها الثلاث الأولى المعزوفة عن الرابعة التي هي" أنشودة الفرح"..
وقد تكون السينفونيات على أربعة مفاتيح كما في سينفونية "الفصول الأربعة من تأليف الموسيقار "فيفالدي"، لاختلاف طبيعة الفصول الأربعة في الواقع.
سأضرب أمثلة من أشهر السينفونيات العالمية بمفاتيحها:
ا- : سينفونية بيتهوفن السادسة (الرعوية) ألفها على مفتاح (فا، الكبير).
أما سينفونيته التاسعة فقد ألفها على مفتاحين: مفتاح "ري. الصغير"، في الأجزاء الثلاثة الأولى المعزوفة فقط. أما المقطع المصاحب بالغناء، وهو الرابع بعنوان : "أنشودة الفرح"، فألفه على مفتاح "ري. كبير".
ب- السينفونية ال 40 لموزارت ألفها على مفتاح واحد هو (صول الصغير). أما ال: 41 "جوبيتير" فألفها على مفتاح (دو، الكبير).
ج-: سينفونية الفصول الأربعة ذات المفاتيح المتعددة تناسبا مع الفصول الأربعة ل "فيفالدي" ألفها على النحو التالي:
- الربيع: ألفه على مفتاح (مي، الكبير).
- الصيف: على مفتاح (صول، الصغير).
-الخريف: على مفتاح (فا، الكبير).
-الشتاء على مفتاح (فا، الصغير) .
وكان تعدد المفاايح منه لجعل كل فصل مستقلا بمفتاح عن غيره حتى يتميز عن سواه. وهذه السينفونية من جنس السينفونيات المركبة من عدة مفاتيح.
نتساءل هنا فرضا:
- ماذا يعني هذا بالنسبة لموضوعنا؟
استنتاج:
يعني ما أوردته في المقارنة الأخيرة: أن ماذكره الفنان الشاب من إمكانية الاستغناء عن الجواتب في تيدنيت البظان مستحيل أدائيا، إلا بتغيير أو هدم البنية الفنية لهذه الموسيقى. ولذا فإن الصدمة الكبرى التي أصابت بعض الفنانين المتقنين للتيدنيت بتأليفها القائم كانت واردة من هذا المنظور، لأن البناء الفني لموسيقي التيدنيت سيهدم على رؤسهم من أساسه، فهو قائم على تأليف الجواتب التي هي مفاايح نسقية لكل طريق.
ولذا فإنني أتفهم صدمتهم من هذا الرأي غير الصحيح من وجهة نظر فتية بحتة لهذه الموسيقى.
إن مثلهم في ذلك كمثل من يدخل إلى الأوكسترا الألماتية اليوم، ويقول لهم: أنا أستطيع أن أعزف لكم سينفونية بيتهوفن السادسة "باستورال" دون مفتاح (فا).
تصور معي: ماهي ردة فعلهم عليه؟ وهكذا، وهكذا.. لكن لا يمنع هذا أحدا من أن يؤلف على التيدتيت أي تشكيل موسيقي يريده خارج آزاي تيدنيت البظان كما فعل شيخنا ولد اباشه استثنائيا.
ثالث عشر: تأليف الآباء لموسيقى التيدنيت ليس فيه خلل ولا نقص بالمعنى الفني، حسب الموسيقى الاكلاسيكية الرائعة.
وليس ادعاءً الجزمُ بأن الفناتين الموسيقيين للبظان كانوا مبدعين في التأليف، و أنهم -بالطرق- لم يخرجوا عن قواعد الفن السامي، رغم عدم استعمالهم لكتابة النوطة الموسيقية التي لا يعرفونها؛ استغنوا عنها بإحساسهم الموسيقي الفطري المرهف، وهم بذلك كإخوتهم من شعراء الحسانية الذين أبدعوا في أوزان شعرية تخصهم وتخضع لقابليات لهجتهم الحسانية المشتقة من العربية.
وخير مثال على ذلك إبداع شعراء الحسانية للگدْعه (لحراش) أي التقاء الساكنين في درج التافلويت. خلافا لقواعد الخليل بن أحمد القائمة على المتحركات، والسواكن التي لا يتلاقي منها اثنان في اللغة العربية وشعرها بدرج الشطر.
تنبيه إخير في غاية الأهمية:
أطلب من الشباب الداخلين من بوابة البناء الثقافي الحساني للبظان عموما أن يتئدوا ويتحققوا من تفاصيل البناء الذي يدخلونه وهندسته الداخلية، فلا يمكن إطلاق الأحكام عليه قبل الاطلاع الكامل على أرجائه التي تبدو بسيطة بساطة الإبداع الذي لا تكتشف صعوبة استيعاب أبعاده وخصائه إلا بعد تأمل كثير ودراسة معمقة.
إن عدم التسرع فضيلة معرفية خاصة في تقويم الظاهرة الثقافية البظانية بطريقة غير مستعجلة حتى لا تفاجئ المتعجلين معلومات ومعطيات لاحقة عن بقية البناء المركب بعناية -اتفقنا معه أم لم نتفق- فلا فائدة للتسرع في الأحكام حياله.
هذا السلوك المنهجي المتأني يجنب الشباب الطموحين لإصدار أحكام غير مكتملة صدمة و إحراج تكذيب أنفسهم بأنفسهم لاحقا، والتراجع المفجع عن أحكامهم إن لم تستكمل شروط الإحاطة بالمجال.
لي عودة إلى الموضوع لاحقا من زاوية ثالثة. مع اعتذاري، و علمي أنني أطلت المقال كثيرا. ولكن أرجو -في كل الأحوال- أن أكون قد أفدت.
الدكتور/ محمد ولد أحظانا
