خالد عبد الودود
شاعر وطبيب
منذ الأزل اختار الأنبياءُ وأولو العزم والمصلحون والسادةُ أشواك الطريق على الشراشف الوثيرة والظلال.
و بكى صاحبُ الضليل لمّا رأى الدربَ دونه رَهَبًا لا هرَبًا، وأيقنَ أنهما لاحقان بقيصر، فثبّته بخيّارَيه: القصرُ أو القبر:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقنَ ..أنا لاحقان بقيصرَا
فقلتُ له لا تبكِ عينُك إنما
نطالبُ ملكا أو نموت فنُعذرا.
ولو أن مسلم ابن عقيل مكث في بيت أبيه بمكة ما تناهشته سيوفُ أهل الكوفة ولولا رأي أبي عبد الله ما كانت كربلاءُ ولا وقعةُ الحرة ولا "مَقاتل الطالبيّين" ...
فسيفُ بن ملجم لم يُسل دمَ أبي السبطين في محرابه فقط؛ وإنما أسال حِبرا وأشعل حربا وقودها الناسُ إلى يومِ الناس هذا ...
أفتعجبون وستكثرون علينا أن ندفع من أعراضنا ما دفعه أسلافُنا من دمائهم!
ألا ساءَ ما تحكمون
إن الكلمةَ تيمةُ الحياة، والنفوس المطمئنةُ لا تُخيفُها الأمّارةُ بالسوء الفعّالةُ الخَنَا، وإنّ لنا كلمة باقية في العقِب منذ رفعَ إبراهيمُ وإسماعيل القواعد مِن البيت، عليها ومن أجلها نموت، لا تخيفنا فيها سيوف ولا ترهبنا منها حُتوف
يريد الجُبناء أن يَخلُ لهم وجه البلاد، فيمارسون تهشيمَ رؤوس الحروف إذا أينَعَت، وقطع السياط التي أوجعَت، ويخافون أهل النفوس الكبيرة التي لا ترضى أن تشرب ماء الحياة بذلّة، وإنا لهم لقاهرون....
لن أكون مُنشِدًا في جَوقَةِ العُميان، ولا أملك غُفران المسيح فأُدير خدّي لكل لاطِم، بل أضربُ وأوجِع ولا أُبالي...
فلوْ أنما أسعى لِأدنَى معيشةٍ
كفاني ولم أطلب قليلٌ من المالِ
ولكنما أسعَى لمجدٍ مؤثّلٍ
وقد يُدركُ المجدَ المؤثَلَ أمثالي.
لا أستغرب أن يتداعَى علَىّ كلُ دَعِيٍّ وفرِيّ، فهوَ حِملٌ أنا به زعيم، ولكني أعجبُ لِصمتِ وذِلّةِ وصَغارِ أهل الحق عن حقهم، ومسايرة أهل الباطل على باطلِهم، اتقاءَ شرٍّ هم فيه واقعون، وسيكون أوقعَ بهم إذا انتصر الباطلُ ذاتُه، ولاتَ حين مَندم
أعرف أن خياطة النُّدَب والجروح تحتاج تخديرا، لكنني أرى أن جراح الشعوب يجب علاجها وخياطتها وشفاهُ الجرح قانِيّةً مُحمَرّة دون "تخدير"، بل يجب أن يكون الإحساس بالألم تامّا والوعي به كاملا ، والنزيف رأي العَين حتى يكون الالتئام أنقى والشفاء أكمل، وهذا ما أقوم به تماما ..
لا أهتم لصراخ السفَلة، بل كلما أزعجوني آثرتُ الكَيّ على شَقِّ المشارِط و وَخزِ الإبَر
حين يُشفَى أولئك "المرضى" سأُريهم مغارسَ أظافرهم في جسدي وجراحاتهم التي أحدثوها، وسيكون إحساسهم بالندم أجمل من فرحتهم بالشفاء، حينها فقط سيعلمون أنهم كانوا -على كثرتهم- أضعف ناصرًا وأقلّ عددا.
