محمد غلام الحاج الشيخ
يفسر خبراء المتفجرات مظاهر الهدم فيزيائيا بأنها نتيجة فراغ في الأكسجين يحدثه انفجار الديناميت، وخلال لحظات يتداعى الهواء لسد الفجوة التي أُحدثت في موقع الانفجار، فيحصل الهدم الذي يحول شواهق العمائر إلى ركام تذروه الرياح.
ذلك بالضبط ما حصل لي؛ فقد شعرت مع خبر رحيل أمي بذلك الفراغ الهائل في كل شيء من حولي، ثم تداعت عليّ عواصف الهموم والغموم، فانهد لها كياني، وذابت نفسي وتمزقت روحي؛ فقد كان نبأ رحيلها خبرا مفزعا "فزعت فيه بآمالي إلى الكذب" حسب تعبير المتنبي، فلأول مرة يتقطع الأمل من لقائها في هذه الفانية!
لقد تداعت عليّ الأحزان من كل جانب، فرجّتني رجا عنيفا، وتركتني في حيرة من أمري، أعاني فراغا لا يدانيه فراغ؛ أعاني فراغا قدر الله أن لا يملأه شيء غير العناية الإلاهية؛ {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
أمي.. روحي.. مَنبِت الحب الذي لا يبلى، منبع الحنان الذي لا يغيض، كهفي الذي كنت ألجأ إليه مستجيرا من هجير الحياة وعنَتِ الأيام؛ فأجد الظل الوارف والسكينة الغامرة، فقد كانت رحمها الله جبلا من الحنان يرعاني، وركنا من الدعاء يحرسني!
كنت آتيها بعد صلاة الفجر فألتحف بطرف لحافها، وأستمتع بدندنتها في الأدعية، وتأوهها في الأذكار. ورغم ما تكون فيه من خشوع وتأمل؛ فقد كانت تفسح لي في مجلسها، وتربِت بأناملها الحانية على موضع الصلع من رأسي، فأحس بأنني عدت عقودا إلى الوراء، وأنني رجعت طفلا يتلقى العناية لا كهلا تتكسر فيه النصال على النصال!
وأحس بقوة في العزيمة وجلد على نوائب الحق وعاديات الأيام.
وإني طالما تأملت في حقيقة الأمومة وطبيعة الأم، فوجدت أن الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى؛ جعل في الأمومة ألطف رعاية، وأرق شعور، وأعذب رحمة، وجعل في حضن الأم روحا من الحنان الفياض والحب الغامر والأمل الفسيح!
وها أنا ذا أفقد كل ذلك فلا يبقى لي غير الذكرى والحنين؛
سقى مثواك غاد في الغوادي!
لقد كانت رحمها الله شلالا متدفقا من الكرم، ومحرابا يهتز بالذكر والتسبيح؛ فكانت منذ أيام شبابها قوّامة بأعباء العبادة أوّاهة منيبة، قانتة آناء الليل وأطراف النهار.
وعندما تقدم بها العمر ودنت شمسها للمغيب؛ لم تزدها السنين إلا رسوخا في العبادة وجِدّا في استباق الخيرات واكتساب الباقيات الصالحات.
كانت رحمها الله من أهل الدعاء تضرعا واستجابة، وكانت من أمثل أهل زمانها في القراءة وحسن الخط، ومن أفضل من يعلم الأطفال التهجي ويعبِّد لهم سبيل القرءان الكريم ميسرا ذلولا.
كانت أمي من أيام شبابها متعلقة تعلقا عجيبا بالحرمين الشريفين، وبجوار الحبيب الأكرم صلى الله عليه وسلم، وكان لها في ذلك ما يعجز القلم عن تسطيره؛ فشوقها لا ينقطع مهما اعتمرت أو حجت، فهي لا تسمع صوت طائرة إلا وتمنت أن تحملها إلى البيت العتيق، ثم إلى الروضة المشرفة، وإن رزقت تمرا من المدينة ظلت طاوية عليه كي لا يختلط مع غيره في أمعائها. أما إن كان لباسا أُدخل الحرم النبوي أورُش بزمزم فلذلك تقديس خاص. وعندما وصلت مكة المكرمة أول مرة كفّت عن الطعام ثمانية أيام متتالية، لا تتناول غير زمزم ولا تبرح المسجد الحرام.
كان قلبي يتقطع من الشعور بالعجز وأنا أستمع إلى حنينها في تولّه، وهي تترنم بصوت شجي ذائق:
أحن.. أحن إلى الجبال الشامخات
حنين الهيم للماء الفرات!
لم ينقطع أملها في الكريم الرحيم سبحانه يوما وقد تجاوزت التسعين في ضعف وشيبة.
كانت تقول لمن يفندها في ما ترى وتأمل: إن الذي بيده الملكوت هو الله وإنني سائلة ربي وهو الكريم المتعال جوارا لحبيبه ودفنا في البقيع الشريف.
كانت لا تفتأ تردد حديث عمر عند البخاري "اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وموتا في بلد حبيبك"!
وعندما أخبرني بعض مرافقيها بشدة مرضها وأنها لم تعد تتغذى إلا بالمغذي، وأن لا فائدة من نقلها في هذه المرحلة من العمر، إلى الجوار المشرف، ثم بقيع الصحابة؛ قلت لهم: إن ربي لطيف لمايشاء، وإنه أكرم وأرحم من أن يمنعها من حلم عمرها وقد دنا إلى هذا الحد.
رحلت الوالدة بحمد الله في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت الصلاة عليها بعد الفجر في الحرم النبوي الشريف، ثم دفنت في البقيع الطاهر.
أيها القراء الكرام؛ لقد كتبت هذه الحروف بعسر، وبللت كل حرف منها بالدموع، وما زلت أترنّح من هول المصاب وعظم الرزء.
لقد تمنيت أن لم أفارقها يوم غادرت، وأني شفيت غليلي من رفقتها والحديث العذب معها، فلا تندموا كما ندمت، ولا يضع وقتكم بعيدا عن أمهاتكم، ولا تفرطوا في إثلاج صدورهن بالقرب منهن والمعروف لهن.
أدري بأن كثيرا منكم اتصلوا يحاولون التعزية بعد فواتها، فهل أدلكم على ما يسعدكم ويشفي غليلي؟ بروا أمهاتكم.. من كانت له أم فالبدار البدار ببرها، قبّلوا نيابة عني قدميها، وحاولوا نبش الجنة من تحت أقدامها.. فإن أبت لكم فقبلوا رأسها وقدموها على الولد والزوج، خاطبوها بلطف، وعاملوها بتقديس، عوضوها ما ضاع من عمرها في سبيل تربيكم ورعايتكم.
في الأخير لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل مع الدعاء الحار لكل من كان سببا في تحقيق رغبتها وتجسيد حلمها بالجوار المشرَّف ثم البقيع الطاهر.
