عربي 21/ عثمان لحياني
جددت الجزائر مطالبتها بإطلاق مسار مراجعة شاملة لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الذي وقع عام 2002، في خضم جولة سياسية يقوم بها وزير الخارجية أحمد عطاف شملت حتى الآن كلا من كرواتيا وبلجيكا وسويسرا، حيث ترى الجزائر أن هذا الاتفاق لا يراعي مصالحها التجارية والاقتصادية، وطالبت بتسهيلات لولوج منتجاتها الى الأسواق الأوروبية، في ما يبدو أنه ضغط سياسي جزائري في خضم أزمة الطاقة وتزايد احتياجات أوروبا لمزيد من امدادات الغاز الجزائري.
وبرأي الخبير الاقتصادي وعضو لجنة الشؤون الاقتصادية في البرلمان الجزائري، أحمد بلجيلالي في تصريح لـ"العربي الجديد"، فإن "هذه الظروف، ومع تركيز جهود حكومات أوروبية بالذات على وجهة الجزائر بما هي شريك إستراتيجي مستقر وموثوق يوفر مواد طاقوية، تمثّل فرصة مناسبة للحكومة الجزائرية، لطرح، وبكل فعالية وموضوعية ملفين هامين جديرين بأن يعيدا توازن المصالح بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، الأول باتفاق الشراكة، وفتح مسار تفاوضي جديد مع الشركاء الأوروبيين تجسيداً لمقاربة رابح رابح، والوصول الى أرضية توافقية لمراجعة الاتفاق بعيداً من المراجعة أحادية الطرف التي يمكن أن تقودنا لخلافات ترفع إلى التحكيم الدولي المفتوح على كل الاحتمالات"، مشيراً إلى أن الملف الثاني يتعلق بالهجرة وحركة الأشخاص، بحيث بالإمكان الاستثمار في العلاقات الجيدة مع عدد من الدول الأوروبية لإيجاد مرونة أفضل في التعامل مع مواطنين الجزائريين فيما يتعلق بمسائل التأشيرة والإقامة.
وقد قال وزير الخارجية أحمد عطاف خلال لقائه نائب رئيس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو، قبل مغادرته بروكسل الأربعاء إلى سويسرا: "تطرقنا إلى الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، والتي تدعو بلادي إلى إدراجها ضمن مسار متجدد قائم على توازن المصالح ومراعاة الانشغالات المشروعة للطرفين"، مضيفاً أن هناك تقارباً في الموقف بين البلدين بشأن هذه القضايا.
وشدد على أنه رافع خلال لقاءاته مع المسؤولين البلجيكيين "من أجل تسهيل أفضل لولوج المنتجات الجزائرية إلى الأسواق البلجيكية والأوروبية، لا سيما المنتجات الزراعية والغذائية والمنتجات الحديدية والإسمنت ومشتقاته والمنتجات الصيدلانية"، حيث تعاني المنتجات الجزائرية غالباً من شروط تعتبرها الجزائر مجحفة من الجانب الأوروبي لتعطيل وصولها الى الأسواق الأوروبية، بفعل استحقاقات تضمنها اتفاق الشراكة الذي وقع في إبريل/نيسان 2002، كانت فيه الجزائر بصدد الخروج من أزمة أمنية وسياسية عاصفة، ما سمح للاتحاد الأوروبي بفرض شروط والتدخل في سياسات داخلية تخص الجزائر.
وتضمن اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي 110 بنود تغطي تسعة محاور هي الحوار السياسي، وحرية تنقل البضائع، وتجارة الخدمات، والمدفوعات ورؤوس الأموال والمنافسة وأحكام اقتصادية أخرى، والتعاون الاقتصادي والتعاون الاجتماعي والثقافي، والتعاون العالي في مجال العدالة والشؤون الداخلية والأحكام المؤسساتية العامة. ونص هذا الاتفاق في جانبه التجاري على إنشاء منطقة تجارة حرة للمنتجات الصناعية والتحرير التدريجي للتجارة بالنسبة للمنتجات الزراعية الغذائية والصيد البحري، كما نص على تحرير مجال حقوق التأسيس والخدمات، كما نص على بنود تخص حقوق الإنسان والحريات، وهو ما تعتبره الجزائر في الوقت الحالي تدخلاً في الشأن الداخلي الجزائري.
ومنذ اعتلاء الرئيس عبد المجيد تبون سدة الحكم نهاية عام 2019، قررت الجزائر مراجعة اتفاق الشراكة، وبداية من يونيو/حزيران 2021، بدأت الجزائر في فرض قيود على التوريد ودخول المنتجات الأوروبية، وبخاصة السلع والمنتجات التي لها مقابل من الإنتاج المحلي، في خطوة لتشجيع الشركات الجزائرية على توطين التصنيع في البلاد وأقرت تسهيلات جادة لذلك. وفي 31 أكتوبر/تشرين الأول 2021، أمر تبون الحكومة بإعادة تقييم بنود اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي "بنداً بنداً، وفق نظرة سيادية ومقاربة تراعي مصلحة المنتوج الوطني، لخلق نسيج صناعي ومناصب شغل". وتشير البيانات الحكومية إلى أن القيمة الإجمالية للتجارة في جميع المنتجات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي تجاوزت 31 مليار يورو، وبلغت صادرات الجزائر إلى الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد 18 مليار يورو، أغلبها من الطاقة، فيما بلغت وارداتها من هذه الدول نحو 12 مليار يورو من السلع والخدمات.
وفي يوليو/تموز الماضي، أعلن الاتحاد الأوروبي إمكانية البدء في إجراءات تحكيم تجاري ضد الجزائر، بشأن ما اعتبره "قيوداً فرضتها الجزائر على التجارة والاستثمار بشكل يخالف اتفاق الشراكة"، لكن الجزائر ردت على ذلك بشدة، وتتهم الجزائر صراحة باريس بالوقوف وراء تعطيل عقد مجلس الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي لبدء مفاوضات مراجعة الاتفاق، ويبدو أن الجزائر تعتبر أن الظروف الحالية المتسمة بأزمة الطاقة في العالم، وتزايد حاجة أوروبا إلى إمدادات جديدة من الطاقة من الجزائر تُعد فرصة مناسبة للضغط على الدول الأوروبية ودفعها لدعم مطالبتها باتفاق جديد، ولا سيما الدول المهمة في الاتحاد مثل إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا، وهو ما يفسر جولة عطاف على عدد من الدول الأوروبية، وتشمل كرواتيا وبلجيكا وسويسرا.
