بدي المرابطي.. شاعر ينصت صحافي يراقب مفكر يبحث في الجذور

بدي المرابطي.. شاعر ينصت صحافي يراقب مفكر يبحث في الجذور

الطيب ولد العروسي

Image removed.

نموذج المثقف الموسوعي والمبدع الملتزم

في المشهد الثقافي العربي المعاصر تظهر شخصيات استطاعت أن تجمع بين الإبداع الأدبي والالتزام الفكري، وأن تجعل من الكلمة أداةً للتعبير والتغيير في آن واحد. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم الدكتور بدي المرابطي بوصفه شاعرًا ومفكرًا وصحافيًا ومناضلًا ثقافيًا حمل هموم الإنسان العربي في كتاباته، وسعى إلى بناء رؤية فكرية تتجاوز حدود النقد إلى آفاق الإصلاح والتنوير.

لقد شكّلت تجربته نموذجًا للمثقف الذي لا يكتفي بوصف الواقع أو تسجيل معاناته، بل يعمل على تفكيك أزماته واقتراح مسارات للخروج منها.

يمثل بدي المرابطي حالة ثقافية متفردة، إذ تتداخل في شخصيته عناصر متعددة: الشاعر الذي ينصت إلى نبض الروح، والروائي الذي يلتقط تفاصيل التحولات الاجتماعية، والصحافي الذي يراقب الواقع بعين ناقدة، والمفكر الذي يبحث في جذور المشكلات الحضارية والسياسية والثقافية. ومن هنا جاءت كتاباته محملة بأسئلة الحرية والعدالة والهوية والمعرفة، ومفعمة برغبة دائمة في إعادة التفكير في واقع الأمة العربية ومستقبلها.

الأصالة وأسئلة الحداثة

 

◄ الشعر عند بدي المرابطي لا يظهر بوصفه ترفًا جماليّا أو لعبة لغوية، بل باعتباره موقفًا من الحياة

وُلد الموريتاني بدي المرابطي في بيئة ثقافية غنية بالتقاليد العلمية والأدبية، حيث تشكل وعيه المبكر بين أجواء المحاضر الموريتانية التي حفظت التراث العربي والإسلامي عبر القرون، وبين التعليم الحديث الذي فتح أمامه آفاقًا جديدة للتفكير والمعرفة. وقد كان لهذا التداخل بين عالمين أثر عميق في تكوين شخصيته الفكرية والأدبية.

في بيت جده عبدالحي بن التاب تعرّف على القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية وأصول الثقافة الإسلامية، فكانت تلك المرحلة بمثابة الجذور الأولى التي غذّت مخيلته وأكسبته حسًا لغويًا رفيعًا. وفي الوقت نفسه أتاح له التعليم الحديث الاطلاع على الأدب العالمي والفكر الفلسفي والعلوم الإنسانية، فوجد نفسه في مساحة حوار مستمر بين التراث والحداثة.

لم يكن هذا التداخل مصدر تناقض بالنسبة إليه، بل تحول إلى مصدر ثراء فكري. لاسيما وأنه أدرك منذ وقت مبكر أن النهضة الحقيقية لا تقوم على القطيعة مع الماضي ولا على الارتهان الكامل للنماذج المستوردة، وإنما على حوار خلّاق بين الأصالة والمعاصرة. ولهذا ظلت هذه الفكرة حاضرة في معظم أعماله الأدبية والفكرية.

الشعر: البوابة الأولى

كان الشعر أول الأبواب التي دخل منها بدي المرابطي إلى عالم الإبداع. ففي سن مبكرة بدأ يكتب القصائد متأثرًا بالبيئة الأدبية التي نشأ فيها، حيث كانت اللغة والشعر جزءًا من الحياة اليومية. وقد وجد في الشعر وسيلة للتعبير عن ذاته وعن الأسئلة التي كانت تؤرق جيله وأمته.

تأثر في بداياته بأصوات أدبية عربية كبيرة، فقرأ لجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وتأمل تجربتهما الإنسانية والفلسفية، كما استلهم من نزار قباني حساسيته الشعرية ومن طه حسين منهجه النقدي وجرأته الفكرية. ومع مرور الزمن استطاع أن يشق طريقه الخاص، وأن يصوغ لغة شعرية تجمع بين الرمز والوضوح، وبين البعد الوجداني والانشغال بقضايا المجتمع.

لا يظهر الشعر عند بدي المرابطي بوصفه ترفًا جماليًا أو لعبة لغوية، بل باعتباره موقفًا من الحياة. فهو يرى أن القصيدة يمكن أن تكون شهادة على العصر، وأن تحمل في طياتها صوت المهمشين والمقهورين وآمال الباحثين عن الحرية والكرامة.

في أعماله الشعرية المختلفة تتكرر موضوعات الوطن والمنفى والحرية والعدالة والهوية، وتظهر الصحراء بوصفها رمزًا للذاكرة والجذور والاستمرارية، بينما تمثل المدن الحديثة فضاءً للتناقضات والتحولات. ومن خلال هذا التفاعل بين الرموز الطبيعية والهموم الإنسانية تتشكل عوالمه الشعرية التي تجمع بين الحس الجمالي والبعد الفكري.

الكلمة في مواجهة الواقع

 

من عمق الصحراء شكّل رؤيته للعالم

لم يكن بدي المرابطي شاعرًا منعزلًا عن قضايا مجتمعه، بل انخرط منذ شبابه في العمل السياسي والحقوقي، وشارك في الأنشطة المناهضة للاستبداد والداعية إلى الإصلاح والديمقراطية. وقد قاده هذا الانخراط إلى مواجهة مباشرة مع السلطة، فتعرض للاعتقال وخاض تجربة السجن التي تركت أثرًا عميقًا في مسيرته الفكرية والأدبية.

تحولت الزنزانة بالنسبة إليه من فضاء للقيد إلى مساحة للتأمل وإعادة اكتشاف الذات. ففي تلك الظروف الصعبة واصل القراءة والكتابة، واستطاع أن يحول المعاناة إلى مادة للإبداع والتفكير. وقد انعكست هذه التجربة في العديد من نصوصه التي تناولت قضايا الحرية والكرامة الإنسانية ومقاومة الظلم.

لم يكن السجن بالنسبة إليه مجرد حدث شخصي، بل تجربة كشفت له هشاشة الإنسان وقوة الإرادة في الوقت ذاته. ولذلك نجد في كتاباته اللاحقة حضورًا متكررًا لفكرة الصمود، وللإيمان بأن الكلمة الحرة قادرة على تجاوز القيود المادية ومواجهة محاولات التكميم والإقصاء.

إلى جانب الشعر والأدب خاض بدي المرابطي تجربة الصحافة بوصفها مجالًا آخر للتأثير في المجتمع. وقد نظر إلى الصحافة باعتبارها رسالة ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة. ومن خلال مقالاته وتحليلاته سعى إلى تسليط الضوء على القضايا السياسية والاجتماعية التي تشغل الرأي العام العربي.

 

◄ تجربته شكّلت نموذجًا للمثقف الذي لا يكتفي بوصف الواقع أو تسجيل معاناته، بل يعمل على تفكيك أزماته

تميز خطابه الصحفي بالجرأة والوضوح، إذ لم يتردد في نقد مظاهر الفساد وسوء الإدارة والانتهاكات التي تعيق تطور المجتمعات العربية. لكنه في الوقت نفسه كان حريصًا على أن يكون النقد وسيلة للإصلاح لا للهدم، ومنطلقًا من الحرص على مصلحة الوطن لا من العداء له.

ويرى بدي المرابطي أن الإعلام والثقافة يشكلان ركيزتين أساسيتين في بناء الوعي الجماهيري، وأن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن ينجح دون إعلام حر ومسؤول يسهم في نشر المعرفة وتعزيز قيم الحوار والنقد البنّاء.

تعدد الاهتمامات

من أبرز ما يميز شخصية بدي المرابطي اتساع دائرة اهتماماته المعرفية. فهو لم يكتف بالدراسات الأدبية والإنسانية، بل أولى الرياضيات والعلوم الاقتصادية والمالية الدولية اهتمامًا خاصًا. وقد منحته هذه الخلفية المتنوعة قدرة على النظر إلى القضايا من زوايا متعددة، وعلى تجاوز النظرات الأحادية الضيقة.

كما انشغل بالفلسفة ودرس اتجاهاتها المختلفة، من الفلسفات الكلاسيكية إلى المدارس النقدية الحديثة. وقد انعكس هذا الاهتمام الفلسفي في كتاباته التي تتسم بالنزعة التأملية والبحث المستمر عن المعنى.

هذا التعدد المعرفي جعله أقرب إلى نموذج المثقف الموسوعي الذي يسعى إلى الربط بين العلوم الإنسانية والعلوم الدقيقة، ويؤمن بأن فهم الواقع يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات.

ويشكل التعدد اللغوي أحد الجوانب المهمة في تجربة بدي المرابطي. فقد أتقن الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، واطلع على الألمانية واللاتينية وبعض العبرية، الأمر الذي أتاح له الوصول إلى مصادر معرفية متنوعة والتفاعل مع مدارس فكرية وأدبية متعددة.

لم تكن اللغات بالنسبة إليه مجرد أدوات للتواصل، بل جسورًا للحوار الحضاري. ومن خلال الترجمة والقراءة بلغات مختلفة استطاع أن يوسع أفقه الفكري وأن يطوّر رؤيته للعالم. كما أسهم هذا الانفتاح في إثراء تجربته الأدبية، حيث تظهر في نصوصه إشارات وتأثيرات متعددة تعكس تفاعله مع ثقافات مختلفة دون أن يفقد ارتباطه بجذوره العربية.

أعماق الإنسان والمجتمع

إلى جانب الشعر خاض بدي المرابطي تجربة الرواية التي أتاحت له فضاءً أوسع للتعبير عن رؤاه الفكرية والاجتماعية. وتعد رواية “أودية العطش” من أبرز أعماله الروائية، حيث يقدم من خلالها صورة رمزية لمعاناة الإنسان العربي في ظل القهر والاستبداد والتهميش.

في هذه الرواية لا يكتفي الكاتب بسرد الأحداث، بل يوظف الرمز والتأويل والتناص ليبني عالمًا روائيًا غنيًا بالدلالات. وتتحول الصحراء والوديان والعطش إلى رموز تعبر عن أزمات الوجود الإنساني وعن الحاجة الدائمة إلى الحرية والمعنى.

وتكشف الرواية عن قدرة الكاتب على الجمع بين الحس الأدبي والوعي السياسي، إذ تقدم نقدًا عميقًا للواقع دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية. كما تؤكد إيمانه بأن الأدب يمكن أن يكون أداة لفهم المجتمع وتحفيز التغيير.

ويتجاوز اهتمام بدي المرابطي حدود الأدب ليصل إلى التفكير في قضايا النهضة والتنمية والديمقراطية والهوية. فهو يرى أن الأزمة العربية ليست مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية، بل هي في جوهرها أزمة وعي ومعرفة وإدارة.

 

◄ أهم ما يميز تجربته هو التداخل الخلاق بين الإبداع والالتزام، وبين الحس الجمالي والانشغال بقضايا الإنسان والمجتمع

ومن هذا المنطلق يدعو إلى بناء مشروع ثقافي جديد يقوم على النقد الذاتي والانفتاح على التجارب الإنسانية الناجحة مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية. كما يؤكد أن الحداثة ليست تقليدًا أعمى للآخر، وإنما عملية تاريخية معقدة تتطلب إعادة بناء الإنسان والمؤسسات والقيم.

ويعتبر أن الحوار الفكري الصريح هو الطريق الأمثل لمواجهة التحديات، وأن المجتمعات التي تتهرب من مناقشة مشكلاتها بصدق تجد نفسها عاجزة عن تجاوز أزماتها.

يولي بدي المرابطي القضايا الاقتصادية اهتمامًا خاصًا، ويرى أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تنفصل عن العدالة الاجتماعية. ولذلك يدعو إلى بناء نماذج اقتصادية تراعي حاجات الإنسان وتضمن توزيعًا أكثر إنصافًا للثروة والفرص.

كما يعتقد أن الاقتصاد الإسلامي يمتلك إمكانات مهمة يمكن الاستفادة منها في صياغة سياسات تنموية أكثر توازنًا، شريطة أن يتم التعامل معه بروح علمية معاصرة بعيدًا عن الشعارات أو التوظيف الأيديولوجي الضيق.

وتتمحور رؤيته الاقتصادية حول ضرورة محاربة الفقر والبطالة وتعزيز الاستثمار في التعليم والمعرفة باعتبارهما الأساس الحقيقي لأي نهضة مستدامة.

التنوير وبناء الإنسان

من أهم الأفكار التي يدافع عنها بدي المرابطي إيمانه العميق بدور التعليم والمعرفة في بناء مستقبل أفضل. فهو يرى أن التحديات التي تواجه المجتمعات العربية لا يمكن التغلب عليها إلا عبر الاستثمار في الإنسان، وتوفير فرص التعلم والبحث والإبداع.

ولهذا يوجه اهتمامًا خاصًا بالشباب، ويشجعهم على القراءة والتفكير النقدي والانفتاح على مختلف مجالات المعرفة. كما يؤكد أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة أساسية لبناء مواطن قادر على المشاركة في صناعة المستقبل.

وأصبحت أعمال بدي المرابطي موضوعًا لعدد من الدراسات الأكاديمية والنقدية التي تناولت شعره ورواياته ومقالاته الفكرية. وقد ركز الباحثون على الجوانب الفلسفية والرمزية في كتاباته، وعلى قدرته على المزج بين الأدب والفكر والسياسة.

ويرى الكثير من النقاد أن أهم ما يميز تجربته هو هذا التداخل الخلاق بين الإبداع والالتزام، وبين الحس الجمالي والانشغال بقضايا الإنسان والمجتمع. كما أشادوا بغنى مرجعياته الثقافية وقدرته على بناء خطاب أدبي وفكري متجدد.

يمثل بدي المرابطي نموذجًا للمثقف العربي الذي جمع بين الشعر والفكر والصحافة والنضال الاجتماعي، واستطاع أن يجعل من الكلمة أداة للوعي والتغيير. فقد حمل هموم وطنه وأمته، وسعى من خلال أعماله إلى الدفاع عن قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

إن مسيرته تكشف عن إيمان راسخ بقدرة الإنسان العربي على تجاوز أزماته وصناعة مستقبله، كما تعكس قناعة بأن المعرفة هي الطريق الأهم إلى النهضة، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تفتح آفاقًا جديدة للأمل والعمل. وهكذا يظل بدي المرابطي مسافرًا دائمًا في رحاب الفكر والإبداع، باحثًا عن الحقيقة، ومنحازًا إلى الإنسان، ومؤمنًا بأن الغد يمكن أن يكون أكثر إشراقًا متى اجتمعت الإرادة الحرة مع الوعي العميق وجمال الكلمة.

الطيب ولد العروسي

كاتب جزائري