المسارات المتوقعة لحرب التعاسة في الشرق الأوسط

المسارات المتوقعة لحرب التعاسة في الشرق الأوسط

د. محمذُ أحظانا

 

  

السؤال المحوري: ماهي المسارات المتوقعة لحرب التعاسة الجارية في الشرق الأوسط؟      

تقديمة

ابتداء: 

أرجو أن يقرأ المعنيون بالشأن الحكومي العام في بلادنا؛ مهما كان انشغالهم، هذه السلسلة المتعلقة بانعكاسات حرب التعاسة الخليجية على العالم و على وطننا موريتانيا، علها تنير إسقاطاتهم التنموية والتسييرية فيتعاطون مع المضاعفات تعاطيا استباقيا، حتى لا يقعوا في ارتجال الطوارئ، إذ العالم شديد الترابط. وقد قال طرفة بن العبد في نصح المتصدرين: 

 ..ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا* 

ويأتيك بالأخبار من لم تزود* 

ويأتيك بالأخبار من لم تبع له* 

بتاتا ولم تضرب له وقت موعد. 

وخبرا: 

عندما عرّفنا -سابقا- الحرب الجارية حاليا في الشرق الأوسط بأنها "حرب التعاسة"، فالتوقع المناسب أن تكون نتائجها من جنسها تعيسة. 

هذا عموما، فهل سيصدّق الواقع ما يذهب إليه الاستنتاج العقلي البدهي؟ لكي نجيب على هذا السؤال  سنطرح ثلاثة أسئلة تفصيلية ذات طبيعة مستقبلية استشرافية:   -السؤال الأول: ما المسارات المتوقعة لحرب التعاسة الجارية حاليا؟   

- السؤال الثاني: ماهي النتائج المباشرة والمتولدة المترتبة عليها؟          - والسؤال الثالث: ما هي انعكاسات هذه الحرب على التعاون الخليجي العالمي؛ وخاصة على موريتانيا نموذجا لمثلها من دول الجنوب؟      

سأجيب في مقال اليوم على السؤال الأول. وأجيب على السؤالين الأخيرين لاحقا.          

المعالجة:

 المسارات المتوقعة لحرب التعاسة الجارية في الشرق الأوسط:  

نستطيع أن نحدد ثلاثة مسارات  محتملة لهذه الحرب:   

- اتجاه التوقيف التدريجي أو المفاجئ؛

- اتجاه الاستمرار على نفس الوتيرة؛  

- و اتجاه التطوير النوعي والتوسيع الجغرافي.  

فأي هذه المسارات أرجّح؟       1 - حسب التمني: 

 أرغب في الاحتمال الأول الذي هو التوقف التدريجي أو المفاجئ عن الحرب، هذا مع أنه خيار عقلاني لمسار جنوني متفاقم، وعبثي النتئج. 

لكنني استبعد وقوعه من خلال تحكم اللامنطق في وتائر حرب التعاسة هذه، فهي حرب الحسابات الخاطئة، وضبابية الرؤية، وعاطفية الدافع (رهاب النتن.. المعدي لترامب)، ووحشية المنهج،  وارتباك الرأي، وعشوائية الوجهة، و عمى الأهداف، ونزعة الثأر.. و انطلاقا من (فلسفة اترا/هو) فلا أتوقع أن يوقفا حربا لم تحقق بعد هدفا واحدا من أهدافهما المعلنة ولا الخفية؛ بل جلبت لهم خسائر غير متوقعة. 

ولكن الطبيعة الاستعراضية  والهوس الانتخابي والإعلامي، والغرور بالقوة الشعواء.. تمنع اترا/هو من إيقافها حاليا. فلا أتوقع أو يسلكاه.  

 2-  اتجاه الاستمرار على نفس الوتيرة:   

يكاد يكون هذا الاحتمال مطروحا بوجاهة لقربه إلى النجاعة والحفاظ على "الشرف وماء الوجه"، رغم أن الوتيرة الحالية عالية جدا، والتخلي عن إيقاعها يستدعيه حجم الخسائر الهائلة على جميع الصعد؛

 لكن العامل اللوجستي (التمويني) الدائم يقف بالمرصاد في وجه هذا الاحتمال، فمآله أن يكون حرب استنزاف مرهقة، تدور على نفسها دون جدوى. وإذا كان النتن.. يريدها كذلك لارتباطها بمصيره السياسي، فاترامب ينفر منها نتيجة ضغط جبهته الداخلية، وفداحة التضخم المستشري، والتهديد الاقتصادي لكل المستويات المالية الاقتصادية العالمية والآميركية (بورصات- سندات- انهيار أرصدة- أسواق عملات، تضخم أسعار، ارتفاع تكاليف نقل، وتأمين السفن- الندرة..). 

لقد تحولت هذه الحرب النتنياهية بامتياز، من حرب سياسية انقلابية هحينة إلى حرب اقتصادية ضارية تكرس تعاسة كل الأطراف بالمباشرة والعدوى. وهي إلى ذلك،  باهضة التكلفة، عظيمة الخسائر، ولا يمكن الصبر على نزيفها طويلا؛ ومن ثم فإنني استبعد سير الحرب في هذا المسار.     3- اتجاه التوسيع و التطوير: 

يتمثل هذا المسار في  

* - توسيع الحرب من الاقتصار على إدرة اترا/هو ذي الوجهين، إلى الحلفاء ألألداء من أوروبا، والخليج، والعالم.. سعيا إلى توريطهم في حرب تعاسة تدمرهم هم، ولا تتفعه هو، بعد عجزه عن حسمها وحده، وتهربهم السابق منها باعتبارها حرب النتن.. وحده؛  يدخلونها مكرهين رغم أنوفهم التي كسرها لهم اترامب قبل أقل من شهرين في اگرينلاند وغيرها.   

* - التطوير والتحوير: 

ويكون عبر حملة عسكرية جماعية جديدة يتحدد هدفها المعلن في حماية ممر هرمز، واحتلال جزيرة خرچ.. وهدفها الخفي هو مواصلة تدمير إيران لتركيعها واستسلامها، واستعمارها، ولو بتدخل بري.

ورغم هامش المجاملة وارتفاع منسوب التُّقْية من اترامب في أوصال الحلفاء الألداء، والوعي المقابل  بالسفه الظاهر في حرب أكثر عبثية من حرب الرئاسة والانقلاب الهجين؛ فإن مماشاة اترا/هو في هذا المسار سيجد مناصرين أخفياء وعلنيين، بدرجات متفاوتة. 

هذا الاحتمال الثالث هو الأرجح عندي. لأنه الأكثر سوءا و عبثية، وعاطفية.   فحتى لو استكمل اترا/هو شروط تطوير الحرب من حرب تغيير حكم، إلى حرب اقتصادية صرفة وهدامة على سنة شمشون، فإنها لن تحقق أهدافها كسابقتها، وذلك لسببين: 

- السبب الأول: أن القوة الكافية للاستيلاء على الأرض غير متاحة. لا بريا ولا بحريا؛ فسفن الإنزال بحجم محدود، ومهددة بالإغراق إذا اقتربت، ومن الصعب حشد جيش لا يقل عن أربعمائة ألف مقاتل: تزحف من البر العراقي، مثلا ، مع صعوبة تحصيله حتى ولو توفر له المال والسلاح و استحالة قبول العراقيين لاحتلال أرضهم من جديد، وكثرة تأييد إيران جماهيريا فيها. والإنزال الجوي لا جدوى منه في القتال الطويل على أرض معادية، أحرى أمام قوة برية كبيرة تدافع عن أرضها بضراوة عقدية. 

قد يكون سيناريو هذه الحرب البرية أو البحرية مكتوبا كتابة "رائعة" -حسب لغة اتراهو- ولكن تمثيلها على أرض الواقع بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا..    

-السبب الثاني: الكوارث الاقتصادية الهائلة المرتدة بفقدان 50% من الطاقة العالمية الغازية النفطية، ذات الأثر المدمر لجميع مفاصل الاقتصاد العالمي، المؤثر على التضخم في آميركا تأثيرا زلزاليا.         - هل سيكون هذا الخيار هو اختيار اتراهو؟  

 لأن هذا الخيار هو الأسوأ على الإطلاق، والأبعد عن الرشد؛ أرى أنه هو الخيار الأمثل لدى اترا/هو.

كما أرى أنه سيفشل فشلا ذريعا في النهاية، حتى ولو طلب هدفا فوق فشله "الرائع".