سعيد يقطين
مضى لي زمن طويل على التعرف على يقظان، كانت مكتبة دار المشرق الفضاء الذي ظل يجمعنا. لاحظ في البداية أنني كلما ولجت المكتبة أطلب قصة حي بن يقظان، وأنني أدون منها ما أشاء قبل أن أنتقل إلى كتب أخرى. استوقفني مرة، وأنا أحاول الخروج من المكتبة، ودعاني لتناول قهوة. كنت مستعجلا، وأنا متردد من التواصل معه، لطبع يدفعني ألا أثق في شخص، ولا أجالسه إلا بعد التعرف عليه بشكل يجعلني أطمئن إليه. اعتذرت له بلباقة، ووعدته بأن نلتقي مرة أخرى. وفعلا كانت لنا فرص كثيرة للقاء والحوار. استأنست به كثيرا، وبدا لي أن هناك نقاط اشتراك بيننا لا حد لها، بعد أن امتد حبل التواصل بيننا وتقوى إلى حد أنه استحال عليّ ألا أفكر فيه، أو التهرب من اللقاء به، لبلورة ما بيننا من أواصر تعمقت لديّ بعد أن تكونت لديّ صورة دقيقة عن شخصيته وطريقة تفكيره، والهواجس التي تملأ وجوده وذهنه.
حدث أن غاب عني مدة طويلة، لقد اختفى نهائيا عن ناظري، ولم يبق له أي حضور في المكتبة كما كان سابقا. وفجأة وجدته يوما في المكان الذي تعودت الجلوس فيه. تبين لي من تجربتي مع من أعاشر من الناس أن من تباعدت بيننا الشقة، وطالت مدة عدم التواصل معه، ألا أتعامل معه بالطريقة المألوفة التي كانت بيننا، حين كان التواشج يوميا وقويا. بدت لي سحنته متغيرة جدا عما عهدته. فأردت بعد السلام أن «أقلقله» كما نقول في الدارجة. وليس للقلقلة، وجذرها من «ق.و.ل» سوى معنى تحريك ما في رأسه ليقول ما عنده من جديد، لأتعرف عليه مجددا، ونستأنف علاقتنا بطريقة جديدة. قلقلته بالسؤال التالي:
ما الذي يجعل حيا بن يقظان مختلفا عنك؟ أقبل عليّ بوجه بشوش، ونظر وتفكر وقال ما استحضر، بعدما تبين له ما في السؤال من استفزاز مقبول، وطلب إفراغ ما طرأ عليه بعد طول غياب:
عاش والدي رحمه الله في جزيرة نائية عن العمران، وكانت بها أحراش وغابات تأوي إليها مختلف أنواع الوحوش والدواب، أليفة وضارية. ولقد نجح بدهائه الاستئناس ببعضها، ودفع شر بعضها الآخر عنه. ولعل أهم شيء أدركه هناك، هو أنه رأى نفسه مختلفا عن كل ما يحيط به، ولم يجد له نظيرا يشبهه أو يماثله. لقد جعله هذا الاختلاف يحس بالتميز عن كل شيء، فنأى بنفسه عن الاعتراف بأنه واحد مما يعيش بينهم. وكان له مما زوده الله به من مدارك وأحاسيس وقدرة على التمييز والمقارنة، أن بات يتأمل نفسه، ويتعرف على العالم وما فيه من كائنات حية، وتقلبات جوية مصدرها السماء. فكان ذلك سببا في كونه بدأ يتحول مع الزمن، وينتقل من حال إلى آخر. فبدأ يتأمل فيما تقوم به بعض الحيوانات في أحوال الرغبة والشهوة، وما شاكلهما. وبذلك راكم معرفة واسعة بها، ولا أخالك إلا مطلعا على الكثير من تفاصيلها وجزئياتها في قراءاتك لسيرته. فكان يرى الأشياء على ما هي عليه، وصارت معرفته ملائمة ومطابقة لما يجري من حوله. فبدأ ينظر ليس فقط بعينيه، ولكن بقلبه وحواسه وعقله، فانتهى إلى ما انتهى إليه من معارف، لا يمكن أن يمتلكها غيره ممن عاش في عالم طبيعي خالص مثل عالمه.
بعد عودته إلى الجزيرة ليواصل ارتقاءه في معرفة الإنسان والعالم، وما وراء كل منهما من حقائق محجوبة عن غيره من الناس. كبرت في عالم غير طبيعي. فالمدينة عامرة بمختلف أنواع البشر المتشابهين. بدأت بالتعرف عليهم بدءا من ثدي الأم إلى الأصوات المختلفة لكل من كان يحيط بي. وتبين لي، بعد أن صرت قادرا على التمييز، أن كل من كان يحملني يستنطقني، ويدفعني إلى سماع ما يقول، ويكون لفرحه حد لا سبيل إلى وصفه، وأنا أحاول ترديد ما ينطق به على غراره، وإن كنت في البدايات لا أنطق الكلمات التي يرددها بالصورة التي يرتضيها. وبدا لي مع الزمن، وأنا أكبر أنني بت قادرا على الكلام. وكانت تلك أولى علاقتي بالعالم. بدأت أعبر عن أحاسيسي ليس فقط بالبكاء، أو الضحك، كما كنت أفعل. صارت اللغة أول رابط يصلني بالعالم البشري. وهذا سر اختلافي عن حي.
تساءلت مرة في لحظة شرود: لماذا الضحك عكس البكاء؟ والأبيض نقيض الأسود؟ فلماذا لا يكون نقيض البياض هو الحمرة؟ ولماذا الفرح نقيض الحزن؟ في قصة عبد الله البحري، كان السكان المائيون يفرحون لموت أحدهم، ويقيمون الأفراح والولائم عكس ما يقوم به أهل البر. هذا هو عالم المدنية يغتبط فيه الناس بالسماع، وكلهم ضحاياه. كلهم يتكلم ويسمع في الوقت نفسه، وبهما يعيشان أبدا.
قلت له: ولكن روبنسون كروزو عاش بدوره شطرا من حياته في عالم طبيعي، ولكنه بقي مختلفا عن. فلماذا لم تتغير حياته كثيرا، وبقي يعيش على السماع كما تتوهم؟ أجابني موضوع سأناقشه معك، وأكتفي بقول: إن الحكمة المشرقية ترى. أما الغربية فتسمع. وهنا يكمن الفرق بين العالم الطبيعي والمدني. وعاجلني بفضول زائد: كنت أنتظر أن تسألني عن غيابي؟ ولم تفعل. لقد توصلت في غيابي إلى أن حي بن يقظان هو وحده الذي رأى، وكلنا ضحايا السماع. أردت أن أسأله، فاعتذر قائلا: إنه مستعجل، واعدا إياي بلقاء بعد غيبة قصيرة. وسرعان ما عاد إليّ، مفجرا قنبلة في وجهي؟ إذا أردت أن ترى، حاول إغماض عينيك لتسمع بهما. وهرول مبتعدا كيلا أجره إلى حوار لا ينتهي.
