ليلى شهيد.. المثقفة التي غيرت وجه القضية الفلسطينية في أوروبا

ليلى شهيد.. المثقفة التي غيرت وجه القضية الفلسطينية في أوروبا

كانت امتدادًا حيًّا لحكاية فلسطين نفسها

فوجئتُ، كما فوجئ كثيرون غيري، بنبأ رحيل ليلى شهيد؛ تلك المرأة التي عرفناها نشِطةً لا تعرف الكلل، متواضعةً رغم ما تقلّدته من مناصب، ومناضلةً جمعت بين النبل الإنساني والإيمان العميق بالقضية الفلسطينية، بل وبالقضايا العادلة في العالم.

لم يكن حضورها في المؤسسات الثقافية والإعلامية حضورًا بروتوكوليّا عابرًا، بل كان امتدادًا حيًّا لحكاية فلسطين نفسها؛ تلك الحكاية التي لم تكن يومًا مجرد صراع على أرض، بل صراعًا على الحق في الوجود، وعلى حقّنا في أن نُرى كما نحن، لا كما يُراد لنا أن نُختزل في صور نمطية أو اتهامات جاهزة.

الدبلوماسية المثقفة

إيمانها أن الثقافة جسر لا يقل أهمية عن السياسة، وأن المعركة على الوعي لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض

بالنسبة إليّ، لم تكن ليلى شهيد مجرد سفيرة لفلسطين في عواصم أوروبية كبرى، بل كانت قريبة من الجميع، على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم. وهذا ما جعلها نموذجًا نادرًا لما يمكن أن تكون عليه الدبلوماسية حين تتسلّح بالمعرفة، وتستند إلى ثقافة واسعة، وتنبض بوعي تاريخي وأخلاقي. لقد جسّدت، بمواقفها وخطابها، صورة “الدبلوماسي المثقف” الذي لا يكتفي بترديد المواقف الرسمية، بل يعيد صياغتها ضمن خطاب إنساني وأخلاقي يخاطب ضمير العالم قبل أن يخاطب مؤسساته.

 كانت حاضرة في وسائل الإعلام، وفي مجالس النواب، وفي الجامعات ومراكز البحث، بثقة الباحث الرصين لا بانفعال الخطيب، وبحجة القانون الدولي لا بشعار اللحظة.

استطاعت أن تفرض نفسها في وسائل إعلام لم تكن يومًا متعاطفة مع القضية الفلسطينية، بل اتسم بعضها بعداءٍ واضح لها. غير أنها لم تدخل تلك المنابر بروح المواجهة الغاضبة، بل بعقلٍ بارد وحجةٍ دامغة.

لم تكن تخاف من محاوريها، مهما علت مناصبهم السياسية أو الدبلوماسية، ولم تتردد في مناظرتهم بندّية كاملة. كانت تخاطبهم بقناعة راسخة لا يتسرّب إليها الشك، وتعرف مسبقًا أساليبهم في الالتفاف على الحقائق، فتستدرجهم إلى ساحة خطابها المحكم، حيث القانون الدولي، والوقائع التاريخية، والمبادئ الإنسانية. وكثيرًا ما كانت تترك محاورها في حرجٍ ظاهر؛ لأنها كانت تدافع عن حقيقة، وعن أرض مغتصبة، وعن شعب يسعى إلى حياة طبيعية كبقية شعوب الأرض.

معركة الثقافة والوعي

 

نقلت القضية من خانة الانفعال إلى فضاء العقل
نقلت القضية من خانة الانفعال إلى فضاء العقل

 

حين كانت تزورنا في معهد العالم العربي بباريس، كنا نسارع إلى السلام عليها. ومع مرور الأيام، بدأت تحفظ أسماءنا واحدًا واحدًا، في لفتة تعبّر عن إنسانيتها واهتمامها بالتفاصيل الصغيرة. وبمناسبة “الربيع الفلسطيني” الذي كرّسته نشاطًا ثقافيًا بارزًا في وزارة الثقافة الفرنسية، استُقبل العديد من المثقفين والفنانين الفلسطينيين، ولاسيما أولئك القادمين من غزة تحت الحصار. فتحت لهم أبواب اللقاء مع الجمهور الفرنسي، على اختلاف توجهاته، وحرصت على أن يكون حضورهم متنوعًا وغنيًا، يعكس تعددية المشهد الثقافي الفلسطيني.

ولم تكتفِ بالإشراف الرمزي، بل جنّدت وسائل الإعلام، هي ورفاقها، للتعريف بالحدث، مما جعله يحقق نجاحًا لافتًا ويترك أثرًا عميقًا في الوسط الثقافي الفرنسي. وفي المقابل، استطاعت أن تقنع الدولة البلجيكية بإنشاء كرسي باسم الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

نموذج نادر لما يمكن أن تكون عليه الدبلوماسية حين تتسلّح بالمعرفة، وتستند إلى ثقافة واسعة ووعي تاريخي وأخلاق

لم تكن تتردد، كلما عزمت على تنظيم نشاط ثقافي أو فكري، في التواصل المباشر مع المؤسسات الفرنسية، والشخصيات العربية، وبعض المسؤولين العرب. كانت تؤمن بأن الثقافة جسر لا يقل أهمية عن السياسة، وأن المعركة على الوعي لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض. لذلك كانت حاضرة فعليًا في كل الأمكنة الحساسة، إلى جانب المدعوين، وفي الكواليس التنظيمية، وأمام المنصات الإعلامية؛ لإسماع الصوت الفلسطيني بوضوح واتزان.

أتذكر يوم افتتحنا “مكتبة غزة”، وكيف كان لحضورها صدى خاص. بعد مراسم الافتتاح، اصطحبنا المرحوم عون الشوّا، رئيس بلدية غزة آنذاك، لزيارة بعض الإنجازات التي تحققت في عهده، ومنها ساحة الشجاعية. كان عدد من الإعلاميين الفلسطينيين يغطّون الحدث، فيما كانت الأجواء مفعمة بالموسيقى الفلسطينية، ولاسيما أنغام الدبكة الشعبية.

كانت ليلى شهيد أول من دخل الساحة، ودعتنا إلى مشاركتها الرقص، في لحظة امتزج فيها الفرح بالفخر. لفت ذلك أنظار زملائنا وزميلاتنا في المكتبة، ومن خلالهم أسرهم التي تابعت الحدث بشعور عميق بالاعتزاز. في تلك اللحظة، لم تكن سفيرة بقدر ما كانت ابنةً لهذا الشعب، تشاركه الفرح كما تشاركه الألم.

وحين كنّا ننظم أنشطة في كرسي معهد العالم العربي، أنا والدكتور معجب الزهراني، كانت تحرص على حضور أغلب الفعاليات. وذات يوم استشرناها في تكريم عالم النفس الكبير مصطفى صفوان، أحد أبرز علماء النفس المعاصرين، المعروف بلقب “لاكان العرب”. شجّعتنا بحرارة، وأكدت أهمية الاحتفاء برموز الفكر العربي المعاصر. ولم تكتفِ بالحضور، بل جاءت ومعها باقة من الزهور هديةً للمكرَّم، وبقيت معنا حتى نهاية الحفل، تشاركنا النقاش وتبارك الجهد المبذول.

حضور مؤثر

حضورها الإعلامي نقطة تحوّل في السردية الفلسطينية
حضورها الإعلامي نقطة تحوّل في السردية الفلسطينية

 

أكنّ لها، على الصعيد الشخصي، احترامًا عميقًا. سعدت بلقائها مرارًا، وكانت تزورني في مكتبي، خاصة حين كنا نُعِدّ أنطولوجيا القصة القصيرة في فلسطين. كانت تسأل عن تفاصيل العمل، وتقترح أسماء، وتبدي اهتمامًا صادقًا بكل ما من شأنه إبراز الإبداع الفلسطيني. وبعد تقاعدها، تولّت مسؤولية جمعية “أصدقاء المعهد”، ولم تتغيّر حيويتها أو تواضعها؛ فكم مرة رأيتها توزّع برامج المعهد أو برامج الجمعية بنفسها في الطابق الأرضي، في مشهد يختزل روحها العملية ونفورها من الأضواء الفارغة.

في آخر مرة التقيتها، لاحظت على ملامحها شيئًا من الانزعاج. كانت تردّد كلمات توحي بعدم رضاها عمّا يجري في فلسطين، وكأنها تشعر بشيء من التهميش من بعض دوائر السلطة. ومع أنها كانت في مرحلة التقاعد الرسمي، فإنها لم تتوقف يومًا عن خدمة الفلسطينيين القادمين من هناك؛ كانت تستقبلهم، وتدلّهم، وتتدخل أحيانًا لتسهيل أمورهم. وكم من مسؤول تواصل معها طالبًا مساعدتها أو خبرتها. وهنا يبرز السؤال المؤلم: هل يمكن لشخصية بقامة ليلى شهيد أن تُترك على الهامش، فيما الوطن أحوج ما يكون إلى خبرتها وشبكة علاقاتها الواسعة؟

حضورها في المؤسسات الثقافية والإعلامية لم يكن بروتوكوليّا عابرًا بل كان امتدادًا حيًّا لحكاية فلسطين نفسها

نعم، كانت ليلى شهيد كتلةً من النشاط والحيوية والذكاء والنبل. في عهدها، سواء في فرنسا أو في أوروبا عمومًا، عرفت القضية الفلسطينية صدى واسعًا، ودخلت إلى دوائر كانت مغلقة أو صعبة المنال. كانت مقنعة في خطاباتها ومناقشاتها، واضحة في أفكارها، دقيقة في استشهاداتها القانونية. وكم من مرة سرتُ معها في أحد شوارع باريس، فتقدّم شبّان وشابات ليسلّموا عليها ويشكروها على حضورها المتميز في الإعلام الفرنسي بمختلف قنواته. كانت تستقبلهم بابتسامتها المعهودة، وتردّ بلطف “أهلًا عزيزتي، شكرًا عزيزتي”، في مشهد يكشف تواضعها وقربها من الناس.

كنت ألمس في حضورها الإعلامي نقطة تحوّل في السردية الفلسطينية في أوروبا. لم تكن تتوسّل التعاطف، بل كانت تطالب بالاعتراف. لم تقدّم الفلسطيني بصفته ضحية أبدية، بل إنسانًا فاعلًا عقلانيًا يطالب بحقه استنادًا إلى القانون الدولي. كانت تعيد النقاش دائمًا إلى اتفاقيات جنيف، وقرارات الأمم المتحدة، ومبادئ العدالة الكونية، خصوصًا حين تواجه ممثلين إسرائيليين في مناظرات تلفزيونية حادة. بذلك نقلت القضية من خانة الانفعال إلى فضاء العقل، ومن دائرة الشكوى إلى ميدان المطالبة المشروعة.

لذلك، حين أستحضر سيرتها اليوم، لا أفعل ذلك بوصفه تأبينًا عابرًا، بل بوصفه لحظة مساءلة لنا جميعًا: أي نموذج نريد أن نقدّم للعالم؟ هل نكتفي بحرارة الموقف، أم نضيف إليها شجاعة المعرفة وصرامة الحجة؟ وهل نملك الجرأة على الجمع بين الأخلاق والسياسة، بين الثقافة والعمل العام، كما فعلت هي؟

رحلت ليلى شهيد، لكن فكرتها باقية، وأثرها مستمر في كل خطاب عقلاني يدافع عن فلسطين بلغة العالم وقوانينه. وهذا، في نهاية المطاف، هو الانتصار الأعمق: أن يبقى المعنى حيًّا بعد غياب الجسد.

رحمها الله رحمةً واسعة، وأسكنها فسيح جناته. لقد فقد المثقفون العرب، وأصدقاء القضية الفلسطينية في العالم، رفيقة درب وصديقة عزيزة، وضميرًا يقظًا في زمن تشتدّ فيه الحاجة إلى الضمائر الواعية الحية.

 

كاتب جزائري