حول أبيات المرأة الصالحة مريم بنت أحمد بزيد...

حول أبيات المرأة الصالحة مريم بنت أحمد بزيد...

 

قبل أن نتطرق لأبيات المرأة الصالحة مريم بنت أحمد بزيد و ما أصاب ھذھ الأبيات الجميلة من زيادة و تحريف.. مما نبھ عليھ الأستاذ و الباحث الكبير أحمد ول إشدو في كتابه  القيّم ( إداتفاغ  الشمشويون.. الأصول و النشاة) و نشرھ الأستاذ و الشيخ، الشيخ أمينو ول الصوفي سنة 2023 يجدر بنا أن نتوقف و لو قدرَ فَوَاق لنُعرف بھذھ المرأة التي ھي بنت أحمد بزيد، الجد الجامع لقبيلة أھل باركلل، دفين تمغرت، بئر العجوز، كما عرّبھا الشيخ المختار ول جَنكِ في نظم المدافن و ذكر الشيخ بقولھ: 
و مثلُ بازيدَ في الأوليَّا يعوزْ
مدفنُھ اليَسار من بئر العجوزْ..
و أبناؤه ھم الذين قال فيھم الشريف محمد عبد الرحمان ول المبارك ول يمين:
وخيرت ابحد أصل مفيد
يسو عاد اكريب و ابعيد
ؤ وخيرت الحد إعل ظھر أيد
وخيرت ؤ وخيرت ابلا باس 
يغير أسو تعرف و اتزيد
العرف ألي ما فيھ ادلاس
عن وخيرت إذراري بزيد  
ماھي كيفت وخيرت الناس

حد اكِصف عنھا ما ينذم
وسْوَ من وخيرت ألّ كِاسْ
أراھو كيف الناس إتم
و أل كِاع أخير أمن الناس..
و توفي أحمد بزيد حسب بعض الروايات سنة 1040 للھجرة و ھي سنة وفاة المصلي في قبره الشيخ أحمد أكَذ المختار، دفين إندصد و سنة معركة انتيتام التي انتصر فيھا  لمغافرھ على أبناء رزكِ..
يقول فيھا العلامة أحمد سالم ول باكِا:
و وقعة إنتيتامَ عامھا شم
صلاتنا على النبي الھاشمي.. 
و مريم كذلك ھي أم الفتى أحمد بن يعقب الذي عزرھ الإمام ناصر الدين في بيتين من الغزل قالھما:
ربّ حوراءَ من بني سعد الأوس
حبّھا آخذٌ بيات النفوس
جعلت بيننا و بين الغواني
و الكَرى و الجفون حربَ البسوس..
و عن أبيات مريم كتب الباحث أحمد ول إشدو:
"... و من بنات الصالح أحمد بزيد مريم و ھي أم عيال يعقوب بن المختار ( العم) بن يعقوب بن أبي موسى بن أبيال بن عامر بن أبيال بن ابھنضام.
و مريم ھذھ معروفة بالصلاح و رجاحة العقل.. و تُروى لھا أبيات مشهورة نظمتْها عندما خافت من تعرُّض بعض الظلَمة لھا و لإحدى بناتھا بما تكرھھ.. فلجأت إلى دعاء الله و الاستجارة بھ من خلال ھذھ الأبيات.
و قبل أن أذكر ھذھ الأبيات أشير إلى أن روايتها مرت بمرحلتين.. ففي المرحلة الأولى رُويت الأبيات و تداولتھا الأجيال و عددھا خمسة أبيات فقط.. و قد رويتُھا منذ عقود عن بعض الشيوخ و ھي:

علينا من الرحمان سورٌ مدوّرُ
و سورٌ من الجبار ليس يُسوّرُ  
و سورٌ من السبع المثاني وراءَنا
و يا حيّ يا قيومُ و الله أكبرُ
فھذا ضمانُ الله رُحنا 
لحرزھ 
و ذمتھ مما نخاف و نحذرُ
ترى الأمرَ مما يُتّقَى فتخافُھ
و ما لا ترى مما يقي اللهُ  أكثرُ
أمامَ و خلفَ المرءِ من لطف ربھ 
كوالئُ تزوي عنھ ما ھو يحذرُ.

و في سنة 2020 و ھي سنة جائحة "كوفيد" انتشر تداول ھذھ الابيات على وسائل التواصل الاجتماعي و قد أضيف لھا بيتان لم أسمعھما قطُّ و ھما:

إذا كنتُ وحدي سائرا في مضلةٍ
و حولي من الأعداء ما ليس يحصرُ
فإنّ إلهَ العرش يكلأُ حافظا
و حسبي بھ إن كان حفظيَ ينكرُ
و قد بحثتُ في المصادر القديمة و خاصة الروايات الشفھية القديمة و لم أجد ھاذين البيتين اللذين يبدو من خلال العبارة ( سائرا) أنھما من نظم رجل و ليس امرأة. ھذا بالإضافة إلى أن القصة بأن الصالحة مريم بنت أحمد بزيد نظمت ھذھ الأبيات في سفر  وحدھا غير صحيحة. ثم إن البيت الثاني من ھاذين البيتين من حيث التركيبُ و من حيث المعنى في الشطر الثاني لا يناسب لغة و لا نظم الأبيات الأخرى، و ھذا ما جعلني أجزم بأن ھاذين البيتين لم تنظمھما المرأة الصالحة مريم بنت أحمد يزيد..  
و مما شجعني على ذلك أن الأبيات الخمسة الأخرى و التي كانت متداولة منذ زمن بعيد يوجد فيھا بيتان اثنان ليسا قطعا من شعر ھذھ المرأة الصالحة، بل لعلھا ضمنتھا في أبياتھا عن قصد و دراية لما فيھا من الإيمان الراسخ بقدرة الله و حفظه و لطفھ بمخلوقاتھ  مع جمال و روعة سبكھا اللغوي و الأدبي، ھذا مع احتمال أن يكون ھذا التضمين قد وقع بعد الشاعرة في الفترات اللاحقة على القرن الحادي عشر الهجري الذي كان الشعر فيھ قليلا كما ھو معروف، و ھو القرن الذي عاشت فيھ الصالحة مريم بنت أحمد بزيد معظم أيامھا..  و أول ھاذين البيتين ھو:
ترى الأمر مما يُتّقى فتخافھ 
و ما لا ترى مما يقي  الله أكثر.
فأول ذكرٍ لھذا البيت ھو ما روى محمد بن السائب الكلبي المتوفى 204 ھ في كتابه جمھرة النسب (مخطوط) من أن أحد ولد عمر بن الخطاب كان يردد ھذا البيت في بعض أوقاته. و قد ورد أيضا أن عبد الرحمن الأوسط ( رابع أمراء الدولة الأموية في الأندلس) عثرت بھ فرسھ  فسقط و كاد يكبو لفيھ لكنھ نجا دون أذى فتذكر بداية ھذا البيت " ترى الشيء مما يُتقى فتھابھ" فذكرھ أحد أفراد جيشھ بالشطر الثاني: "و ما لا ترى مما يقي الله أكثرُ".
و جاء في كتاب بھجة المجالس و أُنس المُجالس لابن عبد البر ( 368 - 463 ھ) قال الشاعر:
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي
نوائب ھذا الدھرِ أم كيف يحذرُ
ترى الشيء مما يُتقى فتخافھ  
و ما لا ترى مما يقي الله أكثر. 
و من الجدير بالذكر أن كتاب نزھة المجالس و أُنش المُجالس لابن عبد البر و كذلك كتاب خزانة الأدب للبغدادي و غيرھما كانت من الكتب المعروفة قديما في بلاد شنقيط، ذكر ذلك الدكتور محمد المختار ول إباھ في كتابه الشعر و الشعراء.
أما البيت الثاني فھو:
أمامَ و خلفَ المرء من لطف ربھ 
كوالئ تزوي عنھ ما ھو يحذرُ.
و قد ورد ھذا البيت ضمن الشواھد النحوية في كتاب: شرح التسھيل لابن مالك المتوفى ( 672 - 1274م ) و البيت شاھد لحذف المضاف إليه الأول لأن السياق يدل عليه ( أمام المرء و خلف المرء).
ثم أورد ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة (852 ھ) البيت بوصفه شاھدا نحويا على حذف المضاف إليه كذلك.   
و بناء على ما ذكرنا يمكن التنبيه إلى أن الأبيات التي نظمت المرأة الصالحة مريم بنت أحمد بزيد ھي الأبيات الثلاثة الأولى من المقطوعة فقط وھي:
علينا من الرحمان سور مدور
و سور من الجبار ليس بسور
و سور من السبع المثاني وراءنا 
و يا حي يا قيوم و الله أكبر
فھذا ضمان الله رحنا لحرزھ
و ذمتھ مما نخاف و نحذر..." انتھى الغرض منھ.
و بئر العجوز التي عرّب بھا ول جنكي ( رحمة الله عليه) اسم تمغرت غير بئر العجائز التي عرّب بھا لمرابط امحمد تكِْرمن في قولھ من أبيات استسقائية، يقول فيھا:
ھذا العيال و إن طغى في فسقھ
من ذا الذي يسقيھ إن لم تسقھ
يا ربنا و إلھنا يا شاملا
كل الأنام بعطفھ و برفقھ
أسبل على ذي المزن مزنا صادرات
بئرُ الطريق طريقة من طرقھ
و على العجائز تستھل كعابھ
فتنال حظا وافرا من ودقھ..
و سمعت العلامة محمد سالم ول عدود، رحمة الله عليه، يقول إن والدھ المرحوم محمد عالي حفظ ھذھ الأبيات من حكاية واحدة.. و ھي قضية ليست غريبة في تلك الفترة و لا في تلك البيئة.
       س م متالي.