تحتفل الصحافة الموريتانية اليوم، على غرار الأسرة الصحفية في العالم، باليوم الدولي لحرية الصحافة، الموافق للثالث من مايو، وهي مناسبة لا تقتصر على استحضار واقع المهنة وتحدياتها، بل تفتح أيضًا باب الوفاء لذاكرة من صنعوا تقاليد الصحافة المستقلة في موريتانيا، وتركوا بصمتهم في مسارها المهني والفكري. وفي مقدمة هؤلاء يبرز اسم الراحل حبيب ولد محفوظ، أحد أبرز رواد الصحافة المستقلة، الذي غادر عالمنا سنة 2001، وبقي حاضرًا في الذاكرة بما كتبه، وبالأسلوب الذي تفرّد به، وبالمعنى الذي منحه للكلمة الصحفية.
كان حبيب ولد محفوظ أكثر من صحفي يكتب عمودًا أو يعلّق على حدث. لقد كان صاحب نبرة خاصة، وصوتًا استطاع أن يبني لنفسه مكانة متميزة في المشهد الثقافي والإعلامي، بفضل قدرة نادرة على الجمع بين عمق الثقافة الحسّانية ورقيّ اللغة الفرنسية. وفي كتاباته، لم تكن الفرنسية مجرد أداة تعبير، بل فضاء رحبًا ينقل إليه روح المجتمع الموريتاني، بإشاراته، وسخريته، وأمثاله، وتوتراته، وتعقيداته الاجتماعية والسياسية.
في سلسلة “موريتانيد”، كما في غيرها من نصوصه، نجح الراحل في تحويل العمود الصحفي إلى مساحة إبداعية تتجاوز التعليق العابر إلى بناء رؤية نقدية متماسكة. كان يكتب من داخل الذاكرة الجماعية، ويستحضر تفاصيل الحياة اليومية والمخزون الرمزي للمجتمع، لا بوصفها زينة لغوية أو لمسة فولكلورية، بل باعتبارها منهجًا في الفهم وأداة في القراءة والتحليل.
تميّز أسلوبه بمفارقة آسرة: سخرية لامعة تخفي جديّة عميقة. فلم تكن الفكاهة عنده ترفًا أسلوبيًا، ولا مجرد رغبة في الإمتاع، بل كانت مدخلًا إلى كشف التناقضات، وتعريّة الخطاب السياسي، وتفكيك آليات السلطة والهيمنة، من دون صخب مباشر أو خطاب ثقيل. ولذلك كانت نصوصه تُقرأ على مستويين: مستوى أول يبدو سلسًا وقريبًا من القارئ، ومستوى ثانٍ أكثر عمقًا، يفتح باب التأمل ويستفز التفكير.
ورغم صرامة لغته الفرنسية وأناقتها، فإن كتابته كانت تحتفظ دائمًا بنَفَس الشفاهية الصحراوية، وبإيقاع الحكاية المحلية، وببلاغة القول الحسّاني. ومن هنا جاءت فرادته: نصوصه محلية في مرجعها، لكنها واسعة الأفق في رؤيتها؛ صحفية في شكلها، لكنها أدبية وفكرية في عمقها. لقد استطاع أن يعبر بالثقافة الحسّانية إلى الفرنسية الرفيعة من دون أن تفقد روحها أو تنفصل عن بيئتها الأصلية.
وفي مناسبة مثل اليوم الدولي لحرية الصحافة، تبدو العودة إلى تجربة حبيب ولد محفوظ أكثر من مجرد التفاتة وفاء. إنها تذكير بأن الصحافة ليست فقط مهنة يومية مرتبطة بالخبر، بل هي أيضًا أسلوب في النظر، وشجاعة في التعبير، وقدرة على تحويل اللغة إلى أداة وعي. وهي كذلك مناسبة لتذكر جيل من الصحفيين الذين راهنوا على استقلال الكلمة في ظروف أصعب، وفتحوا للصحافة الموريتانية أفقًا مهنيًا وفكريًا لا يزال يلهم من جاء بعدهم.
لقد رسّخ حبيب ولد محفوظ مكانته كأحد أبرز الأصوات الصحفية والفكرية في موريتانيا، وكاتب عرف كيف يجعل من السخرية وعيًا، ومن الثقافة المحلية أفقًا للنقد، ومن العمود الصحفي أثرًا معرفيًا باقيا. ولذلك فإن استحضاره اليوم هو، في جوهره، احتفاء بمعنى الصحافة نفسها: حرية، وذكاء، واستقلال، ووفاء عميق للمجتمع.
