الشيخ محمد حرمه
في باريس، وقّعت الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (سنيم) اتفاقًا مع شركة (إيسار) الهندية، يتيح لها نقل خام حديد منجم آسكاف عبر سكة الحديد الوطنية.
قيل إنه (أول اتفاق من نوعه في موريتانيا). وإن المنجم سيدخل الاستغلال خلال ستة أشهر، بطاقة 7.5 مليون طن سنويًا، مع نحو ألفي فرصة عمل في مرحلة البناء.
أرقام قوية ومهمة.. ولكن الأهم هو أن موريتانيا نجحت في إعادة الحياة للمشروع، النائم منذ أكثر من 12 عامًا.
…
في عام 2014، وقف مسؤول الحديد في عملاق التعدين السويسري (غلينكور) أمام الحضور في معرض (موريتانيد) بنواكشوط، وقدّم عرضًا عن منجم آسكاف، وذلك بعد أن وقعت شركته اتفاقية مع (سنيم) لنقل خامات حديد آسكاف.
قال المسؤول السويسري إن الطاقة الإنتاجية ستكون 7.5 مليون طن سنويًا. وإن المشروع سيوفر 2000 فرصة عمل في مرحلة البناء، و600 وظيفة دائمة في التشغيل. وإن الشركة جاهزة لبدء البناء.
المفارقة هي أن الأرقام نفسها، حرفيًا، بعد اثني عشر عامًا، رغم أن المستثمر تغير.
…
لنتعرف على المنجم أولًا.
يقع آسكاف في ولاية تيرس الزمور، بين افديرك وسكة الحديد. والسكة لا تمر بالقرب منه، بل وسطه: الخريطة تُظهر خط السكة يشق رخصة المنجم نصفين.
يرجعُ ذلك إلى أن آسكاف ليس منجمًا واحدًا، بل مجموعة من المواقع: آسكاف الشمالي والوسط والشرقي والغربي، وتلية، وݣبلية، وݣلب آسكاف.
والمكمن الرئيسي، آسكاف الشمالي، قُدّرت موارده بنحو 404 ملايين طن.
ولكن خام حديد آسكاف تركيزه في باطن الأرض يدور حول 35 إلى 36 بالمائة من الحديد فقط. ويحتاج إلى محطة تخصيب ترفعه إلى منتج بتركيز 66 بالمائة، بشوائب قليلة، ولا يتجاوز السيليكا فيه 7 بالمائة.
وهو منتج مطلوب في السوق، خاصة لصناعة الصلب الأنظف. وميزته، كما قدمتها شركة غلينكور السويسرية، أن حبيباته خشنة، فيسهل فصلها ومعالجتها.
لكن التخصيب يحتاج ماءً وطاقة، ولذلك حفرت الشركة يومها آبارًا جنوب المنجم، قرب السكة.. وهُنا يمكننا القول إن الماء في تيرس أثمن وأغلى من الحديد.
…
كانت كلفة المشروع تقدر بنحو 900 مليون دولار.
وفي مايو 2014، منحت غلينكور عقد بناء محطة التخصيب، بقيمة 600 مليون دولار، لشركة اسمها (إيسار للمشاريع).
وفي يونيو من العام نفسه، وقّعت مع سنيم اتفاقًا لمدة 18 عامًا، لنقل الخام عبر السكة والميناء.
وقال مدير سنيم حينها محمد عبد الله ولد اوداعه، إنه أول اتفاق من نوعه مع مستثمر أجنبي.
وتحدثت الصحافة الدولية عن صفقة بقيمة تقارب مليار دولار. بل إن صورة التوقيع يومها تُظهر لافتة تتحدث عن النقل بالسكة الحديد إلى نواذيبو، والبواخر.
وكانت هناك مذكرة ثانية قيد الإعداد لنقل الشحن العام: المعدات والوقود والمواد إلى المنجم.
وبدأ العمل فعلًا. حيث وصلت المنطقة مساكن جاهزة منقولة بالقطار، وشيدت قواعد خرسانية في الصحراء، وحفرت آبار للمياه.
ثم انهارت أسعار الحديد. فأبطأت غلينكور المشروع، وفي 2015 عرضت ثمانين بالمائة منه للبيع، ثم خرجت منه.
وبقيت القواعد الخرسانية في الرمل.. حتى جاءت مجموعة إيسار، أو على الأصح عادت !
…
ولكن ماذا نعرف عن إيسار؟
هي مجموعة هندية تأسست أواخر ستينيات القرن الماضي، وتعمل في الطاقة والمعادن والبنية التحتية. مرت بأزمة مالية حادة في العقد الماضي، انتهت ببيع ذراعها للصلب لمجموعة (أرسيلور ميتال) عام 2019، في واحدة من أكبر قضايا الإفلاس في الهند.
بعد ذلك أعادت المجموعة هيكلة ديونها، ودخلت السوق من جديد تبحث عن مشاريع.
وفي مارس 2025، حصلت على مشروع آسكاف، باستثمار مقدّر بنحو 800 مليون دولار، بحسب وثيقة رسمية للخارجية الهندية.
أي أن مقاول الأمس صار مستثمر اليوم. والشركة الموقِّعة اسمها (إيسار كابيتال موريشيوس)، فرع مسجل في جزيرة موريشيوس.
…
ما الذي نكسبه؟
النموذج فعال من الناحية التنموية، حيث أن السكة موجودة، والخام سيمر فوقها دون كلفة إنشاء جديدة. وكل طن حديد يعبر هو عبارة عن عملة صعبة لخزينة الدولة، ورسوم إضافية لسنيم.
ثمَّ إن الصيانة والتشغيل وأعباء الخط الواحد ستتوزع على حجم أكبر، فينخفض نصيب الطن الواحد.
والحجم مؤثر. فقد نقلت سنيم العام الماضي 14.7 مليون طن، وهو رقم قياسي. وسبعة ملايين ونصف طن إضافية تعادل نحو نصف ذلك. أي زيادة محتملة بقرابة خمسين بالمائة في صادرات الحديد الوطنية، مع إتاوات وضرائب للدولة، وعملة صعبة، مع خلق 2000 فرصة عمل في البناء و600 في التشغيل.
الرسالة الأهم موجهة إلى المستثمرين: البنية التحتية الوطنية لم تعد حكرًا على شركة واحدة.
وهو ما يعني أن سكة الحديد.. جاهزة لنقل اليورانيوم.
…
لكن للقطار حدودًا.
السكة خط واحد، وسنيم تخطط لرفع إنتاجها إلى 15.5 مليون طن هذا العام، ثم إلى 24 مليون طن بحلول 2031. وقد اقترضت 275 مليون دولار من البنك الإفريقي للتنمية وبنك الاستثمار الأوروبي، لتمديد الخط 42 كيلومترًا، وشراء قاطرات وعربات جديدة، ونقل 22 مليون طن إضافية سنويًا.
فهل ستُستعمل طاقة ممولة بدين على سنيم لنقل خام منافس؟ ومن له الأولوية حين يزدحم الخط؟
ثم إن سنيم ستنقل لمنافس يبيع السلعة نفسها، في الأسواق نفسها. وهذا مألوف في العالم، لكنه يتطلب سعر نقل يعوّض المنافسة، لا سعرًا رمزيًا.
لذا يبرز سؤال مهم: هل خططنا لحماية سنيم من أن يتحول مشروع منجم آسكاف إلى طفيلي صغير يسقطُ الفيل الضخم.
خاصة أن أسعار خام الحديد ليست في صالح أحد. فقد بلغ رقم أعمال سنيم العام الماضي 46.6 مليار أوقية، لكن أرباحها تراجعت بنسبة 24 بالمائة إلى 8 مليارات، بسبب انخفاض أسعار الحديد وارتفاع كلفة المدخلات.
ثم إن منجم سيماندو العملاق في غينيا يدخل السوق، ويتوقع الخبراء أن يعيد تشكيلها، وهو منافس قوي لمناجم موريتانيا.
…
في الأخير، يهمنا أن نعرف ما تنص عليه الاتفاقية بين إيسار وسنيم، بخصوص سعر نقل الطن، وكم هي مدة الاتفاق؟ هل ما زالت 18 عامًا، كما كان في اتفاق 2014؟
وطبعا السؤال الأهم؛ من له الأولوية حين يزدحم الخط: خامات سنيم، أم خامات إيسار؟
من أين سيأتي الماء لمحطة التخصيب؟ وبأي كلفة على المنطقة؟
