سر الكراهية المجانية

سر الكراهية المجانية

عبد الله العالي

كاتب صحفي دولي

 

 

 

الدكتور د.فواز جرجس أستاذ جامعي مرموق في الشرق والغرب. ولد في لبنان وتعلم في الولايات المتحدة وعمل فيها قبل أن ينتهي به مطافه الأكاديمي محاضرا في العلاقات الدولية بمدرسة لندن للاقتصاد التي تخرج منها، في خمسينيات القرن الماضي، عربي آخر يتقاسم مع الدكتور جرجس الخبرة في السياسات الدولية والضمير الحي والدفاع عن القيم الإنسانية النبيلة، ألا وهو عالم المستقبليات المغربي الدكتور مهدي المنجرة الذي كان من حظ كاتب هذه السطور أن درس على يديه عاما كاملا في كلية الحقوق بالرباط. 

بعد عقود من العطاء الفكري والثقافي المتجسد في إصدار عشرات الكتب والمقالات العلمية المرجعية والتصدي للروايات الزائفة والمغرضة بشأن قضايا  العالم العربي ودحضها  بالمعلومات الدقيقة والحقائق الدامغة في كبريات وسائل الغربية، قرر الدكتور فواز  أن يترجل، أن يأخذ قسطا مستحقا من الراحة؛ أن يستفيد من حقه في التقاعد.

لكنه قبل ذلك أو بالتزامن معه، حرص أن يتحفنا، نحن معاشر أصدقائه ومتابعيه على منصة فيسبوك، بنص منير من وحي تجربته الذاتية. نص يكشف طبيعة وراوفد "الكراهية المجانية"، ذلك العداء الذي يمكن أن يكون قد قابلك به أشخاص لم تبدر منك قط إزاءهم أية إساءة بالقول أو بالفعل. مما ولد لديك سؤالاً مزمنا: "يا إلهي، ما سبب كل هذا الحقد الدفين وهذه الضغينة المُستحكمة؟"

تفضل بقراءة ما كتبه الدكتور فواز جرجس، فعسى أن تجد، أخيرا، بعض الإجابة:

«ونحن نغادر مسرح العمل والعلم والدراسات إلى غير رجعة، لا بد من كلمة يجب أن تُقال

التفوق ليس مجرد إنجاز شخصي، بل هو استفزاز مستمر لعقليات عاجزة عن بلوغه، ومن هنا تولد أعمق أشكال الكراهية المجانية التي لا تفسير لها سوى شعور الطرف الآخر بالنقص المطلق كلما واجه انعكاس صورته بجانبك.

العداء الخفي الذي يمارسه البعض تجاهك لا يرتبط أبدًا بما تفعله أو تقوله، بل بما تمثله. الإنسان الذي يعاني من فراغ داخلي وعجز مزمن عن تحقيق ذاته لا يرى في نجاحك أو ثباتك نموذجًا يُحتذى به، بل يراه إدانة حية لفشله الشخصي. حضورك المستقر، وكفاءتك، أو حتى هدوؤك في مواجهة الأزمات، تذكرهم بلا توقف بكل ما يفشلون في بلوغه، وحين يعجز العقل البشري عن ردم هذه الفجوة الشاسعة بين طموحه وحقيقته، يختار أسهل الحلول وأكثرها دناءة: محاولة هدم ما لا يستطيع الوصول إليه، وتحويل الإعجاب الخفي إلى كراهية معلنة لا تنتهي.

فريدريك نيتشه، بتبصره الثاقب لطبيعة النفس البشرية، فكك هذه العقدة وأظهر كيف يتحول الضعف الداخلي إلى حقد مدفون، حيث يصبح النجاح جريمة لا تُغتفر في نظر من يفتقر لأدواته. الكاره الحقيقي ليس من أسأت إليه، بل من ذكّره وجودك بحجمه الحقيقي الصغير. لذلك، فإن محاولة إرضاء هذا الصنف أو تبرير خطواتك أمامه هو عبث مطلق، فكلما حققت خطوة إضافية تضاعفت مرارته وتأججت كراهيته؛ لأنه لا يصارعك أنت، بل يصارع عجزه المزمن الذي تفضحه عيناك كلما التقيتما.

تعلم جيدًا أن تتركهم في قاع مرارتهم، فلا تلتفت لتبرير نجاحك لمن صُمم خصيصًا ليكره كل ما يعجز عن فعله، واجعل من استمرارك الصمت الأقسى الذي يكسر غرور عجزهم". 

انتهى الاستشهاد.

شكرا جزيلا للدكتور فواز على ثمين عطائه الفكري والثقافي وعلى إنجازاته العلمية والأكاديمية المشرفة.

ونتمنى له، مع سكينة الضمير التي صاحبته دائما، مزيدا من راحة البدن.