الجزائر ـ لندن ـ عربي21
تعود جذور التصعيد بين الجزائر والإمارات إلى تراكم خلافات سياسية وإقليمية شملت ملفات التطبيع مع إسرائيل، والصحراء، وتباين حسابات البلدين في عدد من ساحات النفوذ العربي والإفريقي..
تتجه الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات نحو مزيد من التصعيد، في ظل اتهامات جزائرية لأبوظبي بالاستمرار في أنشطة تستهدف المصالح الجزائرية، رغم قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وفق ما ورد في تقرير نشرته صحيفة "الخبر" الجزائرية اليوم.
وبحسب التقرير، فإن الجزائر تعتبر أن القطيعة الدبلوماسية لم تعد كافية لاحتواء ما تصفه بالتحركات الإماراتية المعادية، محذرة من أن استمرار هذه الأنشطة قد يدفعها إلى اتخاذ خطوات إضافية، قد تشمل أشكالا متعددة من الرد، وإن كانت تفضّل تجنب المواجهة المباشرة ما لم تضطر إليها.
وتعكس هذه الاتهامات، إذا تأكدت، انتقال الخلاف بين البلدين من مستوى الأزمة السياسية والدبلوماسية إلى مرحلة أكثر حساسية، ترتبط بالأمن القومي وتبادل الاتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية.
اتهامات باستمرار التحركات الإماراتية
ووفق صحيفة "الخبر"، ترى الجزائر أن أبوظبي لم تتوقف عن التحركات التي تعتبرها موجهة ضد مصالحها، بل إن بعض هذه الأنشطة استمر، بحسب المصدر، حتى بعد اتخاذ قرار قطع العلاقات الدبلوماسية.
ويشير التقرير إلى أن الإمارات أبدت، عند إعلان القطيعة، أملها في أن يكون القرار الجزائري مؤقتا، غير أن التطورات اللاحقة، وفق رواية المصدر، عمّقت الخلاف ورفعت منسوب التوتر بين الطرفين.
كما يربط التقرير الأزمة بخلافات أوسع بشأن أدوار الإمارات الإقليمية، متضمنا اتهامات لها بالتدخل في عدد من الملفات العربية والإفريقية. غير أن هذه الاتهامات، الواردة في المادة الأصلية، تحتاج إلى أدلة مستقلة وتوثيق منفصل قبل التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة.
قضية "أمير دي زاد" في صلب الاتهامات
وتبرز قضية الناشط الجزائري المقيم في الخارج أمير بوخرص، المعروف باسم "أمير دي زاد"، ضمن أبرز الملفات التي يستند إليها التقرير في عرض الاتهامات الموجهة إلى الإمارات.
ويورد المصدر أن التحقيقات التي باشرتها المصالح الأمنية التابعة لوزارة الدفاع الوطني بشأن حرائق الغابات التي شهدتها عدة ولايات جزائرية خلال شهر آب/أغسطس، كشفت، بحسب الرواية الرسمية التي عرضها التلفزيون الجزائري، عن مخطط تخريبي يُشتبه في استهدافه زعزعة استقرار البلاد، بمشاركة أطراف في الخارج وأشخاص في الداخل.
ويضيف التقرير أن التلفزيون الجزائري بث وثائقيا بعنوان "كشف مكائد الخيانة وخيوط العمالة"، تضمن اعترافات أشخاص موقوفين بشأن القضية، واتهم بوخرص باستقطاب أفراد وتجنيدهم لتنفيذ أعمال تخريبية، بينها إضرام حرائق في ولايتي قسنطينة وقالمة، مقابل مبالغ مالية ووعود بتسهيل الهجرة إلى فرنسا.
كما تناول الوثائقي، وفق المصدر، أسماء أشخاص آخرين قيل إنهم ارتبطوا بالشبكة المشتبه فيها، واستعرض ما وصفه بأدلة تقنية تتعلق بعمليات الاستقطاب والتواصل والتجنيد.
لكن الربط بين هذه القضية وبين مسؤولية إماراتية مباشرة يظل اتهاما يحتاج إلى أدلة مستقلة ووثائق قابلة للفحص، ولا تكفي الإشارات الواردة في تقرير صحفي وحدها لإثباته. كما أن الاعترافات المعروضة في مادة إعلامية رسمية لا تغني عن التحقق القضائي من الوقائع، واحترام قرينة البراءة وحق الدفاع.
تحذيرات من توسيع نطاق المواجهة
ويذهب التقرير إلى أن استمرار ما تصفه الجزائر بالاستفزازات الإماراتية قد يدفعها إلى مراجعة طبيعة ردها، محذرا من أن كلفة أي تصعيد جديد قد تكون أكبر من تداعيات القطيعة الدبلوماسية ذاتها.
ويستند المصدر في هذا السياق إلى ما يصفه بتاريخ السياسة الخارجية الجزائرية، القائم على الدفاع عن السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي، مع الإشارة إلى أن الجزائر لا تسعى، بحسب الرواية الواردة، إلى مواجهة مباشرة، لكنها لن تتراجع عن الرد إذا رأت أن أمنها ومصالحها يتعرضان للاستهداف.
ومع ذلك، لا يقدم التقرير تفاصيل موثقة عن طبيعة الإجراءات الإضافية التي قد تتخذها الجزائر، ولا يتضمن إعلانا رسميا محددا بشأن خيارات التصعيد أو نطاقه، ما يجعل الحديث عن مواجهة مفتوحة أقرب إلى استنتاج سياسي وتحذير منه إلى قرار معلن بتفاصيل واضحة.
تداعيات إقليمية محتملة
وتأتي هذه التطورات، بحسب سياق التقرير، في ظل تنافس إقليمي على النفوذ وتباينات بشأن ملفات عربية وإفريقية، بما يضع العلاقات الجزائرية الإماراتية أمام اختبار جديد.
ومن شأن استمرار تبادل الاتهامات أن يوسّع دائرة التوتر السياسي، خصوصا إذا انتقل الخلاف إلى إجراءات إضافية تمس التعاون الاقتصادي أو التحركات الدبلوماسية أو الاتصالات الأمنية. لكن تقدير حجم التداعيات يظل مرتبطا بمواقف رسمية موثقة وبطبيعة الخطوات التي قد يعلنها الطرفان لاحقا.
وفي ظل غياب تفاصيل مستقلة كافية بشأن الاتهامات الواردة في المادة، تبقى الصورة بحاجة إلى استكمال من خلال بيانات رسمية جزائرية وإماراتية، وأي وثائق قضائية ذات صلة بالقضايا التي يستند إليها التقرير.
وتعود جذور التصعيد بين الجزائر والإمارات إلى تراكم خلافات سياسية وإقليمية شملت ملفات التطبيع مع إسرائيل، والصحراء، وتباين حسابات البلدين في عدد من ساحات النفوذ العربي والإفريقي، ولا سيما ليبيا والسودان ومنطقة الساحل.
واتخذ التوتر منحى أكثر حدة مع تصاعد الانتقادات الجزائرية لما تصفه بتدخلات إماراتية في شؤون دول المنطقة، قبل أن ينتقل إلى إجراءات دبلوماسية وعملية، شملت، وفق التقارير المشار إليها، إنهاء اتفاق الخدمات الجوية وقطع العلاقات الدبلوماسية وفرض قيود على حركة الطيران.
وفي موازاة ذلك، برزت اتهامات جزائرية تتعلق باستهداف الأمن الوطني، من بينها مزاعم بشأن صلات إماراتية بقضية الناشط أمير بوخرص. وبذلك، لم تعد الأزمة مقتصرة على تباين المواقف السياسية، بل باتت تنذر بمزيد من التدهور في العلاقات، وسط غموض بشأن الخطوات المقبلة وإمكان احتواء التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية.
