المختار السالم في حوار مع "العربي الجديد": الشعر الموريتاني نجا من عصر الانحطاط

المختار السالم في حوار مع "العربي الجديد": الشعر الموريتاني نجا من عصر الانحطاط

 
 

حين يلتقي الأدب بالصحراء، تتقارب مسافات الجمال، وتتولد لغةٌ تشبه كثبان الرمل في تحوّلاتها وامتداداتها وعمقها وقدرتها على احتضان الأسرار. وحين يكون الضيفُ صوتًا استثنائيًا حفر اسمه في ذاكرة المشهد الثقافي العربي، يتحوّل الحوار إلى رحلة استكشافٍ في عوالم الذاكرة والوطن والخيال.
ضيفنا في هذا الحوار قامةٌ إبداعية جمعت بين فروسية الشعر وفنون السرد؛ إنه الشاعر والروائي الموريتاني المختار السالم أحمد سالم، ابن تلك البقعة الساحرة التي تنجب الكلمات كما تثمر النخيل، حيث لا تزال القصيدة ديوان العرب، وللرواية أفقٌ مفتوح على أسئلة الوجود والهوية والإنسان.
لقد أثرى المختار السالم المكتبة العربية بسجلٍ حافل من الإصدارات البارزة، منها في الشعر: "سراديب في ظلال النسيان" 1999م؛ "القيعان الدامية" 2009م؛ "البافور" 2016م؛ "يأتون غدًا!" 2017م؛ "قرين القافية" 2018م؛ "زمن الأنفاس المهجورة" 2018م؛ "السالمية: الشاعر والقصيدة" 2019م؛ "صومعة الغاوي" 2023م، إضافة إلى "إن"، و"خاثر العثرة" 2024م.
وفي الرواية والنصوص السردية، قدّم أعمالًا عكست نبض البيئة الموريتانية وانشغالات الإنسان العربي، من أبرزها: "موسم الذاكرة" 2006م، و"وجع السراب" 2015م، و"في ظلال الحروف" 2021م، و"الدابة أو رياح شبح" (الحائزة على جائزة شنقيط للآداب والفنون)، ورواية "قدت قدماي" 2024م.
وعلى امتداد مسيرته، ظل المختار السالم حارسًا لبهجة الكلمة وعمق المعنى، ومخلصًا لدور الثقافة في مساءلة الواقع وتوسيع آفاق الوعي، متنقلًا بخياله بين الصحراء والمدن، حاملًا هَمَّ الإبداع وأسئلة الكتابة الكبرى.
في هذا الحوار، نقترب من تجربته، ونغوص معه في أسرار الكتابة، لنكتشف رؤيته للمشهد الأدبي العربي، وكيف يصوغ علاقته بالصحراء والذاكرة والمكان، وكيف ينسج من رمال موريتانيا خيوطًا من الشعر والسرد والسحر.


(*) تنتمي تجربتك إلى بيئة موريتانية غنية بالموروث الشفهي والإيقاع الشعري، وفي الوقت نفسه تنفتح كتابتك على أسئلة الحداثة وتجاربها الجمالية. كيف تلتقي في مشروعك الأدبي خصوصية البيئة الشنقيطية (شنقيط مدينة موريتانية) مع نزوعك إلى التجريب والحداثة، وأين يلتقي "البدوي" بـ"الحداثي" في تجربة المختار السالم؟
لقد ولدت في مجتمع ريفي بعيد في أدغال الصحراء، ولا شك في أن البيئة تؤثر على الإنسان، فالإنسان ابن بيئته، وابن حاجتها وتحدياتها، ولقد ولدت في بيئة الكتاتيب أي المحاضر البدوية المتنقلة، بيئة الرعي؛ رعي القطعان وامتياح الآبار، والبحث عن المرعى والكلأ... وهذه طبيعة المجتمع الشنقيطي القديم.
ولقد ولدت في الهواء الطلق كما تولد الوعول، ومع ذلك التقطت أذنايَ جرس موسيقى الشعر العربي وأنا طفل، فقد كان كل من حولي في خيمتنا وحينا يحدثك بحديث الشعر، يحدثك عن حياة البدو في صحاري العرب، يحدثك في السيرة والفقه واللغة... وهكذا ونحن صغار كنا نتلقى لوحات خلابة معرفيًا عن الشعر العربي، وعن السِّير العربية في المجتمع الممتد عبر الأحقاب والحضارات... وحين نزحت أسرتي إلى المدينة، وفور ما تلقيت أدبًا جديدًا بالنسبة لي، ليس أدب "ربع عزة"، عرفت أن من الضروري الملح أن يعمل الإنسان على تطوير تجربته بكل الوسائل، فالتطور سنة، ومن يقف في وجهه يتخطاه قطار الحياة... ولقد أحس الأوائل بضرورة التجديد... وفي شنقيط قبل أكثر من مائتي عام خرجت نخبة من الشعراء الموريتانيين تدعو لتجديد الشعر العربي... وبالطبع كانت شنقيط وقتها في عزلة جغرافية... لكن من نتائج تلك العزلة أن الشعر الموريتاني نجا من عصر الانحطاط ليسمَّى بعد ذلك بـ"الحلقة المفقودة"... وعلى العموم الفن بطبعه نزّاع إلى الجديد، ويبقى الغريب ألا يكون حداثيًا ساعيًا للتميز والتفرد.

(*) منذ روايتك "موسم الذاكرة" (2006)، مرورا بـ"وجع السراب" و"رياح الشبح" (2015)، وصولا إلى "أسنان الجرح"، كيف تنظر اليوم إلى مسارك الروائي، وهل ثمة عمل تشعر أنه شكل منعطفًا حقيقيًا في تجربتك، وانتقلت بعده إلى مرحلة مختلفة في بناء عالمك السردي؟
لا يوجد نص نراه عتبة مثالية بالنسبة لنا... الكتابة عمل تجريبي مخاطر ومتورط كبير مع الكلمات والمعاني والأفكار والخيال... وبالتالي كل عمل بعد آخر نظنه منعطَفًا نكتشف أنه ليس إلا مرحلة من الدرب الذي نسير عليه، ودرجة من السلم الذي نصعده.... ورغم ذلك أجد أن بعض الأعمال لها خصوصية ما، خاصة حين تلامس شغفنا بملامستها للأسئلة الكبيرة التي تورط فيها الشعراء والكتاب قبل أن يأتي الفلاسفة والمفكرون لجني ثمرة تلك البذور التي ألقاها الشعراء ذات يوم... إنها البذور نفسها التي تساءل بها بوسيدونيوس الأفامي، ثم كررها الخيام، وإيليا أبو ماضي، وغيرهم.

 



النص المدهش الذي يأسرنا هو ذلك النص الذي يبالغ في توريطنا عند حدود الفلسفة، ولا شك في أن روايتي "الدابة" اقتربت كثيرًا من تلك الأسئلة التي تفوح برائحة التفاح، فهل تراني اقتربتُ معها من منعطف، أم لا، وبأسلوب بسيط وغير متكلف كما يجب أن تكون الرواية لأنها في النهاية حكاية. لا أعرف. أحيانًا أجد أن تدوينة شديدة الكثافة تشكل منعطفًا. وعلى كل حال عبارة منعطف عبارة كبيرة في مسيرة أي كاتب، وإني ما رغبت أبدًا ولم أسقط يومًا في عشق المنعطفات!

(*) وما الذي تحتاجه الرواية العربية اليوم لكي تتجاوز هذا الجدار وتصل إلى القارئ العالمي بوصفها أدبًا يستحق العالمية، لا مجرد أدبٍ يُقدَّم للعالم من خلال وسطاء؟
الرواية العربية في مجملها جميلة وعميقة وعالجت مسارات متعددة... مسار المجتمع العربي وتحولاته... المجتمع الإنساني في همومه... عالجت صدمة الحداثة، وصراع الحضارات... عالجت موضوع الحرية والاستبداد؛ عالجت القمع الأسري، والفساد... عالجت كثيرًا من قضايا مجتمعها وعصرها والعالم من حولها... لكن ينقص هذه الرواية أنها بقيت في عزلة وراءها جدار صلب هو غياب الترجمة والدعاية والنقد أيضًا... فهي لم تترجم إلى اللغات الحية في العالم باستثناءات قليلة... وهكذا لدينا رواية عربية جميلة جدًا وأحق بالعالمية من كثير من بعض الروايات التي نالت العالمية لمجرد أنها أنتجت في بيئة مناسبة إعلاميًا ودعائيًا وتوثيقيًا.

(*) شكلت دواوينك، من "سراديب في ظلال النسيان" (1999) إلى "البافور" (2016) و"السالمية" (2020)، مسارًا شعريًا يتفاعل مع التراث الشنقيطي، وينفتح في الوقت ذاته على تحولات القصيدة الحديثة. كيف ترى مستقبل القصيدة العربية بين سلطة الموروث وإغراء التجريب، وهل شعرت في مرحلة ما أن الرواية بدأت تستحوذ على المساحة التي كان يحتلها الشعر في تجربتك؟
لم أشعر يومًا أن هنالك فنًا يمكن أن يزيح فنًا آخر، وخاصة الشعر... لا شيء يمكنه إطلاقا أن يحل محل الشعر عند الإنسان، وخاصة عند الإنسان العربي المولود بين إيقاع القصائد. وأعتقد أنه لا يمكن لشخص أن ينجح في الحداثة من دون أن يعتمد بشكل مركزي على تراثه الشعري، فلا توجد حداثة من دون أصالة، والتراث هو المادة الأساسية لأي كاتب ليثبت أنه أهل للحداثة وللإبداع.

(*) وأين تقف "الأغنية الفصحى" في مشروعك بين الشعر والغناء؟
كتبت الأغنية الفصحى برغبة مني كشاعر تغريه أحيانًا المقاطع الشعرية السهلة... الغنائية الفطرية التي تجتاحنا في بعض اللحظات حين نرغب في أن نرفع أصواتنا ونغني من دون التقيد بأي شيء غير تلك الرغبة التي يبثها الحنين بين أضلعنا وأنفاسنا، فننشد... نغني من دون تخطيط، ومن دون قصد وترصد... لإشباع إلهامنا. وأحيانًا كتبتها بطلب من الفنانين الموريتانيين الذين سعوا لتجديد الأغنية الموريتانية، ورأى بعضهم أن يتكئ في هذا التجديد على اللغة العربية الفصحى بدلًا من اللهجة.
وهكذا كتبت أكثر من 25 أغنية بالفصحى، بعضها اليوم يتربع على عرش الأغنية الموريتانية منذ نحو ثلاثين عامًا، مثل أغنية "لئن جنيت على نفسي سأعترف"، و"مر عام بعد عام"، و"عند أحلام المغيب"، وغيرها.



(*) أنت تكتب في أجناس متعددة: الرواية، الشعر، الأغنية، والصحافة. لكن خلف هذا التنوع لا بد من أن يكون هنالك سؤال أو هاجس ظل يرافقك ولم تستطع أن تستنفده كتابيًا. ما السؤال الذي لا يزال يطاردك، وكيف تبدأ الكتابة عندما تشعر أن هذا الهاجس أصبح أكثر إلحاحًا من قدرتك على الصمت؟
أنا إنسان بسيط أنتمي إلى أمة عربية عظيمة... إحساسي الذي يطاردني دائمًا هو كيف أعبر عن ألمي إزاء وضع الشتات الذي تعيشه أمتي، والمهانة والقمع والاستبداد والظلم والفقر والجهل والتهميش المفروض على الشعب العربي... كيف لنا أمة الأنبياء، وكل الأنبياء المعروفين عرب، وبعثوا في رقعتي الجغرافية العربية... أمة أرض الرسالات السماوية؛ أرض الحضارات وأرض التنوع والثقافات والجمال والإبداع والعلم والثقافة والرقيّ... الأمة التي علمت الغرب النظافة والحمامات والعطور والابتكار... كيف لحضارة مثل هذه أن تمر بمرحلة من التراجع المريع الذي جعل بعض علمائنا يتساءل إن كان الفرق بيننا وبين الغرب أصبح مثل الفرق بين الإنسان والحيوان؟! هذا شيء مؤلم جدًا، أكثر من نصف مليار عربي بإمكانات اقتصادية خرافية، وبطاقة عقلية هائلة، والعرب الآن وليس بالأمس، العرب الآن من أكثر الناس خبراء ومهندسين وأطباء ومبتكرين وعلماء في كل مخابر العالم... إمكانيات بشرية ضخمة مهولة... ومع ذلك أرضنا المقدسة محتلة.... ونحن في هذا التشرذم المريع!! إحساسي هو دائمًا كيف أعبر عن هذا الواقع الذي لا أظن جبلًا يمكن أن يتحمله، فكيف بنص، أو ما دون ذلك!

 




غالبًا ما أبدأ الكتابة من دون تخطيط مسبق، حين أشعر بأن اللحظة لحظة التعبير عما يجيش في خاطري من أفكار ومشاعر... وهكذا أكتب حين تأتي الكتابة، وأنصرف عنها غالبًا وهي ما تزال تراودني... وبالطبع، هنالك ما يستولي على لبابي... حال أمتي وتأثير الواقع من حولي بالوتر والمطر والقمر والشجر والبشر والحجر...
إن هذه مضادات الصمت التي تتسلل إلى شفاهي فتحكم نفوذها ولا يعود لي من خيار غير أن أتماهى وأستسلم لذلك الشعور النبيل الذي يمليه عليّ عبر حسّ نُسِب يومًا إلى القرين أو الرائي بينما هو في جوهره نفثة صوفيّ يتلمسه واقعه.

(*) تحضر القضية الفلسطينية والهم العربي بقوة في تجربتك الأدبية؟
نحن تربينا في مجتمع يؤمن أن هذه الأرض العربية كلها ملك لنا وأنها مسؤوليتنا؛ الحر منها والمحتل، وعلينا أن نتحرر من المحتل منها... تربينا على أن إيماننا غير صالح إن لم نعمل على حماية أرضنا وأولها وأهمها مقدساتنا بالأخص المتمثلة في مكة والمدينة والقدس...

(*) عشت تجربة الصحافة المستقلة في موريتانيا، وكنت قريبًا من تحولات المشهد الإعلامي والثقافي. كيف أثرت الصحافة في تكوينك ككاتب، وكيف أثرت الكتابة الأدبية في نظرتك إلى الصحافة؟
نعم، عشت تجربة الصحافة الموريتانية الحرة، بل كنت أحد روادها ومؤسسيها. أسست وأدرت كثيرًا من الصحف الموريتانية، بل إنني أحمل ترخيص أول صحيفة عربية تصدر في موريتانيا منذ التعددية السياسية، وهي صحيفة "المحيط". ووقفت وراء تأسيس كثير من الصحف الموريتانية، وترأست تحريرها... وكنت أول من صمم ماكيت صحيفة على الحاسوب في موريتانيا، ودربت كثيرًا من المخرجين والصحافيين، وعملت مراسلًا دوليًا أيضًا... وعلى العموم، العمل الريادي له ما له وعليه ما عليه... كانت تجربة في مجملها رائعة، لأننا نحن بدأنا العمل الصحافي في بلد صحراوي بعيد معزول تحت استبداد العسكر وطغيانهم، مع ذلك ونحن صحافيون قلائل وبإمكانات تحت الصفر، فرضنا وجود صحافة حرة لا يستطيع جنرال أن يمنعها حتى من توجيه الشتائم والسباب إليه ولعشيرته في وضح النهار، ودفعنا ضريبة ذلك حرمانًا ومضايقة ومصادرة وسجنًا واعتقالًا وترهيبًا وحرمانًا من الحقوق... ورغم ذلك أصبحت الصحافة الموريتانية بفضل زملائي الرواد من أيقونات الصحافة العربية عندما يتعلق الأمر بحرية الصحافة والرأي... وتصدرت موريتانيا السنوات تلو السنوات مؤشر حرية الصحافة على مستوى الوطن العربي.

(*) وفي زمن السرعة ومنصات التواصل الاجتماعي، ماذا تكسب الثقافة العربية من انتقالها إلى الفضاء الرقمي، وماذا تخسر في المقابل؟
هذه فرصة ذهبية للثقافة العربية وللإعلام العربي للوصول إلى أوسع جمهور عبر العالم... وتأثير هذه الوسائط سلبًا مطروح أيضًا لإخوتنا في البشرية جمعاء.... تأثير هذه الوسائل على الإنسان وعلى الثقافة يطرح أكثر التحديات صعوبة... إنها سلاح ذو حدين... فهذه فرصة لإعلاء الثقافة ولإعلاء مستوى الوعي والتثقيف والتعليم عند الإنسان عمومًا، ولكن هذه أيضًا وسائل خطيرة، لأنها وفرت وسائل مفتوحة إلى أقصى حد للعلم والفعل، ومفتوحة إلى أقصى حد للجهل والشر... فيبقى التحدي لنا كعرب أن نعمل على أن تكون هذه الوسائل رافعة ترفع ثقافتنا وإبداعاتنا وتعريف الآخر بنا وبثقافتنا وعدالة قضايانا... ومن المفارقة اليوم مثلًا أن إعلام العالم كله يقيم الدنيا ولا يقعدها وبشتى لغاته حين يتعلق الأمر بحفرية عن مومياء في الوطن العربي، لكنه يتم تجاهل أعظم نص رواية، أو أعظم قصيدة، ينتجها عبقري عربي! لماذا؟ الجواب هنا يكمن في العمل على إيصال رسالتنا نحن لا مجرد محطة استقبال لما يبثه الآخر.

(*) حصلت على المركز الأول في أول جائزة رسمية موريتانية للصحافة عام 2012، كما نالت روايتك "رياح الشبح" جائزة شنقيط عام 2020. ماذا تعني الجائزة للكاتب بعد انتهاء لحظة التكريم، وهل يمكن للجائزة أن تغير موقع العمل الأدبي في وعي صاحبه؟
بالنسبة لي الجائزة لا تغير شيئًا من مسؤولية الكاتب، إنها مجرد لافتة تنبيه بتكريمه... والجوائز لم تغيرني يومًا... فما زلت أكتب بالأسلوب نفسه، وبالرغبة نفسها في تدوين مشاعري وأحاسيسي.

(*) بعيدًا عن أحكام النقاد وما كتب عن تجربتك، لو طلبت منك أن تقف أمام أعمالك بوصفك قارئًا لا مؤلفًا: أي دواوينك تشعر أنه الأقرب إلى حقيقتك الشعرية، وأي أعمالك الروائية كان الأكثر قسوة عليك، أو الأكثر كشفا لأجزاء منك كنت تفضل أن تبقى مخفية؟
على مستوى الدواوين، لا شك في أن "سراديب في ظلال النسيان"، و"القيعان الدامية"، و"السباء"، هي الدواوين الأكثر تأثيرًا عليّ حين أعود إليها. وبالنسبة للروايات، لا شك في أن "موسم الذاكرة" شكلت في أجزاء منها على الأقل نوعًا من السيرة الذاتية... وعلى العموم، لا أعرف هل الكاتب يكتب سيرة الآخرين فقط ويتجاهل سيرته الذاتية، أو يفلت من هذه الصحة بالتعبير؟ لا أعتقد أن هذا الحكم عادل أبدًا! أنا أكتب ما أحس وأشعر وأرى وأسمع وما أتأثر به؛ ما وقع لي أو وقع للآخرين أو توهمته عن نفسي وعن الآخرين، وبالتالي حين أقف كقارئ على أعمالي أرى أن ما أحاول أن أواريه بأقنعة وستائر ما هو إلا لحمة وجهي وملامحي ذات حين!

(*) اخترتَ "السُّبَاء" (2026) عنوانًا لديوانك الشعري الجديد، والذي يحمل معنى الاقتلاع والتيه، وجعلتَ من التراث الموريتاني نافذةً لقراءة الجراح العربية، فكيف تداخلت فلسطين والذاكرة الموريتانية في تشكيل هذا الديوان؟
فلسطين مقدس... فلسطين آية من الكتاب. يعني لا يمكن التخلي عنها مطلقًا، ولا يمكن مقارنتها هي ومكة المكرمة والمدينة المنورة بأي مكان آخر من وطن العرب والمسلمين. وصحيح أنني في ديواني أو قصيدة "السباء" استخدمت رموز الثقافة الشنقيطية أكثر مما استخدمها أي شاعر آخر، وبكل تأكيد، وإن كنت لا أحب أن أحسم نقديًا... فكان امتحانًا صعبًا، لكنني لم أخطط له أبدًا، إنما هذه القصيدة أخذت مني أطول فترة أمضيتها في كتابة قصيدة... أكثر من ستة أشهر... وليس لدي أي قصيدة أخرى استغرقت مني أكثر من ساعة أو يوم أو يومين إلى ثلاثة إطلاقًا... ولذلك هذه القصيدة تحتاج إلى تهميش، لأن ذلك سيمكن القراء من مفاتيح للنّص، وقد عرض عليّ أحد دكاترة الأدب أن يقوم بتهميش لهذه القصيدة باعتبار أنها تحمل كمًا هائلًا من الرموز والإحالات المتعلقة بالثقافة الشنقيطية... ولعل تجربتي في الحداثة تميزت باستخدام مكثف للرموز الثقافية المحلية، فإذا كان للسياب جيكوره، وشناشيل ابنة الجلبي، فأنا أيضًا لي "ديلول"، و"تيبه"، والرموز المتعلقة بالحياة الثقافية الموريتانية الممتدة آلاف الأعوام على هذا المكان من ما بين البحرين.

(*) أخيرًا، بعد هذا المسار الطويل بين الشعر والرواية والصحافة والأغنية، ماذا بقي من المختار السالم الذي بدأ الكتابة الأولى، وما الذي لم يكتبه بعد، ويخشى أن يظل عالقًا في داخله إذا لم يجد طريقه إلى الورق؟
كلما خلوت بالورقة سابقًا، وبلوحة المفاتيح حاليًا، أشعر أنني أمام ذلك السؤال الصّامت: هل هنالك كلمات يمكن أن تحمل عني أمانة المشاعر التي أحسّها؟ ثم إنني كلما خلوت إلى الكتابة أشعر أنني ذلك الطفل الذي يتلعثم أمام الأبجدية، وأنني لم أحقّق شيئًا، وإنما عليّ أن أستدرك بعض ما يفوتني.