لأنني فقدت ثلاثة أحبة في ظرف ثمانية أشهر، صار جل حديثي، ما بين بثٍّ و ذكريات، و تذكر و تذكير.
ثلاثتهم مثلوا لي أجمل ما كان من عمري، كل من موقعه في قصتي..
بفقدهم أيقنت أننا قادرون على العيش فوق الأرض، نأكل الطعام و نمشي في الأسواق، و قلوبنا و أرواحنا، و مهجنا، تحتها.
فجر اليوم من العام الماضي، كان أفولها..
زرتها في المساء و قد كانت تواجهه غاية الإعياء بمنتهى التجلد و الصبر و اليقين…رغم كونها خوافة بطبعها، و تكره سيرة الموت.
أخبرتها بأنني مسافرة فجرا، لمدة ساعات، فطلبت أن لا أبتعد كثيرا، و عاتبتني على قلة تواجدي بقربها هذه المرة، كسابق عهدي، حيث كنت أجلس الى جانبها أدعو لها و أربت على أكتافها، بالتناوب مع زوجها العربي المغفري الوفي صدقا، و دون رياء، الغالي عندنا كلنا، خالنا العزيز، الخبير الإعلامي ابوه ول احمد سالم حفظه الله و رعاه .
هي تعذرني و تفهم جيدا أنني ما عدت بالصلابة التي كانت سابقا، فلِتَوِّي خرجتُ من فترة الحداد الشرعي، بفؤاد منفطر فارغ، و لم ألملم بعد شتات روحي، و لا أظنني استطعت حتى الآن..
لم أر عمري، إنسانة بصدقها، و نقائها و صفاء روحها، و عدم حمل قلبها أدنى ضغينة أو حقد لأي انسان..
لم ترد علوا في الأرض و لا فسادا.
شامخة أبية، لا ترضى الضيم، و لا التقليل.
تحترم الجميع و لا تطلب أكثر منه، منه.
ملتزمة، صادقة صدوق، و تحب الخير للناس..
رافقتها سنوات مرضها كلها، إلى غاية الثلاث الأخيرة منه، حيث شغلتني عنها قوى قاهرة.
أشهد لها بلزوم الطهارة في أصعب الظروف المرضية، فما كان في بيتها حجارة التيمم، و لا تعرف حتى حكمه، و لا تريد..
و عندما أطالبها به شفقة على حالتها، تقول لي بأنها ليست بحاجته و ترجوا الله أن لا يضطرها إليه، و تظل قادرة على الوضوء و لزوم الطهارة حتى آخر لحظة.
كما أشهد لها بالرضا و الصبر على الابتلاء و طول مدته، و حسن التسليم لله…
اتحدث اليوم عن ذكراها الأولى.!!.
عن سنة على بقائي بلا خالة..!!
و قد كانتا اثنين من أجمل البشر و أقربهم إلى قلبي..
فاللهم لقِّ خالتي افاتو و خالتي منينه، نضرة و سرورا، و اجعل لي بهما و من فقدنا، لقاء أخرويا ينسينا كل نصب و وصب و ألم دنيوي، كان سببا لفراقنا..
