رئيس أركان الجيش الجزائري: أمن دول الساحل جزء أمنها القومي

رئيس أركان الجيش الجزائري: أمن دول الساحل جزء أمنها القومي

الجزائر- “القدس العربي”:

 

أكد رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، أن الجزائر لا تتعامل مع أزمات الساحل كفاعل خارجي، بل كشريك أصيل يدرك أن استقرار جيرانه شرط أساسي لاستقراره، وذلك في أول تعليق له بعد التطورات الأخيرة المتعلقة بإرسال الجزائر طائرات لمساعدة النيجر على مواجهة انقلاب عسكري.

وقال شنقريحة في كلمة له خلال زيارته الناحية العسكرية الثالثة بولاية بشار جنوب غرب الجزائر، إن مساعي الجزائر لمساعدة دول الساحل اقتصاديا وتنمويا وعسكريا تنبع من إدراكها العميق بأن أمن دول هذه المنطقة يمثل امتدادا طبيعيا لأمنها القومي، مؤكدا أن الرئيس عبد المجيد تبون شدد على الترابط الوثيق بين الأمن والتنمية لمواجهة التحديات المتعددة الأبعاد التي تشهدها المنطقة.

 

وأضاف أن الجزائر كانت ولا تزال عامل استقرار في منطقتها الإقليمية، بحكم حرصها الدائم على ترسيخ أواصر الأخوة والتضامن وحسن الجوار، والتزامها الثابت باحترام سيادة الدول واستقلالها، في ظل مبادئ القانون الدولي.

وأوضح رئيس الأركان الجزائري أن مساعي بلاده تجسدت، على وجه الخصوص، في الانطلاق في إنجاز مشاريع مهيكلة واعدة، ترمي إلى تعزيز البنية التحتية المشتركة والمساهمة في خلق فرص تنمية جديدة.

وجاءت تصريحات شنقريحة في وقت تشهد العلاقات الجزائرية مع عدد من دول الساحل تطورات على المستويين السياسي والعسكري، خاصة مع النيجر ومالي، بعد فترة من التوتر في العلاقات، وظهور مؤشرات على استئناف الحوار وتعزيز التعاون.

وفي الأسابيع الأخيرة، شمل التعاون بين الجزائر والنيجر تسليم الجيش النيجري هبة من أربع مروحيات، إلى جانب ذخائر وقطع غيار ومعدات صيانة ودعم لوجستي، بعد عملية مشتركة لتحرير رهينة ألماني.

كما أرسلت الجزائر، خلال محاولة الانقلاب الأخيرة التي شهدتها نيامي، أربع طائرات قتالية من طراز “سوخوي 30″، مرفوقة بطائرة للتزود بالوقود جوا، استجابة لطلب القيادة النيجرية في إطار التعاون الاستراتيجي بين البلدين.

وكانت النيجر قد أشادت، خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بـ”المرافقة” الجزائرية، وفق ما قاله الوزير الأول علي محمد لمين زين، مؤكدا أن النيجر تمكنت من الصمود أمام مختلف التحديات بفضل تضحيات أبنائها والتضامن بين دول الساحل، وكذلك وقوف الجزائر إلى جانبها.

 

وقال المسؤول النيجري إن بلاده “واقفة على قدميها لأن الجمهورية الجزائرية الديمقراطية والشعبية، البلد الشقيق والجار، اختارت أن ترافقها”، مشيرا إلى أن هذه المرافقة تشمل استثمارا مهما في استغلال الموارد الطبيعية، إلى جانب الدعم المستمر لنظامها الدفاعي.

وأوضح لمين زين أن التعاون بين الجزائر والنيجر يشمل الصحة والتعليم والطاقة والموارد المائية والزراعة، فضلا عن مشاريع ذات بعد إقليمي، على غرار أنبوب الغاز العابر للحدود بين نيجيريا والنيجر والجزائر، والطريق العابر للصحراء.

وفي آخر تصريحاته، أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن بلاده لن تتوانى في استعمال إمكانياتها العسكرية في الدفاع عن أصدقائها والمصالح المشتركة التي تجمعها بدول الساحل.

وذكر في لقائه الدوري مع الصحافة المحلية، أن الجزائر أرسلت طائرات عسكرية إلى النيجر بعد “تمادي جهات في مخططاتها”، مشيرا إلى أن رئيس وزراء النيجر، محمد الأمين زين، كان في زيارة إلى الجزائر، قبل أن يعود ليلا إلى بلاده، لتقع بعدها محاولة انقلابية. وأضاف دون أن يشير لاسم دولة معينة: “الأمور واضحة، هذا استفزاز لنا”.

وعما إذا كان ذلك يعني مراجعة العقيدة العسكرية الجزائرية بعد إرسال طائرات للنيجر، تحدث تبون عن أن الدستور الجزائري أصبح يسمح بمشاركة عسكرية خارج الحدود بعد موافقة البرلمان، لكنه نفى وجود “تغير” في العقيدة العسكرية الجزائرية، معتبرا في الوقت ذاته أن المعطيات تغيرت بعد أن أصبحت أطراف تحاول تقويض مصالح مشتركة مع دول في محيط الجزائر، على حد وصفه.

وأشار هنا إلى أن الجزائر لن تسمح بالإضرار بأصدقائها وبالمصالح المشتركة التي تجمعها بدول المنطقة، في سياق حديثه عن الدور الجزائري في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. وتابع يقول: “هناك دول ليس لها تعداد بشري وهي تجند وتزرع المرتزقة في كل مكان. ما الذي يدفعكم لذلك. اجلسوا في بلادكم واهتموا بتنميتها”. ويحيل هذا الكلام إلى الغضب الجزائري المتزايد من أدوار للإمارات في منطقة الساحل، وفق ما كشفت عنه تقارير في الصحافة الجزائرية وتصريحات دبلوماسيين سابقين.

وكانت العلاقات مع دول الساحل قد تضررت بشكل كبير في السنتين الأخيرتين، ليصل الخلاف الذروة في أبريل 2025، عقب حادث إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود. وقالت الجزائر إن دفاعاتها الجوية أسقطت الطائرة بعد اختراقها المجال الجوي الجزائري، فيما اتهمت باماكو الجزائر بإسقاط الطائرة داخل الأراضي المالية.

وأعقب الحادث تبادل إجراءات دبلوماسية شملت سحب السفراء، كما أعلنت الجزائر إغلاق مجالها الجوي أمام الرحلات القادمة من مالي والمتجهة إليها، وانتقل الخلاف إلى المنابر الدولية، حيث وجهت مالي اتهامات حادة للجزائر خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025.

 

غير أن الأشهر الأخيرة شهدت خطوات باتجاه إعادة العلاقات إلى مسار الحوار، من بينها عودة السفراء وإعادة فتح المجال الجوي بين البلدين في يوليو الماضي، بعد أكثر من عام على إغلاقه. وتعززت العلاقات أكثر في الأسابيع الأخيرة بعد إنهاء القطيعة وتبادل الزيارات على مستوى الوزيرين الأولين.

وفي تعليقه على عودة العلاقات إلى طبيعتها مع باماكو، قال الرئيس الجزائري في لقائه الأخير مع الصحافة، إن “في علاقتنا مع مالي، نحن أقرب إلى بعضنا البعض أكثر مما يتصوره أي طرف، فهناك قبائل مشتركة بين البلدين”، مؤكدا في الوقت نفسه أن الجزائر لن تدخل في الشأن الداخلي لهذا البلد الشقيق.

وفي لقائهما على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، اتفق وزيرا خارجية الجزائري ومالي أحمد عطاف وعبد الله ديوب، على ضرورة الانتقال خلال المرحلة المقبلة إلى إعداد خارطة طريق تحدد أولويات التعاون في مختلف المجالات والإجراءات الواجب اتخاذها بهذا الخصوص.