العلامة محمد الحسن بن أحمدو الخديم.. ذكريات تلميذ مع شيخ الأجيال

العلامة محمد الحسن بن أحمدو الخديم.. ذكريات تلميذ مع شيخ الأجيال

الشيخ العلامة محمد الحسن أحمدُو الخديم (حساب فقهاء المالكية عبر فيسبوك)

 

 

إبراهيم بن محمد فضل الله

  • ذكريات عطرة مع شيخنا العلامة محمد الحسن بن أحمدو الخديم

إن إقدام مثلي على الكتابة عن قامة علمية بمنزلة علم الأعلام، وشيخ الشيوخ، وأستاذ الأجيال، ومحبر التآليف المفيدة، والدنا وشيخنا العلامة محمد الحسن بن أحمدو الخديم، طيب الله ثراه، لمخاطرة شديدة، جرأني عليها هول المصاب، وفداحة الخطب، وعظم الفقد برحيل أمثاله من العلماء العاملين.

لقد من الله علي بالأخذ عن هذا الشيخ الجليل والتتلمذ بين يديه، والقرب منه، والاستفادة من دله وسمته وأخلاقه، فرأيت دينا علي أن أدون ما رأيت، وفاء لحقه العظيم علي وعلى جيلي من طلبة العلم، ولأروي للأجيال جانبا من سيرة علامة ملأ الدنيا بعلمه، وهو مقيم في قرية نائية بعيدا عن الأضواء، زاهد في الشهرة ومقتضياتها، ورغم ذلك توافد عليه طلاب العلم من مختلف أنحاء شنقيط ومن جميع قارات العالم.

لقد عرف عن شيخنا العلامة محمد الحسن التبحر في العلوم، وصدق الورع والزهد، والإقبال على العلم تعلما وتعليما بالتدريس والتأليف، وعرفت عنه محامد أخرى كثيرة من الزهد والكرم والتواضع، والإعراض عن الدنيا ومغرياتها، صابرا على ذلك عقودا طويلة صعبة. وهي مناقب عرفها القريب والبعيد عنه، لكني هنا سأقتصر على حكايتي معه وما رأيت وما سمعت.

خصص لي غرفة في داره العامرة بالعلم والكتب، وغمرني بإحسانه وجوده وعطفه ولطفه وعنايته، فكنت إذا تأخرت مع الطلاب أتاني بنفسه يحمل لي الطعام

بدأت الحكاية مساء يوم الجمعة 22 ربيع الأول عام 1414هـ، الموافق 8 سبتمبر/أيلول 1993م، حين قدمت إلى داره العامرة في قرية التيسير، فكان أول المستقبلين لي بوجه هاش باش، مرحبا ومباسطا بالحديث العذب المفيد، ثم قدم لي الضيافة من طعام وشراب بيديه المباركتين.

لشدة ما رأيت من التواضع، لم أصدق أنني أجلس بين يدي العلامة الذي قطعت أكثر من 1300 كيلومتر برا للقياه، وقد انتبه لذلك بعض الحاضرين، فأخبرني أن الذي يخدمنا ويباسطنا هو الشيخ محمد الحسن بن أحمدو الخديم، فانتبهت مندهشا، إذ قد استقر في الذهن أن ذوي الهيئات لا يوصل إليهم ببساطة.

جلست بين يدي الشيخ وأخذ يسألني عن الجهة القادم منها، فلما أخبرته بها قال لي مشجعا ومباركا: "هذا يدل على علو الهمة، أنت أول طالب يصلنا من تلك المناطق الشرقية"، ثم سألني عن الوالد رحمه الله، فلما أخبرته به، وكان يسمع به، قال لي: "من شأن الفرع أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة"، فوالله ما فهمت حينها شيئا مما قال لي، وكأنه يخاطبني بلغة لا أعرفها.

ثم سألني: "هل من حقوق؟" فقلت له: الوالدة، ولكنها آثرت التعليم. فقال لي مبتسما: "التعلم". فوالله ما كهرني ولا نهرني، ولا أظهر الاشمئزاز من لحني الفاحش، ثم قال لي: "امشِ، أقرئك"، فقرأت عليه من الباب الذي وصلت إليه في الألفية، وهو باب النكرة والمعرفة.

ولما كان صباح الغد، حملت حقيبتي متوجها إلى مساكن الطلاب، متظاهرا بأني سأسكن معهم، والله وحده هو الذي يعلم أني لا قدرة لي على ذلك، ومظهري لا يفهم منه ذلك؛ لأني شاب في ريعان الشباب، ولا يبدو علي أي تعب. فلما رآني أحملها قال لي: "لا يا إبراهيم، سلمان منا آل البيت. علاقتك بالطلاب أوقات الدراسة فقط، أما أوقات الراحة فأنت معنا هنا".

وخصص لي غرفة في داره العامرة بالعلم والكتب، وغمرني بإحسانه وجوده وعطفه ولطفه وعنايته، فكنت إذا تأخرت مع الطلاب أتاني بنفسه يحمل لي الطعام، فقد رحم غربتي وبعد أهلي. وكانت زوجه المباركة ووالدتي الكريمة عائشة بنت عداه سيدة ذلك البيت وربة الفضل فيه، فلا أنسى معروفها ومعروف أبناء الشيخ الكرام كلهم، بارك الله فيهم جميعا، وأبقى البركة والفضل والنور فيهم إلى يوم الدين.

كان يقول لي رحمه الله: "أحب لطالب العلم أن يحفظ، أول مجيئه للمحظرة، بيتين من الألفية، وبيتا من شواهدها، ويعمل بمقتضاها"

كان كل أهل هذا البيت الكريم يتسابقون إلى إكرامي، وفيهم أنشد دوما ما حييت أبيات الغنوي التي أنشدها سيدنا أبو بكر الصديق في شأن الأنصار، رضي الله عن الجميع:

جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت .. بنا نعلنا في الواطئين فزلت

هم خلطونا بالنفوس وألجؤوا .. إلى حجرات أدفأت وأظلت

أبوا أن يملونا ولو أن أمنا .. تلاقي الذي يلقون منا لملت.

من مبالغة الشيخ وكرمه أنه تجاوز الإكرام الحسي والتبجيل المعنوي إلى مراعاة الخواطر ومراقبة حديث النفس، فقد سمعني ذات ليلة أنشد أبيات العلامة ممو بن عبد الحميد الجكني:

ونصب ثمود يعرف باشتغال .. بفعل بعد فاء لا يبين

ولا ذي الفاء تمنع ذا لضعف .. فليست وسط مركزها تكون

فهانت عند ذاك وإن قوما .. متى يدعوا بلادهم يهونوا

فسمعني الشيخ وقال لي: "يا إبراهيم، أنت لست بهين، وإني ورب الكعبة لست بهين عندهم، بل معزز مكرم مبجل معظم".

وأملى علي هذين البيتين:

لا يمنعنك خفض العيش في دعة .. نزوع نفس إلى أهل وأوطان

تلقى بكل بلاد إن حللت بها .. أهلا بأهل وجيرانا بجيران

وكان يقول لي رحمه الله: "أحب لطالب العلم أن يحفظ، أول مجيئه للمحظرة، بيتين من الألفية، وبيتا من شواهدها، ويعمل بمقتضاها".

وبيتا الألفية هما:

الظرف وقت أو مكان ضمنا .. "في" باطراد كهنا امكث أزمنا

وقد ينوب عنه ما عليه دل .. كجد كل الجد وافرح الجذل

والشاهد هو: فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة .. ولا في بيوت الحي بالمتولج

وكان رحمه الله يوصيني بصحبة الأخيار وأهل الجد، ويحذرني من صحبة الأشرار والكسالى، وأملى علي ذات مساء هذه الأبيات، وشرحها لي، فكان لها وقع عجيب على نفسي:

عليك بأرباب الصدور فمن غدا .. مضافا لأرباب الصدور تصدرا

وإياك أن ترضى بصحبة ناقص .. فينحط قدر من علاك وتحقرا

فرفع أبو من ثم خفض مزمل .. يبين قولي مغريا ومحذرا.

سافر مرة، وكان أهل الدار في البادية، وبقيت في الدار وحدي، وتحت يدي ما فيها، فقال لي عند الوداع: "يا إبراهيم، ما في هذه الدار لا يصد عنه أحد، فهو حل بل لمن يريده".

وأنشد: منزلنا رحب لمن زاره .. فيه سواء نحن والطارق

وكل ما فيه حلال له .. إلا الذي حرمه الخالق

وكان رحمه الله يأتيني في الظلام الدامس، بعيدا عن أنظار الناس، ويضع الآلاف في جيبي بطريقة خفية، فـ"لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".

كنت إذا أتيته باستشكال فرح وأعجب به، وأوضح لي ما كان مشكلا علي، وفي ذلك من التربية الشيء العظيم والحافز القوي، بينما تكون لإعراض الشيوخ عن الاستشكالات مثبطات قاتلة

كان الشيخ تربويا يراقب طلابه ويرصد مداركهم، ويخاطب كل واحد منهم ويشرح له حسب مستوى إدراكه وقابلية فهمه. ومن ذلك أنه تركني بعد قدومي أواصل كتابة متن ألفية ابن مالك المعروف في المحاظر الشنقيطية بـ"الاكحلال"، فلما وصلت باب الفاعل ناداني، وقال لي: "يا إبراهيم، أنا تركتك تواصل كتابة الاكحلال حتى يتضح لي هل لك أهلية لحمل العلم وفهمه أم لا، والآن تبين لي، ولله الحمد، أهليتك لذلك. فمن يستطيع بلوغ أعلى منزلة، ما له يرضى بأدنى منزلة؟ ستكتب جامع بن بونه من الآن"، وهو المعروف بالاحمرار.

فبدأت حينئذ بدراسة الاحمرار، وأولاني الشيخ عناية خاصة، فصار يدرسني درسين: درسا مع دروس الطلاب العامة، وآخر وحدي في بيته ليلا، ولا أحد معنا. وكان رحمه الله حريصا على مواصلتي للدراسة، ويخاف علي من قطعها، فقد قال، دون أن أعلم، لابن أختي وأخي الغالي أمانة الله بن محمد لقظف، وهو الذي تأتيني الرسائل بواسطته: "إذا أتتك رسالة لإبراهيم، فإني آذن لك في قراءتها، فإن كان فيها شيء يشوش عليه، لا ترسلها إليه".

مرضت ذات مرة، فذهبت إلى العاصمة نواكشوط، وأتيت الخال الكريم الشريف زين بن سيد محمد للعلاج، وعالجني، جزاه الله عني خيرا، فأرسل هو إلي رسالة، ما يسرني أن لي بها الدنيا، وما زلت أحتفظ بها حتى هذه الساعة، وكتب لي في آخرها: "لا تبطئ، فنحن في اشتياق إليك".

ولما من الله علي بالشفاء ورجعت، دخلت عليه قبيل المغرب، ففرح بي فرحا شديدا، وهش في وجهي وبش، وقال لابنه الأستاذ الجليل الشيخ عبد الرحمن حفظه الله، وهو بجنبه تلك الساعة: "أسمعنا أبيات ذي الرمة".

فأنشدها الشيخ عبد الرحمن كاملة:

قلت إذ أقبلت وزهر تهادى .. كنعاج الفلا تعسفن رملا

لا تخافي إن بنت أن نتنا .. ساك ولا إن وصلتنا أن نملا

إن تبيني عنا فسقيا ورعيا .. أو تحلي بنا فأهلا وسهلا

وكان رحمه الله كثيرا ما يلتفت إلي ويقول لي:

محا حبها حب الألى كن قبلها .. وحلت مكانا لم يكن حل من قبل

ويقول لي مطمئنا: "يقول المشايخ بأن إقبال قلب الشيخ على تلميذه علامة على أنه سيفتح له، وأنا قلبي مقبل عليك".

ويقول لي رحمه الله: "إني أدعو لك بدعوة دعا لي بها شيخي، الشيخ محمد سالم بن ألما، واستجابها الله: أنت بين الطلاب ومعك الطلاب".

وكنت إذا أتيته باستشكال فرح وأعجب به، وأوضح لي ما كان مشكلا علي، وفي ذلك من التربية الشيء العظيم والحافز القوي، بينما تكون لإعراض الشيوخ عن الاستشكالات مثبطات قاتلة. فأتذكر أني حين دراستي لامية الأفعال على عالم جليل في نواكشوط، استشكلت عليه استشكالا، فغضب علي رحمه الله، وخاطبني خطابا فهمت منه أنه لا وجه لاستشكالي، وخيل إلي أنه نظر إلي رحمه الله نظرة استخفاف.

فصرت أقول في نفسي: سأترك طلب العلم؛ لأني لست أهلا لحمله، لأن هذا العالم الجليل اكتشف ذلك. فلما من الله علي بلقاء شيخي هذا رحمه الله، ذكرت له الاستشكال، فأعجب به إعجابا شديدا، وشرحه لي، وأزال عني ما كان يشكل علي.

تزاحمت علي الدروس ذات مرة وأرهقتني، حتى هممت بالذهاب عن المحظرة، فدخلت عليه وأخبرته بما أجد، فتبسم وقال لي: "لا تخف، سيزول كل ذلك بإذن الله. تدبر قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. هذا قسم من الله الكريم الذي لا يخلف الميعاد"، فأزالت عني كلماته المباركة ونصائحه الصادقة ما كان بي من هم وغم، وواصلت دراستي.

أتيت ذات مرة لداره المباركة، أنا وأحد الطلاب، نريد الماء، فخرج إلينا الشيخ وسألنا: هل ينقص الطلاب شيء؟ فقلت له: ما شاء الله، الأمور بخير. فقال له الطالب الآخر بعفوية: والله ما عندنا شيء، فضحك الشيخ كثيرا، ودخل الدار، وأتانا بكثير مما يحتاجه الطلاب، وشكر زميلي على صراحته.

ومن حبه لطلابه أنه أتاه طالب ذات مرة قادما من نواكشوط، وبعد السلام قال له: "أتيت وحدك؟"، فقال له: "لا، أتى معي أحمد فال بن أحمد يحيى"، فقال الشيخ: "وقيل ترافعا"، محيلا إلى قول نحوي، فللشيخ أحمد فال مكانة خاصة عند الشيخ، وهو أهل لها.

من نكت الشيخ ومباسطته لطلابه أنه أعار طرته التي كتبها بيمينه المباركة لأحد الطلاب، وكان هذا الطالب يطيل إمساكها حتى أثرت أنامله فيها، فلما رأى الشيخ ذلك قال له: "هي ليست ببطاقة تعريف يشترط تثبيت البصمة عليها".

لما قررت الذهاب عن المحظرة، وليتني لم أذهب، شرفني الشيخ بتشييعي حتى تجاوزنا الدور، وأثنى علي أمام الحاضرين ثناء عطرا، وقد وفقني الله من فضله، فله الحمد وله الشكر، أني بقيت على صلة به، زيارة واتصالا.

فدائما أطلب من إخوتي الأكارم أن يعطوه لي في الهاتف ليلة سبع وعشرين من رمضان، ألتمس منه دعوة صالحة.

سمعت من يناديني: "الشيخ يريدك"، فالتفت، فإذا الشيخ، فوليت مسرعا، فلما أتيته قال لي: "أوصيك ألا تنسني"، وكان كثيرا ما يقول: "أنتم الطلاب زاد القبور"، يقصد العلم المبثوث في صدورهم ودعواتهم لأشياخهم

وذات ليلة، لما خاطبته في الهاتف، أنشد هذين البيتين:

حديثه أو حديث عنه يطربني .. هذا إذا غاب أو هذا إذا حضرا

كلاهما حسن عندي أسر به .. لكن أحلاهما ما وافق النظرا

وكان يراسلني برسائل تشرفني وتسعدني، وهي محفوظة عندي، ولو عرضت علي الدنيا بدلها لرفضت، غير نادم ولا مكترث. يقول لي في إحداها، تواضعا منه وتقديرا لي: "أخوك الذي يتشرف بأنك تحليه بأنه شيخك".

وما جئته في زيارة إلا فرح بي، وهش في وجهي وبش، وحدث الحاضرين عني وأثنى علي، ووقف معي يشيعني، ولما أصبح لا يقدر على القيام، صار يعتذر لي عند الوداع عن عدم التشييع.

أتذكر أني ذات مرة، بعد أن شيعني وانصرفت، سمعت من يناديني: "الشيخ يريدك"، فالتفت، فإذا الشيخ، فوليت مسرعا، فلما أتيته قال لي: "أوصيك ألا تنسني"، وكان كثيرا ما يقول: "أنتم الطلاب زاد القبور"، يقصد العلم المبثوث في صدورهم ودعواتهم لأشياخهم.

رحم الله شيخنا، وأسكنه فسيح جناته، وبوأه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وجبر كسرنا وكسر الأمة بعد فقده، وجعل ما بثه من علم في صدور الرجال، وما خطه من فنون في بطون الكتب، في موازين حسناته.

فحالنا وحال الجميع كما قال الشاعر: كأن الناس إذ فقدوا عليا .. نعام حار في بلد سنينا

وإنا لله وإنا إليه راجعون.