العبودية خلف القوة البريطانية... يوم فازت بريطانيا بحق توريد العبيد لأمريكا

العبودية خلف القوة البريطانية... يوم فازت بريطانيا بحق توريد العبيد لأمريكا

لندن ـ عربي21:

تكشف سجلات الإمبراطورية البريطانية أن جزءا من ثروتها تراكم في عالم لم يكن فيه الإنسان المستعبد يُعامل باعتباره إنسانا، بل باعتباره سلعة قابلة للبيع والشراء والتأمين والرهن.. الأناضول

كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية النقابي في تحقيق نشرته الاثنين، عن وثائق تاريخية تسلط الضوء على الدور المباشر للملكية البريطانية في تجارة الرقيق عبر الأطلسي، بينها وثائق تظهر استخدام علامة على شكل التاج الملكي البريطاني لوسم أجساد أفارقة مستعبدين، في واحدة من أكثر الممارسات قسوة التي رافقت تجارة البشر التي استمرت قرابة 250 عاما.

وبحسب التحقيق، الذي أعده مراسل الصحيفة المتخصص في التحقيقات ديفيد كون، فإن أبحاثا تاريخية جديدة توثق ارتباط ملوك وملكات بريطانيا وشخصيات بارزة في المؤسسة السياسية والمالية بتجارة واستعباد أكثر من ثلاثة ملايين أفريقي.

وتستند "الغارديان" إلى نتائج سجل تجار الرقيق البريطانيين، وهو مشروع بحثي واسع يوثق المستثمرين والأفراد والمؤسسات الذين شاركوا في تجارة الرقيق البريطانية، إضافة إلى وثائق أرشيفية اكتشفها مؤرخون، من بينها مراسلات صادرة عن شركات حظيت بدعم التاج البريطاني.

ويأتي نشر التحقيق في وقت تتزايد فيه الضغوط على الملك تشارلز الثالث للاعتراف بصورة أكثر صراحة بدور الملكية البريطانية في تجارة الرقيق، في ظل مطالب متنامية من دول أفريقية ومنطقة الكاريبي بالاعتذار والتعويضات.

 

وثيقة تكشف وسم المستعبدين بالتاج الملكي
 


ويشير تحقيق "الغارديان" إلى أن المؤرخ نيكولاس رادبرن، من جامعة لانكستر، عثر في أرشيف شركة بحر الجنوب على رسالة تعود إلى القرن الثامن عشر، يأمر فيها مجلس إدارة الشركة وكلاءه بوسم الأفارقة المستعبدين باستخدام قطعة معدنية تُسخّن حتى الاحمرار.

وكانت العلامة تحمل شكلا للتاج، في إشارة إلى الصلة الملكية بالشركة، فيما تضمنت الرسالة تعليمات بوضع الوسم على الكتف الأيسر للمستعبد بعد تسخينه.

 

لم تكن تجارة الرقيق في التاريخ البريطاني نشاطا تجاريا منفصلا عن صعود الإمبراطورية، بل ارتبطت على مدى قرون بشبكة واسعة من التجارة والاستعمار والمال والصناعة، وأسهمت في تراكم الثروة التي استفادت منها مدن وموانئ ومؤسسات بريطانية عديدة.

وتقول الصحيفة إن مجلس الإدارة أصدر هذه التعليمات رغم تحذير طبيب من مخاطر العملية، مبررا استخدامها بأنها الطريقة الأكثر فعالية لتمييز الأشخاص المستعبدين الذين تعود ملكيتهم إلى الشركة عن غيرهم.

ويرى رادبرن أن الوثيقة تقدم دليلا على أن العنف ضد المستعبدين لم يكن ممارسة عشوائية، بل كان موضوعا لقرارات تفصيلية تتخذها نخبة بريطانية من داخل مجالس إدارة الشركات في لندن.

 

الملكية في قلب تجارة الرقيق
 


وتبرز "الغارديان" أن تورط الملكية البريطانية لم يبدأ في القرن الثامن عشر، بل يعود إلى مراحل أسبق من توسع بريطانيا التجاري والاستعماري.

وتشير المؤرخة بروك نيومان، مؤلفة كتاب "صمت التاج"، إلى امتداد علاقة الملكية بتجارة الرقيق من الرحلات البحرية التي دعمتها الملكة إليزابيث الأولى في ستينيات القرن السادس عشر إلى عهد الملك وليام الرابع في القرن التاسع عشر.

لكن الدور الملكي بلغ ذروته بعد استعادة الملكية عام 1660، عندما أصبح جيمس، دوق يورك، الذي اعتلى العرش لاحقا باسم جيمس الثاني، حاكما وأحد كبار المساهمين في شركة أفريقيا الملكية، التي أصبحت أكبر مؤسسة منفردة في تاريخ تجارة الرقيق عبر الأطلسي من حيث عدد الأفارقة الذين تولت نقلهم.

وكانت الشركة قد أسسها الملك تشارلز الثاني، إلى جانب شركة «المغامرين الملكيين»، وحظيت بدعم شخصيات من البلاط والسياسة والمال.

وتكشف الوثائق، بحسب الصحيفة، أن اجتماعات شركة أفريقيا الملكية التي كانت تتخذ فيها قرارات تتعلق بتجارة الرقيق عُقدت في شقة جيمس الشخصية داخل قصر وايتهول، مقر العائلة المالكة آنذاك.

 

وسم يحمل اسم دوق يورك
 


ولا تتوقف الأدلة عند استخدام التاج الملكي رمزا لوسم المستعبدين. فقد كشفت أبحاث المؤرخين عن علامات أخرى استخدمتها شركة أفريقيا الملكية، من بينها "DY" في إشارة إلى "دوق يورك"، و"RACE" اختصارا لاسم الشركة.

وتورد "الغارديان" أن وكلاء الشركة تلقوا تعليمات بوسم المستعبدين على الصدر الأيمن، فيما طُلب وسم الأطفال عندما يبلغون الثالثة من العمر.

وتعكس هذه الوثائق، بحسب التحقيق، مدى تحول استعباد البشر إلى منظومة تجارية وإدارية منظمة، شاركت في وضع قواعدها مؤسسات وشخصيات مرتبطة بالنخبة البريطانية والملكية.

 

"أسيينتو".. صفقة ملكية لتجارة البشر
 


وتلفت الصحيفة إلى أن تدخل التاج لم يقتصر على الاستثمار في الشركات، بل شمل أيضا إبرام الاتفاقيات الدولية التي نظمت تجارة الرقيق.

ففي عام 1713، حصلت بريطانيا في عهد الملكة آن، بموجب اتفاقية مع إسبانيا، على حق "أسيينتو"، الذي منحها امتيازا لتزويد المستعمرات الإسبانية في الأمريكتين بالأفارقة المستعبدين.

وكان الاتفاق ينص على توريد نحو 4800 شخص مستعبد سنويا لمدة 30 عاما.

وكانت الملكة آن نفسها مستثمرة في شركة بحر الجنوب، التي حصلت على الحقوق المرتبطة بالاتفاق، كما كان الملكان جورج الأول وجورج الثاني مستثمرين وداعمين للشركة.

وبحسب البيانات التي أوردتها "الغارديان" استنادا إلى قاعدة بيانات "مشروع رحلات الرقيق"، نقلت شركة بحر الجنوب أكثر من 43 ألف أفريقي مستعبد من غرب أفريقيا ومدغشقر إلى الكاريبي وأمريكا الإسبانية بين عامي 1714 و1740، كما نقلت أكثر من 50 ألف شخص مستعبد داخل الأمريكتين.

وتشير البيانات إلى وفاة نحو 7 آلاف شخص خلال الرحلات البحرية بسبب الظروف القاسية.

 

تشارلز أمام اختبار الاعتراف
 


ويأتي تحقيق "الغارديان" في وقت يواجه فيه الملك تشارلز ضغوطا متزايدة بشأن موقفه من تاريخ العائلة المالكة وتجارة الرقيق.

وكان تشارلز قد وصف الاستعباد في مناسبات سابقة بأنه "فظاعة مروعة"، وتحدث عن "الجوانب الأكثر إيلاما في ماضينا"، كما أبدى في عام 2023 دعمه لإجراء أبحاث حول صلات الملكية البريطانية التاريخية بتجارة الرقيق عبر الأطلسي.

لكن الملك لم يقدم اعتذارا رسميا عن دور بريطانيا أو الملكية في تجارة الرقيق.

وقالت متحدثة باسمه، ردا على ما أورده التحقيق، إن الملك "ممتن لجميع الذين يجرون أعمالا أكاديمية في هذا المجال" ويسهمون في النقاش حول أفضل السبل لمعالجة هذه القضايا.

ومن المتوقع أن تتصاعد المطالب قبل اجتماع رؤساء حكومات دول الكومنولث في أنتيغوا وبربودا في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، خصوصا مع استمرار دول الكاريبي في المطالبة باعتراف بريطاني رسمي بمسؤولية تاريخية عن الاستعباد، وفتح ملف التعويضات.

وكان وفد جامايكي قد سلم مؤخرا عريضة إلى الملك تشارلز تطالب بإحالة قضايا تتعلق بقانونية النقل القسري للأفارقة إلى جامايكا، وتصنيف الاستعباد بوصفه جريمة ضد الإنسانية، ومسؤولية بريطانيا عن التعويض، إلى المجلس الخاص للملك.

وبذلك، يعيد تحقيق "الغارديان" فتح ملف طالما كان حساسا بالنسبة للمؤسسة الملكية البريطانية: إلى أي مدى يمكن فصل التاج عن تجارة الرقيق، في وقت تكشف فيه الوثائق أن رمزه نفسه استُخدم لوسم أجساد البشر الذين جرى استعبادهم؟

 

العبودية.. الوجه الآخر للإمبراطورية التي "لا تغرب عنها الشمس"
 


لم تكن تجارة الرقيق في التاريخ البريطاني نشاطا تجاريا منفصلا عن صعود الإمبراطورية، بل ارتبطت على مدى قرون بشبكة واسعة من التجارة والاستعمار والمال والصناعة، وأسهمت في تراكم الثروة التي استفادت منها مدن وموانئ ومؤسسات بريطانية عديدة.

فبينما ارتبطت صورة الإمبراطورية البريطانية لاحقا بشعار "الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس"، تكشف سجلات تلك الإمبراطورية أن جزءا من ثروتها تراكم في عالم لم يكن فيه الإنسان المستعبد يُعامل باعتباره إنسانا، بل باعتباره سلعة قابلة للبيع والشراء والتأمين والرهن.

وتشير أرشيفات الحكومة البريطانية إلى أن بريطانيا كانت واحدة من أكبر الدول المنخرطة في تجارة الرقيق عبر الأطلسي، وأنها نقلت نحو 3.1 ملايين أفريقي مستعبد بين عامي 1640 و1807، وصل نحو 2.7 مليون منهم إلى وجهاتهم أحياء. وبريطانيا والبرتغال وحدهما كانتا مسؤولتين عن نحو 70% من عمليات نقل الأفارقة المستعبدين إلى الأمريكتين.

ولم تكن الأرباح محصورة في التجار الذين أداروا السفن. فقد ازدهرت موانئ مثل ليفربول وبريستول وغلاسكو من تجارة الرقيق ومن الأنشطة المرتبطة بها، كما استفادت صناعات ومهن أخرى من تجهيز السفن وتمويل الرحلات وتأمينها ومعالجة السلع التي تنتجها مزارع العبيد في الكاريبي والأمريكتين، وفي مقدمتها السكر والتبغ والقطن. ويشير الأرشيف الوطني البريطاني إلى أن مدنا بريطانية عديدة راكمت الثروة من الصناعات التي اعتمدت على المواد المنتجة في مزارع العبيد.

وكانت المنظومة تقوم على دائرة اقتصادية مترابطة: سفن تغادر بريطانيا محملة بالبضائع، تتجه إلى أفريقيا، ثم تنقل الأفارقة المستعبدين قسرا إلى الأمريكتين، قبل أن تعود محملة بمنتجات المزارع، لتدخل تلك السلع في الأسواق البريطانية والأوروبية.

 

إن النقاش الذي تعيده وثائق الملكية البريطانية إلى الواجهة اليوم لا يتعلق فقط بمسؤولية ملوك وملكات سابقين عن تجارة الرقيق، وإنما بسؤال أوسع: كيف ساهم نظام الاستعباد في بناء القوة الاقتصادية للإمبراطورية البريطانية، ومن استفاد من تلك الثروة، ومن بقيت تبعاتها ممتدة إلى اليوم؟

ومع توسع هذه التجارة، نشأت حولها شبكة من التمويل والائتمان والتأمين والتجارة، وأسهمت الثروة المتولدة عنها في تعزيز مكانة مدينة لندن كمركز مالي عالمي. وتشير أبحاث أكاديمية بجامعة كوليدج لندن إلى أن تجارة الرقيق والاستعباد كانا نظاما اقتصاديا قائما على تدفقات رأس المال البشري والمالي، مدعوما بشبكات ائتمان ومؤسسات قانونية وسياسية، وأن الثروة الناتجة عنهما ساهمت في ترسيخ مكانة لندن المالية.

كما ارتبطت السلع المنتجة بأيدي المستعبدين ببدايات التصنيع البريطاني. وكان القطن، خصوصا، عاملا مهما في نمو صناعة النسيج، في الوقت الذي كانت فيه مزارع جنوب الولايات المتحدة والكاريبي تعتمد على العمل القسري لإنتاج المواد الخام التي تدخل في الصناعات البريطانية.

ولا يعني ذلك أن الثورة الصناعية البريطانية يمكن اختزالها في أرباح العبودية وحدها؛ فقد كانت وراءها عوامل متعددة، من التكنولوجيا والطاقة والفحم إلى الابتكار والمؤسسات والأسواق والإمبراطورية. لكن السجلات التاريخية تشير بوضوح إلى أن اقتصاد العبودية كان أحد مصادر رأس المال والطلب والأسواق والمواد الخام التي استفادت منها قطاعات من الاقتصاد البريطاني في مرحلة التصنيع المبكرة. ويذكر الأرشيف الوطني البريطاني صراحة أن أرباح تجارة الرقيق وفرت رأس المال لبعض مشاريع الثورة الصناعية المبكرة.

 

من إلغاء التجارة إلى تعويض مالكي العبيد
 


وحتى إلغاء تجارة الرقيق عام 1807 لم يكن نهاية فورية للعبودية في الإمبراطورية البريطانية. فقد أُلغي الاستعباد في معظم المستعمرات البريطانية بموجب قانون 1833، لكن التحرر الكامل تأخر في التطبيق حتى عام 1838 بسبب نظام "التدريب" أو العمل الإلزامي الانتقالي الذي أبقى أعدادا كبيرة من المستعبدين السابقين مرتبطة بالمزارع.

والأكثر دلالة أن الدولة البريطانية لم تتعامل مع المسألة بوصفها مجرد تحرير للبشر، بل أقرت أيضا تعويض مالكي العبيد عن فقدان ممتلكاتهم. وتظهر سجلات الأرشيف الوطني أن قانون 1833 نص على توفير تعويض للأشخاص الذين كانوا يملكون الحق في خدمات المستعبدين، فيما لم يحصل المستعبدون أنفسهم على تعويض مماثل عن سنوات العمل القسري والحرمان والعنف.

وهنا تبرز مفارقة تاريخية ثقيلة: فالإمبراطورية التي قدمت نفسها لاحقا بوصفها قوة قادت العالم نحو إلغاء تجارة الرقيق، كانت قد راكمت جزءا من قوتها التجارية والمالية والصناعية خلال قرون من الاستعباد والاستعمار، ثم دفعت تعويضات لمالكي العبيد عند إلغاء النظام، بينما خرج المستعبدون إلى الحرية من دون تعويض عن عقود الاستغلال.

ومن هذه الزاوية، فإن النقاش الذي تعيده وثائق الملكية البريطانية إلى الواجهة اليوم لا يتعلق فقط بمسؤولية ملوك وملكات سابقين عن تجارة الرقيق، وإنما بسؤال أوسع: كيف ساهم نظام الاستعباد في بناء القوة الاقتصادية للإمبراطورية البريطانية، ومن استفاد من تلك الثروة، ومن بقيت تبعاتها ممتدة إلى اليوم؟