أخبرني القاضي والباحث المحقق إبراهيم ولد مولود ولد داداه أن التيمفايه تدعى: تيكفاية البَرْيَة. وهي شجرة عضاه عظيمة ظليلة كان يتخذها الأديب الكبير سيدي عبد ولد مولاي المهدي التنواجيوي صالونا أدبيا يتنادى إلى ظلها الوارف الجميع لسماع الموسيقى وسباق الخيل واستعراض جيادها، وتنافس الفنانين في إتقان الموسيقى وشعراء الحسانية في المناظرة، ونقد الأدب وروايته، ومنتدى لأصحاب الحاجات حيث عرف الرجل بالكرم والفتوة وجودة القريحة ومعرفة "أزوان". وله قصة مع مولاي إسماعيل ولد الباشا.
سمعت القصة من الشيخ ولد محمد ولد الباشا حول شور "غوراس" ومن بوالناس ولد الباشا: سأثبت النص كما رويته عن الفنان الكبير أحمد ولد بوب جدو (أحمد ولد ببانَ، علما)، صاحب الطلعة الرائعة:
ألاّ لُكنتْ المول اشغابْ* في الدّنْيَ مازِلتْ او لَحبابْ* واللّ نبغِ مازلتْ اترابْ* واللّ مازلت اغلَ بابِ* نبغِ ذَ كاملْ من لعلابْ* اونبغِ ذوك العلب الناب.... إلى آخره.
تاريخ روايتي لطلعة التيكفايه كان في 10 نوفمبر سنة 1980م بمنزل أهل محمد ولد الميداخ، قبالة العيادة المجمعة بالحي "ر" في نواكشوط، وقد استقدمت الإذاعة الوطنية أحمد لتسجيل جوانب "أزوان" الثلاثة من طرف الأستاذ محمدٌ ولد سيدي إبراهيم، وكان يرافقه ابنه محمد ولد أحمد. رحمة الله على الجميع:
(النص):
شَوْفْ التّيكفّايه، صحيحْ* نعرفْهَ: باجدرهَ، والرّيحْ* اعليهَ تتگَرّعْْ واتْميحْ.* گُفّتْهَ خظرَ والنوّارْ* گادِلْهَ، ما متهوم اتطّيحْ،* و الخلق امواسيهَ عِقارْ* وازوان امگيم لبريح* افظل اظحاهَ كل انهارْ* وامنين ايزول الظل ايبيح* بيگي يفاوت بالتصبار*واتلاويحْ الخيل اتلاويح.* غير الرّحّالَ ماهْ اعمارْ:* من تصريف الحي الرؤوف* شوف التيكفّايَ قفار،* وازْرَبْهَ گبلتهَ منسوفْ* واجدرْهَ عاد افْ بلُّ غارْ* واجماعِتهَ ما تاتْ اتشوف* منهَ عينَك ردّاد أخبارْ.* (انتهت)
ملاحظات حول اللغة والبنية والسياق:
-[تتكرع]: تتردد الريح على أغصانها وكأنها تقرعها من كل الجهات.
-[اتميح]: تتمايل وتميس
.-[گفتهَ]: لمتها وقنتها الوافرة، تشبيها لها بلمة الرجل الكبيرة، حيث كان الرجال يطيلون شعرهم. والگفه: تشبيها لها بالقفة. وكانت موضة رجالية عند بظان الغرب الصحراوي تمييزا لهم عن بقية الشعوب المجاورة. شرقا وجنوبا وشمالا.
أضاف الشاعر صفة الخضرة تمييزا لهذه الشجرة الدائمة الاخضرار رمزا لخلودها عن بقية الأشجار التي تتساقط أوراقها في بعض الفصول.
-[النوار]: النوْر، وهو طلع الشجرة أيا كانت في الحسانية.
-[گادِلْهَ]: جادـلها: يعم عليها ويلبسها تماما مثل الجدائل أو الضفائر. والكلمة من ألفاظ الحسانية التي احتفظت بالجيم المعقودة مثل كلمة تگّرْ: تجّر. -[امواسيهَ]: من المواساة: التعهد.
-[عِقار]: مُلْك دائم. جاعلا إياها ملكا لا يزول.
-[أژوانْ]: ج: "آژّايْْ": موسيقى البظان بجوانبها الثلاث وبحورها الأربعة. أصل الكلمة صنهاجي مركب تركيب أضافة من كلمتين:
-[أنْژْ]: الشعر، الذي كانت تفتل منه أوتار "التيدنيت" و "آردين"، وهو أساسا من أعراف الخيل أو أذيالها.
-[أوين]: هو الكلام. والمعنى معجميا: صوت الشعَر. واصطلاحا: صوت الأوتار. -[لبريحْ]: من البراح والانطلاق من المكان في كل اتجاه.
-[بيگي]: هو المقام الأخير من طريقي: -لگنيديه ويسمى "بيگي المُخالف"، - والكحله ويسمى "بيگي أعظّال". نظيرا للعتيگ" في الطريق البيضاء. :
ونلاحظ هنا أن المقامات في الموسيقى البيظانية مقسمة حسب النوبات على أقسام النهار. وعند زوال الشمس عن كبد السماء يباح عزف مقام بيگي. [يُفاوت بالتصبار]: يشغل متفاوتا، مقسّط الأداء.
والتصبار: ضرب من العزف التمهيدي الدقيق بين الوحدات التي تسمى أشوارا، بحيث يكون ثمة تمهيد بعزف للوحدة التالية. ويقوم به الفنان الماهر ليشغل الآذان وقتيا ويهيئها لتوقع المعزوفات اللاحقة،. وقد يكون توسيعا وتنويعا مستحدثا من الفنان العازف، وقد يكون أصليا. وفي كل الأحوال هو إثراء للتغمات وترصيلات لحنية تكميلية بينها.
-[اتلاويح الخيل اتلاويح]: اتلاويح: الأولى تعني الرقص. وكانت الخيل ترقّص على إيفاع الموسيقى في رحاب التيكفاية وكذلك في العروض والحفلات..
-و[اتلاويح] الثانية: تأكيد لفظي لكمال الرقص وجماليته. وهو أسلوب تأكيد في الحسانية للمعنى المطلوب. ومن أمثلته قول محمذ فال ولد سعيد ولد عبد الجليل في گاف "التنشاف" على بنت البار.
-[الرّحّاله]: تعني الرُّحل لغة، أما سياقا هنا فهي الدنيا الفانية.
-[ازربهَ]: أغصانها. استخدمته الحسانية بوظيفته إذ تستخدم الأغصان لاتخاذ زرائب الدواب أو الحقول.
-[ردّاد أخبار]: معيد الخبر عن قومه. وهو الناجي الوحيد من رفاقه ويعود إلى الآخرين ليحدثهم عن مصير رفاقه، من هلك منهم بسبب ما. وفي المثل الحساني: "لم يبق منهم رداد خبر"، أي لم يبق منهم أحد.
- ملاحظة عامة:
الطلعة والكاف لوحة أدبية تاريخية، دقيقة الوصف والتصوير، والكثافة الفنية، تأملية، كأنها خلاصة حياة كاملة بخيلها ورجلها وقيمها الفنية العالية وزخمها وقيمها.
سياقها التاريخي بكاء ولوعة على زوال حياة مترعة بالتنوع والجمال، وخراب هذه الحياة بفعل عوادي الزمن.
وهي بذلك تعبير عميق عن حتمية فناء الإنسان بقدرة وتصريف الله الحي الرؤوف الباقي الذي لايزول.
