تركتكَ هناك.. وبقيتَ فيَّ!

تركتكَ هناك.. وبقيتَ فيَّ!

آسية عبد الرحمن

 

 

السلام عليك أيها الأمين الصادق..

السلام عليك أيها الراحل الباقي..

سأحدّثك عني كما اعتدتُ أن أفعل، سأهرب من وجعي إليك كما عهدتني أصنع، فكلما زاحمتني الأحزان وجدتني أحدثك!

النباغية التي ما عرفتها الا غاسلة كلَّ الأوجاع، دخلتُها يوم الجمعة والأحزان تحاصرني من كل المنافذ، وقد خلت منك... فتصور كيف حالي!.

يوم أمس صباحا عندما دُفن جثمانك الطاهر، بعد تشييع عظيم ومهيب وفريد؛ يشبهك... ومضى كل يرافقه ألم فقدك، ذهبت إليك وجلستُ عند رأسك!

جلست أرقب قبرا يضم جبلا!

وبين الغروب وقبرك دار ثَمَّ حديث قلب مكلوم، 

كان كل شيء من حولي ساكنا، إلا قلبي؛ كان مزدحما بك، بصوتك، وبحديثك، وبكل تلك التفاصيل الصغيرة التي لم أكن أعلم أنها ستصبح يومًا ذكرياتٍ أتشبث بها!

تذكرت حين تضيق بي الدنيا و تسعني كلماتك الطيبة، وحين أتردد فأجد في رأيك التوجيه والبصيرة!

أذكر حين توفيت عيْشَ أمي رحمها الله، وأنا في الغربة، دخلتُ المستشفى إثر ذلك، وكان لاتصالك عظيم الأثر حين قلت لي: أباه معك سيحدثك!

وحدثني شيخي أباه، فحمدت الله ودعوت لك.

لا أذكر أني مررت بأزمة إلا كنت معي في دقائق التفاصيل، ولا فرحت فرحا إلا كانت سعادتك ضعف سعادتي!

كنتَ من أولئك القلائل الذين نطمئن إلى وجودهم في حياتنا دون أن نفكر يوما في احتمال غيابهم!

من لي حين أشاهد وجه أمي وهي مهمومة، وترفض أن تقول لي ما بها، فأتصل بك شاكية، ثم لا ألبث حتى أراها تناديني باسمة: "آسية محمد الأمين راعيه التحت" فيضحك قلبي، وأعلم أن الخير جاء، والدنيا بخير وأمي بخير.

أترى حاجتي إليك؟

أترى كيف أتمنى لو بقيت معنا قليلا؟

ليس لأنني أعترض على قضاء الله، معاذ الله، بل لأن القلب لا يعرف كيف يكتفي ممن أحب!.

غابت الشمس وأنا إلى جوارك، والحديث الصامت لا ينقطع.. وقمتُ أحمل حزني.. تتعثر خطواتي بين الدعاء والدمع والذكريات!

ودّعتك، لكنني لم أودّع أثرك فيَّ... تركتك هناك.. وبقيتَ فيٌَ!

أسأل الله الكريم، ببركة كل خطوة قطعتها في قضاء حاجة لمسكين، أن يرحمك وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة.

نلتقي يا خالي الغالي في دار خلد، لا موت فيها ولا غروب ولا وداع.