سليمان بخليلي.. الإعلام عنده مشروع ثقافي متكامل

سليمان بخليلي.. الإعلام عنده مشروع ثقافي متكامل

المثقف الحالم الذي خاطب العقول قبل الشاشات
 
 
 
إعلامي واسع الثقافة، دقيق الملاحظة

تمر اليوم خمس سنوات على رحيل أخي وصديقي الإعلامي والمثقف سليمان بخليلي، (1963 – 2 يوليو 2021) ولا يزال حضوره حيًا في الذاكرة الثقافية الجزائرية والعربية، كأن الزمن عجز عن محو أثر رجل كرّس حياته لخدمة الكلمة الصادقة، وجعل من الإعلام رسالةً للتنوير قبل أن يكون وسيلةً للترفيه أو الشهرة.

رحل الجسد، لكن بقيت الأعمال شاهدة على مسيرة إعلامي استثنائي آمن بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء عقله، وأن الثقافة هي الحصن الذي يحفظ هوية الأمم ويمنحها القدرة على مواجهة تحديات العصر.

احترام المشاهدين

لم يكن سليمان بخليلي مجرد مقدم برامج تلفزيونية ناجح، بل كان يحمل رؤية واضحة لدور الإعلام في المجتمع. فقد أدرك منذ بداياته أن الشاشة الصغيرة ليست مجرد نافذة للأخبار أو التسلية، وإنما فضاء لتكوين الوعي، وإحياء روح القراءة، وربط الأجيال الجديدة بتراثها الحضاري والإنساني. ولهذا جاءت معظم برامجه مختلفة في مضمونها وأسلوبها؛ بعيدة عن الإثارة السطحية، وقريبة من عقل المشاهد ووجدانه.

استطاع من خلال حضوره أن يشكل لنفسه مكانة خاصة في المشهد الإعلامي الجزائري والعربي. ولم يكن نجاحه وليد صدفة، بل ثمرة سنوات طويلة من البحث والعمل الميداني، وإيمان راسخ بأن الإعلامي الحقيقي لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يسعى إلى تفسيرها وربطها بسياقها التاريخي والثقافي، حتى تتحول إلى معرفة نافعة.

وسيظل برنامجه الشهير “خاتم سليمان” إحدى أبرز المحطات في مسيرته الإعلامية. فقد تجاوز حدود المسابقة الثقافية التقليدية ليصبح رحلةً في عوالم التاريخ والأدب واللغة والعلوم الإسلامية والتراث الجزائري والعربي. كان ينتقل بين المدن والقرى، يكتشف معالمها، ويعيد تقديمها للمشاهد بأسلوب يجمع بين التشويق والدقة العلمية، حتى أصبح البرنامج موعدًا ينتظره الجمهور في الجزائر وخارجها، خاصة خلال شهر رمضان.

كما قدّم أعمالًا أخرى لا تقل أهمية، منها “شاعر الرسول”، “فرسان القرآن”، “ساعة من ذهب”، و”زدني علمًا”، وهي برامج عكست شخصيته الثقافية، وحرصه على تقديم مادة إعلامية راقية تحترم عقل المشاهد وتفتح أمامه أبواب المعرفة. وكان يؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا للنخبة، بل حق لكل مواطن، وأن من واجب الإعلام أن يساهم في نشرها وتبسيطها دون الإخلال بعمقها العلمي.

سليمان بخليلي آمن بأن الثقافة ليست ترفا للنخبة، بل حق لكل مواطن، وأن من واجب الإعلام أن يساهم في نشرها

تعرفت إلى سليمان بخليلي أواخر تسعينات القرن الماضي، خلال فعاليات “سنة الجزائر في فرنسا”، وهي مناسبة ثقافية هدفت إلى التعريف بالإبداع الجزائري في مختلف مجالاته. جاء يومها إلى باريس لإنجاز سلسلة من التحقيقات والحوارات، وكان من بينها لقاء أجراه معي حول الدور الذي تؤديه مكتبة معهد العالم العربي في التعريف بالثقافة والحضارة العربيتين، وفي مد جسور الحوار بين الضفتين.

اللقاءات والكتب والصداقة

منذ ذلك اللقاء الأول، شعرت أنني أمام رجل مختلف؛ إعلامي واسع الثقافة، دقيق الملاحظة، لم يكن يبحث عن تصريحات عابرة أو عناوين مثيرة، بل كان يريد أن يفهم الفكرة من جذورها، وأن يقدمها للمشاهد في صورة متكاملة. وبعد انتهاء الحوار، كانت تلك الجلسة بداية صداقة امتدت سنوات طويلة، تحولت مع مرور الزمن إلى علاقة أخوية صادقة، قوامها الاحترام المتبادل والإيمان المشترك بقيمة الثقافة والمعرفة.

ومنذ ذلك اليوم، لم تنقطع لقاءاتنا كلما زار باريس أو زرت الجزائر. وكثيرًا ما كانت أحاديثنا تتجاوز الشؤون الإعلامية إلى هموم الوطن، وأحوال المثقفين، ومستقبل الأجيال الجديدة. وكان سليمان في كل مرة يزداد اقتناعًا بأن معركة النهضة الحقيقية تبدأ من المدرسة، والجامعة، والكتاب، والإعلام المسؤول، لا من الشعارات العابرة أو الصراعات الظرفية.

لم تتوقف علاقتي بسليمان بخليلي عند ذلك اللقاء الأول في باريس، بل استمرت مع مرور السنوات، وازدادت رسوخًا كلما اكتشف كل منا في الآخر مساحة جديدة من الاهتمامات المشتركة. كانت صداقتنا تقوم على الحوار الصريح، وعلى حب الثقافة والكتاب، وعلى الإيمان بأن الجزائر، رغم ما مرت به من أزمات، لا يمكن أن تستعيد مكانتها إلا إذا أعادت الاعتبار للعلم والإبداع.

خلال سنوات الأزمة التي عاشتها الجزائر في تسعينات القرن الماضي، وجد سليمان نفسه، مثل كثير من المثقفين والإعلاميين، مضطرًا إلى الابتعاد عن الوطن لفترة من الزمن. وفي تلك المرحلة توطدت علاقتنا أكثر، وتقاربت عائلتانا، وتعرف أبناؤنا إلى بعضهم البعض. حاولنا أن نحافظ على شعلة التفاؤل في زمن كانت فيه الصور القادمة من الجزائر مؤلمة، والقلق يخيّم على الجميع.

وعندما عاد إلى الجزائر، لم تنقطع صلتنا، بل على العكس، ظل وفيًا لأصدقائه، حريصًا على التواصل معهم. فكلما زار باريس، وكان كثير التردد عليها بسبب ارتباطاته المهنية أو الخاصة، كان يتصل بي، حتى وإن لم يكن يملك إلا وقتًا قصيرًا. كنا نلتقي أحيانًا في أحد مقاهي الحي اللاتيني، وأحيانًا في معهد العالم العربي، أو في مكتبة من المكتبات التي كان يعشق التجول بين رفوفها. لم تكن لقاءاتنا طويلة دائمًا، لكنها كانت غنية بالأفكار، وكأننا نحاول في ساعات قليلة أن نلخص أشهرًا من القراءة والمتابعة.

وكان أول سؤال يطرحه عليّ في كل زيارة تقريبًا: “ما الجديد في عالم النشر؟” كان شغوفًا بالكتب، لا يكتفي بمتابعة ما يصدر في الجزائر، بل يسأل عن الإصدارات الفرنسية والعربية، لأنه يرى أن الإعلامي الذي يتوقف عن القراءة يفقد تدريجيًا قدرته على الإبداع، لأن الشاشة لا تستطيع أن تمنح المشاهد أكثر مما يختزنه عقل صاحبها.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تنعكس هذه الثقافة الواسعة على برامجه. فكل حلقة من حلقات “خاتم سليمان” كانت ثمرة إعداد دقيق، وبحث متواصل، وحرص على التحقق من المعلومة قبل تقديمها للمشاهد. كان يؤمن بأن احترام الجمهور يبدأ باحترام عقله، وبأن الخطأ في برنامج ثقافي ليس خطأً عابرًا، بل مسؤولية أخلاقية.

 

ذاكرة الكلمة الصادقة التي لا تغيب
ذاكرة الكلمة الصادقة التي لا تغيب

 

وعندما كنت أزور الجزائر، كنت أحرص على لقائه مهما كانت مدة الزيارة قصيرة. كان يستقبلني بحفاوته المعهودة، ثم يبدأ الحديث مباشرة عن مشاريعه الجديدة. لم أعرفه يومًا مستسلمًا للواقع أو مكتفيًا بما حققه من نجاح. كان دائم التفكير في مشروع جديد، أو برنامج جديد، أو فكرة جديدة. وكان يؤمن بأن الإعلامي الذي يتوقف عن الحلم يتوقف عن العطاء.

وأذكر أنه في أحد تلك اللقاءات، حدثني بحماس كبير عن إمكانية توليه إدارة التلفزيون الجزائري. لم يكن يتحدث عن المنصب في حد ذاته، بل عن مشروع إصلاحي متكامل كان يحمله في ذهنه. كان يرى أن التلفزيون العمومي يحتاج إلى نفس جديد، وإلى إعادة الاعتبار للبرامج الثقافية والعلمية، وإلى الانفتاح على التجارب العربية والدولية الناجحة، دون التفريط في الشخصية الوطنية.

كان يتحدث بثقة من يعرف المؤسسة من الداخل، فقد أمضى سنوات طويلة بين أروقتها، صحفيًا، ومعدًا، ومنتجًا، ومديرًا للإنتاج، ويعرف نقاط قوتها كما يعرف مواطن الخلل فيها. وكان يؤمن بأن التلفزيون الجزائري يمتلك من الكفاءات ما يؤهله ليكون في مقدمة المؤسسات الإعلامية العربية، إذا توفرت له الإرادة والإدارة الرشيدة.

لكن الأشهر مرت، وبدأ ذلك الحلم يبتعد شيئًا فشيئًا. كنت ألاحظ من خلال أحاديثه أن شيئًا من خيبة الأمل بدأ يتسلل إليه. ولم يكن يخفي استياءه من بعض الممارسات التي كانت تعطل المشاريع الجادة، أو من الصراعات الإدارية التي كانت تستهلك الجهد والوقت على حساب العمل والإبداع.

وفي تلك الفترة بدأ ينشر مقالات في صحيفة “الشروق”، يعبر فيها عن بعض مواقفه وانتقاداته للواقع الإعلامي والسياسي. كنت أقرأ تلك المقالات باهتمام، ثم أتصل به لأناقشه فيها. وقلت له يومًا، من منطلق الصداقة والحرص عليه، إنني أخشى أن تستنزفه هذه السجالات، وأن تستهلك طاقته في معارك جانبية، بينما هو قادر على أن يخدم الثقافة الجزائرية من موقعه الإعلامي الذي برع فيه.

استمع إليّ بهدوئه المعهود، ولم يغضب من صراحتي، بل قال مبتسما “أعرف أنك تنصحني بدافع المحبة، وسأفكر مليا فيما قلت”. وبعد فترة أخبرني أنه قرر التخفيف من تلك الكتابات، وأنه يفضل أن يركز جهوده على مشروع إعلامي وثقافي جديد كان يحضّر له منذ مدة.

كان ذلك المشروع هو إصدار مجلة تجمع بين الثقافة والفكر والشأن العام. دعاني للمشاركة فيها، ورحب بأن أكون أحد كتابها الدائمين. لم أتردد في قبول الدعوة، لأنني كنت مؤمنًا بالفكرة، وبقدرة سليمان على تحويلها إلى منبر جاد يخدم الثقافة الجزائرية. وبدأت بالفعل أرسل إليه مقالاتي، وكنا نتبادل الآراء حول محتوى المجلة وأهدافها، وكل منا يحمل الأمل في أن تجد مكانها وسط المشهد الإعلامي والثقافي.

بخليلي آمن بأن الإعلام لا ينبغي أن يبقى مجرد ناقل للأحداث، بل يجب أن يكون شريكا في صناعة المستقبل

في تلك المرحلة، كان سليمان لا يزال هو الإعلامي الذي عرفته منذ سنوات؛ رجلًا يضع الثقافة في مقدمة أولوياته، ويؤمن بأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون أقوى من أي منصب، وأن أثرها أبقى من كل المكاسب العابرة.

بين الإعلام والسياسة

كان سليمان بخليلي يؤمن بأن الإعلام لا ينبغي أن يبقى مجرد ناقل للأحداث، بل يجب أن يكون شريكًا في صناعة المستقبل. وربما كان هذا الإيمان العميق هو الذي قاده، في مرحلة من حياته، إلى التفكير في الانتقال من موقع المراقب إلى موقع الفاعل، ومن عالم الإعلام إلى فضاء السياسة. لم يكن ذلك التحول وليد طموح شخصي أو بحث عن منصب، بقدر ما كان تعبيرًا عن قناعة تشكلت لديه عبر سنوات من الاحتكاك اليومي بقضايا المجتمع وهموم المواطنين.

وقد بدأت هذه المرحلة عندما اقترب من حزب الحرية والعدالة الذي كان يتزعمه المرحوم محمد السعيد، الرجل الذي كان يحظى باحترام عدد كبير من المثقفين والإعلاميين. حضرت معه بعض اللقاءات والنقاشات الأولى التي رافقت تأسيس الحزب، وكانت الأجواء آنذاك تعكس رغبة حقيقية لدى كثير من النخب في البحث عن فضاء سياسي جديد يفتح الباب أمام الإصلاح والحوار.

لم أمكث طويلًا في تلك التجربة، لأنني كنت مقتنعًا بأن دوري يبقى أقرب إلى العمل الثقافي والفكري. أما سليمان، فقد اختار مواصلة الطريق، إيمانًا منه بأن الإصلاح يحتاج أيضًا إلى المشاركة في الحياة العامة. وعندما تولى محمد السعيد حقيبة وزارة الاتصال، عمل سليمان مستشارًا إعلاميًا له، وهي تجربة قصيرة في الزمن، لكنها أضافت إلى رصيده معرفة مباشرة بآليات العمل داخل مؤسسات الدولة وأكدت له أن الانتقال من عالم الأفكار إلى عالم القرار ليس بالأمر السهل.

كنت أتابع خطواته باهتمام، وفي الوقت نفسه بشيء من القلق. فقد كنت أعرف سليمان الإنسان المثقف، الهادئ، الذي يفضل قوة الحجة على صخب الشعارات، وأدرك أن السياسة، في كثير من الأحيان، لا تسير وفق المنطق نفسه الذي يحكم عالم الثقافة. ولهذا كنت أحدثه كلما سنحت الفرصة عن ضرورة المحافظة على المسافة التي تجعل الإعلامي قادرًا على أن يبقى حرًا في رأيه، بعيدًا عن الحسابات الضيقة.

وفي إحدى جلساتنا، قلت له إن الثقافة تجمع الناس حول فكرة، بينما السياسة كثيرًا ما تفرقهم حول المواقف والمصالح. ابتسم يومها، وقال إن خدمة الوطن لا تقتصر على الكتابة أو البرامج التلفزيونية، وإنه يشعر بأن من واجبه أن يساهم، من أي موقع، في الدفع نحو التغيير الذي كان يحلم به.

ومع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية، وصلني من بعض الأصدقاء خبر عزمه الترشح لرئاسة الجمهورية. في البداية ظننت أن الأمر مجرد فكرة يجري تداولها، لكنني عندما اتصلت به وجدته قد اتخذ قراره بالفعل، وكان يتحدث بثقة وإيمان بأن الجزائر تحتاج إلى وجوه جديدة، وإلى خطاب مختلف، وإلى مشروع يعيد الاعتبار للكفاءة والثقافة في إدارة الشأن العام.

استمعت إليه طويلًا، ثم قلت له بكل صراحة إنني أخشى أن يدخل معركة غير متكافئة، وأن يجد نفسه في ساحة تختلف قواعدها عن تلك التي تعود عليها  في الإعلام والثقافة. حاولت أن أقنعه بأن رصيده الحقيقي موجود في المجال الذي أبدع فيه، وأن آلاف الجزائريين يعرفونه ويحترمونه بوصفه إعلاميًا ومثقفًا، وأن الحفاظ على هذه الصورة قد يكون أكثر قيمة من خوض تجربة سياسية محفوفة بالمجهول.

لم يكن سليمان بخليلي مجرد مقدم برامج تلفزيونية ناجح، بل كان يحمل رؤية واضحة لدور الإعلام في المجتمع

لكنه كان قد حسم أمره، ولم يكن من السهل أن يتراجع. كان يتحدث بثقة الحالم، وإصرار المؤمن بأن خدمة الوطن تستحق المغامرة، حتى وإن كانت الطريق مليئة بالعقبات.

ولم يكن موقفي هذا نابعًا من تشاؤم أو رفض لمشاركته في الحياة السياسية، وإنما من معرفتي بطبيعة ذلك العالم. وكنت أستحضر دائمًا ما يُنسب إلى الكاتب والمفكر الإيرلندي جورج برنارد شو من أن السلطة تكشف معادن الرجال أكثر مما تغيّرهم. وقد كنت أضيف في حديثي مع بعض الأصدقاء أن السياسة ليست عالمًا تحكمه النيات الحسنة وحدها، بل تحكمه كذلك موازين القوى، وتشابك المصالح، وتعقيدات الواقع. أما سليمان، فقد ظل وفيًا لطبعه المتفائل، مؤمنًا بأن الإرادة الصادقة قادرة على فتح الأبواب المغلقة.

أتذكر أنني التقيت، في تلك الفترة، بصديقنا الراحل الدكتور عبدالملك مرتاض، الذي جمعته بسليمان تجربة متميزة في برنامج “شاعر الرسول” إلى جانب الشاعر فلوسي. فتحدثنا عن خبر ترشح سليمان، وأخبرته بأنني حاولت إقناعه بالعدول عن الفكرة، فابتسم ابتسامة امتزج فيها التقدير بالحسرة، وقال “وأنا أيضًا تحدثت معه، لكنني وجدته قد اتخذ قراره عن قناعة”.

حينها أدركت أن سليمان دخل مرحلة جديدة من حياته، وأن حلمه تجاوز حدود الإعلام ليصبح مشروعًا سياسيًا كاملًا. ولم يكن ينظر إلى ذلك باعتباره انتقالًا من مهنة إلى أخرى، بل باعتباره امتدادًا للرسالة نفسها؛ رسالة خدمة الوطن، وإن اختلفت الوسائل.

ومع أن تجربته السياسية لم تحقق ما كان يتمناه، فإنها لم تُضعف حماسه للعمل الإعلامي. فقد عاد إلى مشروعه الذي كان يؤمن به، وهو إنشاء منبر إعلامي مستقل يمنح مساحة للكلمة الرصينة، ويعيد الاعتبار للنقاش الثقافي والفكري بعيدًا عن الضجيج والاستقطاب. ومن هنا بدأت تتشكل ملامح مشروع قناة “البديل”، التي رأى فيها فرصة جديدة لمواصلة الرسالة التي آمن بها منذ بداياته.

حلم لم يكتمل

بعد أن هدأت عاصفة التجربة السياسية، عاد سليمان بخليلي إلى الميدان الذي عرفه الناس فيه، وأحبوه من خلاله. كان مقتنعًا بأن رسالته الحقيقية تظل في الإعلام، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تبلغ من التأثير ما لا تبلغه كثير من المناصب. ومن هنا بدأ يحدثني، في اتصالاتنا المتكررة، عن مشروع جديد كان يملأ قلبه حماسًا وأملًا، هو مشروع قناة “البديل”.

كان يتحدث عن هذا المشروع كما يتحدث المزارع عن غرسة انتظرها طويلًا، أو كما يتحدث الأب عن ابنه البكر. لم يكن يريد قناة تبحث عن السباق الإخباري أو عن الإثارة الرخيصة، بل كان يحلم بمنبر إعلامي يفسح المجال للكلمة الرصينة، ويعيد الاعتبار للبرامج الثقافية والفكرية، ويمنح النخب الجزائرية والعربية فضاءً للحوار المسؤول.

قال لي في إحدى مكالماتنا “لقد تعب الناس من الضجيج… نحن بحاجة إلى إعلام يزرع الأمل، لا إلى إعلام يصنع اليأس”. كانت هذه العبارة تختصر فلسفته في الإعلام، وتفسر لماذا ظل، طوال مسيرته، وفيًا للبرامج التي تخاطب العقل قبل العاطفة، وتبحث عن بناء الإنسان قبل ملاحقة نسب المشاهدة.

ولم يكن حلم “البديل” منفصلًا عن مشروعه الثقافي الذي رافقه منذ بداياته. فقد كان يرى أن الإعلام لا يؤدي دوره الحقيقي إلا إذا انفتح على الثقافة، وربط بين الماضي والحاضر، واحترم تنوع الآراء، دون أن يتخلى عن ثوابته الوطنية والحضارية. ولذلك كان يحرص، حتى في أحاديثه الخاصة، على التأكيد أن الجزائر تزخر بالكفاءات، لكنها تحتاج إلى من يمنحها فرصة التعبير والإبداع.

 

الإعلام عنده كان رسالة
الإعلام عنده كان رسالة

 

كانت آخر اتصالاتنا تدور حول هذه الأحلام. كان يتحدث بثقة، وكأنه يرى المستقبل أمامه، ويخطط لبرامج جديدة، ويقترح أسماء لمثقفين وباحثين يريد استضافتهم. لم يكن في حديثه ما يوحي بأن القدر كان يخبئ له موعدًا قريبًا مع الرحيل. كان مفعمًا بالحياة، كعادته، ومشغولًا بالغد أكثر من انشغاله بما مضى.

ثم جاءت جائحة كورونا، التي أربكت العالم كله، ولم تفرق بين مشهور ومغمور، ولا بين قوي وضعيف. وعندما علمت بإصابته بالفايروس، انتابني شعور ثقيل لم أعرف له تفسيرًا. كنت أرجو أن يتجاوز المرض كما تجاوز كثيرًا من المحطات الصعبة في حياته، وكنت أتابع أخباره بالدعاء والرجاء، مثل آلاف الجزائريين الذين عرفوا فيه الإنسان قبل الإعلامي.

لكن إرادة الله كانت نافذة. ورحل سليمان بخليلي، تاركًا وراءه حزنًا عميقًا في قلوب أسرته وأصدقائه ومحبيه، وفراغًا واضحًا في الساحة الإعلامية والثقافية. كان خبر وفاته بالنسبة إليّ مؤلمًا، ليس لأنني فقدت إعلاميًا متميزًا فحسب، بل لأنني فقدت أخًا وصديقًا ترافقنا سنوات طويلة، وتقاسمنا معًا هموم الثقافة، وأحلام الجزائر، وأحاديث الكتب، وآمال المستقبل.

ومع مرور السنوات، أدركت أن الرجال لا يقاسون بطول أعمارهم، وإنما بما يتركونه من أثر. وسليمان بخليلي ترك أثرًا يصعب أن يمحوه الزمن. يكفي أن تشاهد إحدى حلقات “خاتم سليمان”، أو تستعيد برامجه الثقافية، لتدرك أن الرجل لم يكن يقدم معلومات فحسب، بل كان يبني ذائقة، ويغرس حب المعرفة، ويؤكد أن الإعلام يمكن أن يكون مدرسةً مفتوحة لكل أفراد المجتمع.

لقد عرفته مثقفًا واسع الأفق، وإعلاميًا مجتهدًا، وإنسانًا وفيًا لأصدقائه، متواضعًا في تعامله، كريمًا في أخلاقه، لا يبخل بوقته ولا بفكرته ولا بابتسامته. كان يحمل همّ الجزائر أينما ذهب، ويتحدث عنها بحب، ويحلم بأن يرى إعلامها في المكانة التي تستحقها.

ولعل أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتي، بعد كل هذه السنوات، هو إيمانه العميق بأن الثقافة هي الطريق الأقصر لبناء الأوطان. كان يردد أن الأمم لا تنهض بالشعارات، وإنما بالعلم، وبالمدرسة، وبالكتاب، وبإعلام يحترم عقل المواطن. وربما لهذا السبب بقي قريبًا من الناس، لأنهم رأوا فيه صورة الإعلامي الذي لم يساوم على رسالته، ولم يتخلَّ عن قناعاته مهما تبدلت الظروف.

إنني وأنا أستعيد هذه الذكريات بعد خمس سنوات على رحيله، لا أكتب سيرة رجل رحل، بقدر ما أكتب شهادة وفاء لصديق عزيز، ولإعلامي ترك بصمة واضحة في تاريخ الإعلام الجزائري. وقد نختلف في تقييم بعض خياراته السياسية، أو في قراءة بعض محطات حياته، لكننا لا نستطيع أن نختلف حول إخلاصه لما آمن به، ولا حول مكانته في قلوب جمهوره، ولا حول القيمة الثقافية لما قدمه طوال مسيرته.

رحم الله أخي وصديقي سليمان بخليلي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل كل ما قدمه من علم، وثقافة، وإبداع، في ميزان حسناته. وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الجزائر، وفي وجدان كل من عرفه، أو جلس أمام شاشة التلفزيون يومًا، فتعلم منه أن الإعلام ليس مهنة فحسب، بل رسالة، وأن الكلمة الصادقة مهما طال الزمن، لا تموت.