شارع انواذيبو، الشَّارع الماجن بعض الشيء!

شارع انواذيبو، الشَّارع الماجن بعض الشيء!

الدهماء ريم

 

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

عدنا إليكم.

شارع انواذيبو، الشَّارع الماجن بعض الشيء!

........ا

منذ ترتيبات ما بعد الحرب الأخيرة، والظلام يبسط سلطانه على شارع انواذيبو ، الشارع الذي لا يهدأ ولا يهجع، فكيف يتدبر أمره في الظلام؟ وكيف يتحمل الشعور الغادر بالكآبة، وهو شارع الفُسح والمَرح؟

أنا على يقين بأنَّ أجندات الشارع المعتادة ستظل تسخر من آلهة الحرب، ومن شطحات اترمب وهمزات هُرمز، وقرارات الكبت الوطني، والدليل أنَّ نبضه مازال يتسارع قبل توقيت الحظر، وكأن مَسحة مُجونه الفاخر تلهث خوفا أنْ تتخلى عنه لحظة.

سيارات الشرطة تُقاسمه صمته الموحش حين تُطْبِق عليه عوارض الهَجر القسري عند الساعة صفر. 

لا يصلح طريق انواذيبو لمن يُكثر استخدام علامات التعجب، فالشارع يكتنز الكثير من أسرار الخلوات، والعمر على ظهره قيْدٌ نسبيٌّ لا يُحرجه الشيب ولا يُزعجه تراكم السنين، فقد يَجذب الشارع مراهقا ستِّينيًا أو مُعمِّرًا عشرينيا، وقد يجذب قاصرات باحثات بوضوح صريح عن المال مُقابل خدمة متعة لكل الأعمار، وقد يجذب من فتيات يُقرضن شيئًا ثمينا منهن مقابل شيء رخيص منهم، وقد يجذب سيدات  يرمِّمن شروخ الفراغ واستدبار العمر باستدرار بعض الرضا عن النفس، تمنحه نظرة إعجاب عشوائية، أو نِثارٍ من تلميحات غزل،.. 

وقد ترفع عليه صديقة أصبعها لنظيرتها، علامة انتصار أو إشارة انحدار، وقد يُبقي فصيل مراهقات فوقه على الحد الفاصل بين الترنح والسُّقوط، وقد تتدحرج الغرائز الناضجة نحو الممرات الجانبية متستِّرة بمزيد من الظلام.

السالكون للشارع يمسكون الوقت من أهدابه، ويصلبونه على أطراف المنعطفات، التعبيرات تشفيرات تشكَّلُ بالأضواء الأمامية لسيارات بنوافذ نصف مفتوحة، وعلامة بيان بدء الإشعارات، إشْهارات مُرمَّزة بموسيقى صاخبة، وشَعر نصف مغطى، وشفاه قانية الحُمرة وحواجب مسودَّة بزيادَة، حتى صارَ بها من مَلْمح  اسفلت الشارع.

الكلام همسات وإيماءات ضوئية،.. يغمز الصّياد بالضوء الكاشف، تردُّ الطريدة بالضوء الكاسح، ثم تفك الشيفرات في المنعرجات الخلفية للطرق الخفية، حيث يُقْضَم من الصِّبَا قيمة فُسحة.

احترامًا لمقاييس الحيطة، أغلب السيارات مظللة النصف الخلفي، متكئة المقاعد الأمامية،.. وربما تكون مزودة بأحزمة للأمان أو بوسائد للهواء والأهواء، لكن المؤكد  أنها  تُهمِل قدرًا مَا نظام المكابح، فالانزلاق عن الطريق مِزاج بسبق الإصرار، وحركة المرور غطاء لحركة مُتصاعدة للفجور.

وراء الانسيابية الظاهرة زحمة من الرغبات، ومواسم انتجاع ليلي عُمرها ساعات، وشِباك صيد طويلة، عيونها من القياس المحظور اصطلاحًا، .. تُلقى بحرفية في غيْهَب الخط الذي يربط ملتقى البراد بملتقى الحوتات بملتقى الشهوات، حيث الأعين تتتبَّعُ مظان المتعة حتى الرمق الأخير من الرغبة.. وليس للرغبة تخوم، فالشارع يُطعم شهوة والمطاعم تقبض الصَّمت.

يُسفلت طريق انواذيبو كما مرَّة لعَصْرنته، ومع ذلك يَبقى مُوحلاً، وحله تَعْلق فيه الأحلام تمامًا كالآثام،.. والمرور على ظهره ليس نُزهة، بل صنعة ضياعٍ بثمن،.. فتيات الشارع صُوَرٌ نُسخت من بعضها بذات الخلفية القاتمة لمثيلاتها،.. كل نسخة

تحمل قصص حياةٍ وروايات من نزوات لبذخ مخملي، أو لآهاتٍ من قعرِ القهر، والنسخ وإنْ كانت لا تتوزَّع مَجانا، فهي متاحة بسهولة، إذْ لم تفصِّل لها الحياة دورًا أبعدَ من الإغراء. 

وما هذا بآخر سطرٍ في الحكاية!

تحياتي.