د. محمدُّ أحظانا يكتب... ساءني؛ سرني

د. محمدُّ أحظانا يكتب... ساءني؛ سرني

ساءني؛ سرني:

ساءني:

 أن في موريتانيا من أهل المعرفة والأدب: شعرا وسردا، و فتوة. من تسول له نفسه الأمارة بالسوء.. أن يفكر ويقدر .. (قتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر..) و يقوم ذات صباح أو ذات مساء، و يهز عطفيه بين الأوراق، ويمتشق سنان سوء طويته، ويتمنطق سيف وصوليته، ويتنكب قوس نظره الخاسئ المرتد، ويشطب بجرة قلم كسيح على نصوص أنارت دروب الأجيال للشاعر المبدع المؤسس للحداثة الأدبية شعرا ونثرا في موريتانيا، الشاعر الرمز الذي أحبه وأحب شعره المجنح كل الموريتانيين، و جميع اليسار الثوري العربي، وبعض اليمين، وأغلب الوسط؛

من  إذا أطلق لقب (الشاعر) في فضاء غرب الصحراء كلها عرف بهذا الشرف دون منازع ولا مدع؛

 يقوم هذا المجند المجهول بحذف جميع نصوصه الشعرية الرائعة من البرنامج المدرسي الموريتاني كله، ويخرج على الناس وهو يمسح عارضيه عن غبار عاره الذي لا يزيله مسح ولا ينقيه وضوء ولا يطيح به اغتسال، وقد امتلأ صدره  الضيق كأنما يصعد في السماء، حبورا وإعجابا بنفسه الكسيرة، منتظرا الثناء والمكافأة؛

لماذا؟

 لأنه حرم الأجيال الموريتانية من التعرف على شاعرها الأول.. عقابا له على إبداعه المتفوق، الذي لايزال سنام الشعر الحداثي الموريتاني، وضميره الوطني والقومي والحقوقي النابض. 

الشاعر الشجاع الذي تجشم عناء التعذيب والسجن في سبيل وطنه، وعانى الأمرين دون أن يخشى رئيسا ولا مرؤوسا، أو يطمع في مكاسب شخصية مقابل الصدع بالحقيقة ناصعة. الإنسان الشجاع، الشهم، الرائد، الذي تدين له كل أجيال الأدب والوطن وكبار الأدباء والمثقفين والسياسيين وقادة الرأي والفلسطينيين.، ببذر الاعتزاز بالنفس، وقوة الشكيمة الوطنية والحقوقية الحضارية.. في ذواتهم، فلا تزال جلجلة قصائده عن فلسطين، والعربية، والوطت، وحقوق الشعوب، تدوي في الضمائر رنينا عميقا، وموجا عاليا وأعاصير ذارية، وأغاني شجية، وآمالا مترعة:

تنشر الدفء والحياة وتنسي* نا وجوه العواصف الدكناء* ذاك ما لايشك فيه سوى من* قيدتهم خواطر الجبناء* إن رأى اليائسون فيه محالا* أو تجافوا عن نهجه بالتواء* فلعمري لقد أصيبوا بداء* ماله في حياتهم من دواء* إن للدهر مثل ماقد علمنا* دورانا يقضي على الأشياء* فشعاع الصباح يمضي الليالي*  حلما في الدياجر السوداء* وابتسام الربيع يولد مهما* تعب الكون من دموع الشتاء* 

فهل عاب منه صاحب القلم الكسير قوله:

حول ماض عشناه دمعا وحزنا* وانتفضنا منها انتفاض الكماة* حول ماض يعطيك قصة شعب* عبق بالفخار والمكرمات؟

أم عبتَ منه فحذفت نصوصه من المقرر المدرسي الموريتاني قوله:

الليل في غلوائه* والنجم في لألائه*.. أبناؤنا درسو العلوم* فهموا الثقافة والحياة* جاؤوا إلبنا مرة* قالوا لنا: أنتم بداة* من متحف التاريخ لا* تتحركون من السبات؟

أم لم يعجباك منه تعريجه على لبنان: 

..مهاجرون بأسياف مهاجرة* تحكي القلوب مضاء والدماء دما*.. تقاسموا الخبز والموت المبجل والن.. نصر المدرج والأضواء والظلما..* إن القرون ليالينا نعد بها* دين الحقوق ونستقضي الذي ظلما؟

أم شنعتت عليه صرخته الهائلة:

نحن شعب قد صلّبته المآسي* صهرته الآلام والنكبات* نتلقى الشهيد عزا ونصرا* والضحايا توديعهم حفلات* ونغني للموت بل وتراه* في سبيل الحياة هو الحياة* ونغني حتى الجراح تغني:* في الجماهير تكمن المعجزات*

أم حز في نفسك فحجبت نور أحرفه الوضاءة وحكمته الخالدة بغربالك المتهتك ويدك الراعشة: 

لا يرد الحقوق إلا نجيع* يتلالا كأنه الأرجوان* محلس الأمن خدعة والأماني* حول جدواه هدها الخسران* أرضه غابة النمور وليس ال* عدل في مسرح السبع يصان*؟ 

أم نبا ذوقك النابي عن زلال قوله، وأمره الحضاري لغير أمثالك من النجباء:

اقرأ كتابك فالحياة سراب* مالم يقدها في الدروب كتاب؟

تكفيك هذه الأسئلة يا من تختبئ وراء ثلاثة مجاهيل: جهل الجميع بك، وجهلك بنفسك، وجهلك الصافي.

لقد ساءتني هذه الجريمة الثقافية والحضارية، والخيانة الوطنية التاريخية لموريتانيا.

بالمقابل، سرني

أن يقوم الدكتور الكاتب المتميز، والطموح، والمعروف بتألقه المعرفي الشيخ ولد معاذ سيدي عبد الله بتسمية مكتبة المعهد التربوي الوطني الموريتاني على الشاعر أحمد ولد القادر، شجاعة منه، ومعرفة أصيلة، وكرم أرومة، ووفاء شخصيا، وتداركا للجريرة المرتكبة في حق من لايستحق إلا الإجلال والتقدير والتبجيل.

فشكرا له باسم المثقفين، والأدباء الوطنيين والخيرين. د كتورنا الفاضل امتناننا لك على هذه اللفتة الرائعة وهي ما يتوقع منك. وكنت كما توقعنا يوم قدومك إلى هذه المؤسسة، التي حولتها من مؤسسة صارت ذات غفلة بؤرة لطرد المبدعين من أرجائها، إلى مؤسسة تربوية محترمة واعدة مأمولة، سائرة على الدرب الذي أسست من أجله أصلا، ذات صحوة وطنية.

أخيرا:

أطلب منك ومن وزراء التربية والتعليم، ورئيس الجمهورية أولا، الذي نشكره على عنايته الخاصة بهذا الرمز الوطني: أن تعيدوا نصوص الشاعر العظيم أحمد ولد القادر إلى كتب المناهج الموريتانية على جناح الاستعجال، وكذلك غيره من المبدعين الأصلاء الذين حرموا من هذا الحق، فليس هناك جرم وطني: تربوي ولا كفر أدبي في الوجود أعظم من حرمان الأجيال الصاعدة -المتلهفة لأي شيء تعتز به- من نور الإبداع الأصيل لروادها. 

د. محمد ولد أحظانا

رئيس منتدى الفائزين بجائزة شنقيط.

رئيس اتحاد الأدباء والكتاب المورتيتانيين سابقا.