العروبة المفترى عليها

العروبة المفترى عليها

عبد الحليم قنديل

 

قبل سنوات ليست بعيدة، أطلقت تعبير العروبة المريبة، وقصدت به أصواتا وتيارات وأنظمة حكم، ملأت وتملأ الدنيا صياحا باسم العروبة، وهي منهم براء، فقد كان أغلبهم من أعدى أعداء العروبة زمن الصعود القومي العربي، ونهوض التيار القومي والحركة القومية العربية، وعلى مدار ربع قرن من نكبة 1948 إلى حرب أكتوبر 1973، كانت مصر زمن جمال عبدالناصر هي القاعدة ونقطة الارتكاز الكبرى للمشروع القومي العربي، وجرت مواجهة القائد والمشروع بحملة تكفير وشيطنة كاسحة، ومن أصوات العروبة المزيفة اليوم ذاتها، التي لم تصدر وقتها عن إخلاص للإسلام، ولا لأي دين، فقد كان دينها ـ ولا يزال ـ هو مصالحها وعروشها، ولجأت إلى تزييف معنى الإسلام، ووضعه كعنوان لأحلاف بريطانية فأمريكية معادية لكل نهوض قومي عربي، وللنزعة العروبية التحررية التقدمية التي أقامت الوحدة المصرية السورية كأول تجربة من نوعها في التاريخ العربي الحديث والمعاصر.
وجرت عملية انفصال سوريا بدعم مباشر من أصحاب العروبة المريبة اليوم، إضافة لعشرات من محاولات اغتيال القائد جمال عبد الناصر، ولم يكن هؤلاء يعملون من رأسهم وقتها، بل في سياق خطط استعمارية وإسرائيلية، فقد كان عبد الناصر يؤمن ويعلن، أن أمريكا هي إسرائيل والعكس بالعكس، وأن العمل من أجل تحرير فلسطين مشواره طويل، يبدأ بالمقاطعة التامة لكيان الاغتصاب الإسرائيلي، والدعم المتصل لحركات المقاومة الفلسطينية والعربية لكيان الاحتلال، ثم قبل ذلك ومعه وبعده، أن تبني قاعدة علمية وصناعية وتكنولوجية مدنية وحربية، تختصر طريق اللحاق بسباق العصر وفنونه وعلومه، وتعزز المقدرة على إنزال الهزيمة بالعدو.

قد تكون هناك دواع فعلية لخصومة مع إيران الحالية، لكن اللوم لا يقع على إيران وحدها، فلا لوم على الناهضين في التاريخ بقدر ما يقع الذنب على رؤوس القاعدين

وكان تعيين عبد الناصر للعدو لافتا، كان يقول إن العدو ثلاثي الأطراف والصور، أمريكا في القلب، وإسرائيل على يمينها والرجعية العربية على يسارها، وهو ما أثبتت الأيام والليالي والنوازل صحته، بعد رحيل عبد الناصر، وانكسار المشروع القومي العربي بعد حرب 1973 بالذات، وخذلان السياسة لنصر السلاح، وتضخم فوائض المال البترولي، واستخدام الثروات الريعية لتصفية الحساب مع عبد الناصر وعصره وقيمه، التي لم تكن ترى في نداء التوحيد العربي مجرد جمع لأرقام أو لأصفار، بل دعوة لتغيير كلي شامل في الحياة العربية، وإقامة مجتمع أو مجتمعات العلم والعدالة والإنتاج والتقدم، وجعل الوحدة الوطنية في كل قطر عربي أساسا راسخا لهدف التوحيد القومي، وقد انهار ذلك كله مع انكسار المشروع القومي العربي، ومع تفكيك ركائز العلم والإنتاج، ومع عقد ما سمي «معاهدات السلام» مع العدو الإسرائيلي، وكان في ذلك كله خروج من التاريخ وسباقاته وسياقاته الحية، وإدخال الأمة في عصور تيه سابغ وعمى ألوان وصور، لم تعد تميز فيه بين أعداء وأصدقاء، بل جرى افتعال عداوات مع أطراف أخرى، وإحلالها في أولويات العداوة محل الأعداء الأصليين، وحسب أولويات المصالح الأمريكية الإسرائيلية، كإحلال إيران الإسلامية محل إسرائيل، بل جعل إسرائيل حليفا وصديقا ومحاربا ضد ما يسمونه العدو الإيراني، مع أن إيران دولة طبيعية أصيلة قديمة في جغرافيا وتاريخ المنطقة، وليست كيانا مصطنعا طارئا كالكيان الإسرائيلي، قام بقوة السلاح والنار، ويحتل أوطانا مجاورة بعد احتلال فلسطين وطرد شعبها، وينفذ مذابح الإبادة الجماعية، وهو المسلح حتى الأسنان بالسلاح النووي، وهو الخطر الأولى بالمواجهة، إن كنا نريد لهذه الأمة العربية قيامة من رقدتها وركودها التاريخي المقيم.
وقد تكون هناك دواع فعلية لخصومة مع إيران الحالية، مبعثها توسع المشروع الإيراني على حساب بعض أقطارنا، لكن اللوم لا يقع على إيران وحدها، فلا لوم على الناهضين في التاريخ بقدر ما يقع الذنب على رؤوس القاعدين، فلم يتوسع النفوذ الإيراني، ولا تمددت خرائطه إلا بسبب بعض الأنظمة، وبسبب غير المنخرطين في سباق العصر وعلومه وتقنياته، وبسبب الافتراء على العروبة وأسسها وقيمها، والإيغال في تدمير الأقطار العربية، على نحو ما جرى في تسهيل الغزو الأمريكي للعراق، ودعم المجهود الحربي الأمريكي، أو في بث فتن التفرقة بين السنة والشيعة العرب، وقد دفعت فيها عشرات ومئات المليارات من الدولارات، إضافة لإنشاء ودعم جماعات التكفير والإرهاب، وإلى إشعال الحروب الداخلية، على نحو ما جرى ويجرى في العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا وغيرها، وتقسيم المقسم أصلا، وتجزئة الأقطار إلى طوائف وقبائل وأمم صغرى، على طريقة ما فعل ويفعل الصارخون اليوم باسم العروبة المريبة، مع قيامهم بدور وكيل أعمال إسرائيل في المنطقة، وكان أسلاف هؤلاء مع نظام الشاه الإيراني المحتل لأراض وجزر عربية الأصل، وكانوا يقدمون له فروض الولاء والطاعة، ويأتمرون بأوامره في محاربة المشروع القومي العربي وزعامة جمال عبد الناصر.
نعم، العروبة المريبة دولا وجماعات وتيارات، تفترى على العروبة الحقة وقيمها التاريخية، فقد كان جمال عبد الناصر على عداء مطلق مع نظام الشاه الإيراني، ليس لأنه يمثل دولة غالبيتها الساحقة من المسلمين الشيعة، بل لأن نظام الشاه كان شرطي الخليج الخادم لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وكان عبد الناصر داعما قويا للتيارات الوطنية الإيرانية المعارضة لحكم الشاه، وأيد قرار رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق أوائل الخمسينيات بتأميم قطاع البترول الإيراني، بينما حكم الشاه كان يزود إسرائيل باحتياجاتها من البترول، سرا وعلنا، وإلى أن أقدم الشاه على خطوة الاعتراف بإسرائيل عام 1960 وتبادل العلاقات الرسمية معها، وهو ما رد عليه عبد الناصر بقطع العلاقات مع إيران الشاهنشاهية، ودعم أحزاب وجماعات الجبهة الوطنية الوريثة لخط محمد مصدق، الذي أطلق اسمه تكريما له على واحد من أهم شوارع القاهرة الكبرى، وكان مثالا تحرريا ممتازا في عصره، ولم تحل المذهبية الشيعية السائدة في إيران دون التواصل الشعبي، فقد كان للجامع الأزهر في عهد عبد الناصر قصب السبق في التقريب المذهبي، وأصدر الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر فتواه الشهيرة عام 1958، التي أفتى فيها بجواز التعبد على المذهب الشيعي الجعفري الأكثر انتشارا بين شيعة إيران وشيعة الأقطار العربية، وكانت الفتوى بمثابة إنهاء لقطيعة دينية اتصلت لمدة 13 قرنا وأكثر قبلها، وقصاً لدابر الفتن بين المسلمين، التي اعتاد الاستعمار البريطاني والأمريكي والإسرائيلي على استخدامها في نشر سياسة فرق تسد، وهو ما يعمل وعمل عليه دعاة العروبة المريبة اليوم، ويقدمون من حيث لا يدرون دعما للمنحى الطائفي في إيران نفسها، ويضيفون لقوة إيران الميدانية جهد غالبية الشيعة العرب، بينما يفتتون النسيج الاجتماعي في بلدان عربية كثيرة من حول الخليج العربي، تماما كما فعلوا بدعم الغزو الأمريكي للعراق وتحطيمه، بما خلق فراغا مجاورا للقوة الإيرانية، والحياة لا تعرف الفراغ، فقد وجدت القوة الإيرانية إلى جوارها فراغا فتمددت فيه، وكل فراغ تتركه خلفك يحتله غيرك، وجماعات العروبة المريبة من وظائفها أن تثير الفتن، وتخلق الفراغات والثقوب، وقد شاركت في تعظيم مجد وقوة إيران بالقصد أو من دونه، إضافة لنهوض صنعه تنامي نزعة الاستقلال السياسي والعلمي والحربي في إيران اليوم، ولجوء دول العروبة المريبة إلى نشر قواعد أمريكية، بل إسرائيلية طلبا لحماية، ثبت مجددا أنها مجرد «فنكوش»، وأن المتغطي بالأمريكان عريان على الدوام، بينما كان عبد الناصر يقول، إن أصل الخيانة في الأمريكان ويرفض القواعد الأجنبية ويعتبرها احتلالا زمن العروبة الحقة، التي تفتري عليها جماعات العروبة المريبة المزيفة اليوم، وتنقلب على قيمها التحررية السامية.
وقد نتفهم دواعي الخصومة المستحكمة لعروبيين حقيقيين مع إيران الحالية، وبالذات في أقطار تعرضت لعنت وتوحش إيران، أو جماعات إيرانية الهوى، وبالذات في العراق وسوريا، وهؤلاء العروبيون الحقيقيون لم يخطئوا أبدا في قراءة الواقع، ولا أحلوا العداء لإيران محل العداء للكيان الإسرائيلي، ووقفوا ويقفون على الدوام مع جماعات المقاومة لكيان الاحتلال، حتى إن كانت في النفس غصة، وأمثال هؤلاء لا يصح حشرهم بالجملة مع دول وتيارات العروبة المريبة، التي تفتري على مواريث عروبية أصيلة، وتنقلب على معانيها ومبانيها، وتصطنع عروبة إسرائيلية الهوى، تقفز على أبجديات الوجود القومي العربي، وترتكب أبشع الخطايا، وتصور دونالد ترامب كأنه شيخ مشايخ أهل السنة والجماعة، ولا تفرق بين خصومة مع جار أصيل في الجغرافيا والتاريخ، وعداوة وجود مع كيان، قام ويقوم على جثة الأمة بالغصب والقهر.

كاتب مصري