شهدت توقيع 34 اتفاقية... زيارة رئيس تشاد للجزائر .. جديد بالساحل

شهدت توقيع 34 اتفاقية... زيارة رئيس تشاد للجزائر .. جديد بالساحل

 

نواكشوط– عربي21– محمد ولد شينا 

 

 

في خطوة لافتة من حيث التوقيت والدلالات السياسية، أدى الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو زيارة دولة للجزائر بدأت الأربعاء واستمرت عدة أيام التقى خلالها بنظيره الجزائري عبد المجيد تبون.

وفي ختام الزيارة وقع البلدان 34 اتفاقية تعاون ومذكرة تفاهم، شملت عدة قطاعات بينها "الإعلام، والأشغال العمومية، والشباب، والصحة الحيوانية، والصناعة الصيدلانية، والنقل الجوي، والتعليم العالي، والتجارة، والنفط".

كما وقع البلدان "اتفاقية للإعفاء المتبادل من التأشيرات لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية وجوازات الخدمة"، إضافة إلى اتفاقية تتعلق بـ"إرساء آلية للتشاور السياسي والدبلوماسي بين البلدين".

وبينما طغت بروتوكولات التعاون الثنائي على المشهد الرسمي، إلا أن الزيارة حملت أبعادا إقليمية إذ فتحت الباب أمام تساؤلات حول سعي الجزائر لإعادة تشكيل نفوذها في منطقة الساحل.

زيارة ديبي للجزائر تأتي في ظل مناخ إقليمي معقد للغاية بالنسبة للدبلوماسية الجزائرية، جراء القطعة مع مالي التي تقود تحالفا من ثلاث دول بالساحل.

وفي الوقت الذي شكلت فيه ثلاث من دول الساحل تحالفا أطلق عليه "كونفدرالية الساحل" ويضم: مالي، النيجر، بوركينا فاسو، واتجاه هذا التحالف نحو فك الارتباط مع المنظمات التقليدية، تبرز تشاد كطرف وازن، حافظ على مسافة أمان من الاستقطاب الحاد بمنطقة الساحل، مما جعلها الوجهة الأمثل للجزائر لكسر حالة الجمود الإقليمي وإعادة تفعيل دورها كلاعب مركزي بالمنطقة.

 

بناء نموذج أفريقي
 


أبرز محطات زيارة ديبي، للجزائر، تلك التي التقى فيها تبون وأدليا عقبها بتصريحات صحفية، أكدا فيها أن بلديهما بصدد الانتقال من صداقة تقليدية إلى شراكة استراتيجية.

وفي تصريحاته عقب تلك المباحثات قال الرئيس الجزائري إن الزيارة تشكل خطوة هامة نحو بناء شراكة إستراتيجية متكاملة، مؤكدا حرص البلدين على بناء نموذج إفريقي ناجح للتعاون.

وأضاف تبون: " أكدنا أنا وأخي فخامة رئيس جمهورية تشاد الشقيقة أن التحديات التي يواجهها فضاؤنا المشترك في منطقة الساحل والصحراء وفي مقدمتها تحدي مكافحة الإرهاب تفرض التنسيق والتعاون بما يضمن حماية أمن واستقرار بلدينا والمنطقة".

بدوره أكد رئيس تشاد أن زيارته إلى الجزائر تمثل "منعطفا تاريخيا في علاقات البلدين وتعكس إرادة سياسية واضحة للانتقال من صداقة تقليدية إلى شراكة استراتيجية".

وأضاف: "تواجدي في الجزائر، بعد سبعة أشهر فقط من زيارتي الأخيرة، يعكس إرادة سياسية واضحة لدى البلدين للانتقال من صداقة تقليدية إلى شراكة استراتيجية من الجيل الجديد".

وأشار الرئيس التشادي إلى أن الرسالة التي يوجهها اليوم من هذه الزيارة هي "رسالة إفريقيا الرافضة للتهميش"مؤكدا أن "التدشين الناجح للخط الجوي بين الجزائر العاصمة ونجامينا، يجب أن يكون نموذجا يحتذى به.

 

رسائل الزيارة
 


وتبدو سياسية الجزائر في الساحل الأفريقي تتأرجح بين الجفاء والاحتواء، حيث بدأ مؤخرا تفعيل القوة الناعمة لاحتواء الفتور في علاقتها مع بعض دول الساحل، فأعادت سفيرها إلى النيجر، ثم أوفدت وزير المحروقات رفقة وفد يضم مديري "سوناطراك" و"نفطال" و"سونلغاز" إلى بوركينافاسو وعرضت على سلطات واغادوغو، الدعم في مواجهات أزمة المحروقات العالمية.

في المقابل يستمر الجفاء بين الجزائر ومالي التي اختارت التحالف مع قوى أخرى أبرزها روسيا عبر(فاغنر/الفيلق الأفريقي) وتنتهج سياسة التصعيد الدبلوماسي مع جارتها.

وفي هذا السياق يقول الصحفي المتابع للشأن الأفريقي محمد الأمين عبدوتي، إن الجزائر بدأت تدرك صعوبة العودة القريبة لمسار باماكو، فقررت الالتفاف نحو القوى الإقليمية الأخرى المؤثرة.

وأضاف في تصريح لـ"عربي21" أن الدبلوماسية الجزائرية نجحت مؤخرا في احتواء الأزمة مع بوركينافاسو والنيجر عبر لغة المصالح الاقتصادية والمشاريع التنموية، خصوصا في مجال الطاقة، ثم جاءت زيارة الرئيس التشادي، لتعزيز جهود الجزائر في البقاء ضمن معادلة التأثير في منطقة الساحل الأفريقي المضطربة.

ورأى أن الحديث عن تشكل محور جديد قد يكون مبكرا إلا أن مخرجات زيارة ديبي للجزائر تعد خطوة نحو مساعي الجزائر للحفاظ على دورها في الساحل وتؤكد أن الجزائر مصرة على لعب دور فعال في المنطقة.

وأوضح أن الزخم الذي رافق زيارة ديبي بمثابة رسالة إلى مالي أن الجزائر "تمتلك القدرة على المناورة وإيجاد شركاء وازنين في المنطقة".

ولفت إلى أن الزيارة ترسل رسالة أخرى مفادها أن الدور الجزائري في الساحل ما يزال قائما ومؤثرا وأن محاولة عزلها عن ملفات الساحل قد يبدو صعبا في ظل مصالح دول المنطقة ومن بينها تشاد.

 

ثقل إقليمي
 


من جهته يرى الأستاذ الجامعي والكاتب الصحفي الجزائري محمد شيحات، أن ما يمنح هذه الزيارة ثقلها الإقليمي الفعلي أنها لم تأت منفردة، بل جاءت بعد يوم واحد فقط من اختتام الدورة الرابعة للجنة الحكومية المشتركة بين البلدين، وفي سياق سلسلة لقاءات قطاعية شملت الاستثمار والمحروقات والمناجم، وهو ما يمنحها طابعا اقتصاديا، لأن الملفات المطروحة لم تعد محصورة في تأكيد الطابع الأخوي للعلاقات، بل باتت مرتبطة بآليات تنفيذية تمسّ الطاقة والنقل والاستثمار.

وأضاف في تصريح لـ"عربي21" أن هذه الزيارة تكتسب أهمية استثنائية في ضوء المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الساحل، ولا سيما في ظل الفتور الذي يسم العلاقة مع مالي "فالجزائر التي اضطلعت بدور الوسيط المحوري في إبرام اتفاق السلم والمصالحة بباماكو وبرصيدها العميق على مختلف الاصعدة، وجدت نفسها في مواجهة خطاب تصعيدي صادر عن المجلس العسكري الحاكم في مالي، يسعى من خلاله إلى تصوير الجزائر خصما لا شريكا".

ولفت إلى أنه في هذا السياق، يبدو التقارب الجزائري-التشادي خيارا استراتيجيا واعيا، يمكن الجزائر من صون حضورها الفاعل في الفضاء الساحلي الصحراوي، ومن تكثيف التنسيق مع نجامينا لمواجهة التهديدات الأمنية المشتركة الإرهاب والاتجار غير المشروع عبر الحدود، في منطقة باتت تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متنافسة.

 

غموض في التوجه السياسي

أما الناشط السياسي والاجتماعي التشادي، محمد البشير حسن حسن صالح، فيرى أن الزيارة تأخذ طابعا اقتصاديا وتجاريا في المقام الأول، عبر بناء جسر جوي بين الجزائر وانجمينا لتوصيل البضائع لأن تشاد دولة حبيسة لا تطل على المنافذ البحرية وكذلك تفتقر إلي السكك الحديدية لتسهيل نقل البضائع، مما يجعلها تعتمد على النقل البري والجوي.

واستعبد حسن صالح في تصريح لـ"عربي21" أن تكون الزيارة تحمل أبعادا سياسية أو إقليمية ظاهرة، لافتا إلى الموقف التشادي من الملفات الإقليمية يتسم بالغموض حيث إن توجهها السياسي غير معروف تماما فيما إذا كانت تتوافق وتصطف مع اتحاد الساحل (مالي، النيجر، وبوركينا فاسو) أم تتخذ مساراً آخر.

وأضاف: "تمتلك تشاد أيضا شبكة علاقات متنوعة ومستقلة تشمل روابط اقتصادية ودفاعية مع فرنسا، بالإضافة إلى علاقات مع روسيا، أمريكا، والصين. وبالتالي، فإن هذه العلاقة التجارية مع الجزائر لا تضر بدول الساحل ولا يتوقع أن تُفسد العلاقات أو الاتفاقيات الأمنية البسيطة الموجودة حاليا بين تشاد ودول الساحل".

وبخصوص انعكاس الزيارة على الدور الجزائري في الساحل، اعتبر أنه قد محدودا  في الوقت الحالي نظرا  إلى أن التواصل بين تشاد ودول الساحل يقتصر على الجوانب الأمنية فقط مثل محاربة الإرهاب وتأمين الشريط الحدودي في منطقة بحيرة تشاد، دون وجود أي عمق سياسي له تأثير.